بسم الله الرحمن الرحيم
بعد هذا ما استطعت أن أنفذ شيئًا مما أريده
وهناك من الناس من خذلهم الله والشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من سعد في بطن أمه قد يمشي إلى المسجد وقد يمشي إلى شرب الخمر لا يجوز لأحد أن يقول يا رب كيف خلقت في هذا الإنسان المصيبة كيف خلقت في هذا الكفر كيف خلقت في هذا المعصية بماذا أجاب الإمام الشافعي رضي الله عنه حين سئل عن القدر.
بسم الله والحمد لله وصلى الله على رسول الله جاء رجلٌ إلى الإمام الشافعي رحمه الله فسأله عن القدر فقال رضي الله عنه ما شئت كان وإن لم أشأ وما شئت إن لم تشأ لم يكن خلقت العباد على ما علمت ففي العلم يجري الفتى والمسن على ذا مننت وهذا خذلت وهذا أعنت وذا لم تُعِن فمنهم شقيٌ ومنهم سعيدٌ وهذا قبيحٌ وهذا حسن، الإمام الشافعي رضي الله عنه لما جاءه شخصٌ يسأله عن القدر، أجابه على الفور بهذه الأبيات الأربعة هذه الأبيات رواها الإمام البيهقي رحمه الله يقول الإمام الشافعي رضي الله عنه فيها مخاطبًا الله عز وجل، يقول ما شئت كان وإن لم أشأ يعني يا رب ما شئت أن يكون لا بد أن يكون وإن أنا أي العبد لم أشأ حصوله لأن مشيئتك يا رب مشيئة نافذةٌ قطعًا أما نحن العباد مشيئتنا قد تنفذ وقد لا تنفذ قد يحصل ما أنا أريده وقد لا يحصل وهذا أمرٌ معلوم الواحد منا أحيانًا يستيقظ في الصباح يقول مثلًا أريد في هذا اليوم أن أعمل كذا وكذا وكذا فإذا بأمرٍ طارئ يطرأ عليه فيغير بسببه كل ما كان قد خطط له يقول بعد هذا ما استطعت أن أنفذ شيئًا مما أريده،
هذا حال البشر هذا حال الإنسان فالأمر كما قال الإمام الشافعي رضي الله عنه ما شئت يا ربي كان وإن لم أشأ وما شئت إن لم تشأ لم يكن، ما شئت أنا حصوله إن لم تشأ أنت يا ربي أن يكون فلا يكون إن شئت أن يكون كان إذا أنا أردت حصول أمر والله تعالى أراد بمشيئته الأزلية أن يكون فهذا الأمر لا بد أن يكون، لأن الله عز وجل أراد حصوله وأنا وافقت مشيئتي مشيئة الله، يعني أنا أردت أن يكون هذا الأمر والله أراد حصوله فكان ما أراد الله حصوله، وهذا كأعمالنا الاختيارية التي شاء الله حصولها أنا إذا أردت أن أفعل شيئًا إذا أردت أن أقول شيئًا الكلام الذي أنطق الآن به هذا أنا أختاره وأريد أن أقول هذه الكلمات والله عز وجل أراد أن تحصل مني أن تصدري مني هذه الكلمات فأنا أقولها كما أراد الله عز وجل يعني الله تعالى أراد أن أقول هذا بمشيئي يعني الله أراد أن أقول هذا وأن أشاء قوله وأن يحصل مني هذا القول،
فحصل مني هذا القول، وهذا معنى الآية قول الله تبارك وتعالى (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين) ما معنى هذه الآية وما تشاؤون أي لا تحصل منكم أيها العباد لا تحصل منكم مشيئة إلا إذا أراد الله تعالى أن نريد هذا الأمر فعند ذلك أنا أشاءه فإذًا أنا إذا شئت أمرًا إذا أردت أمرًا فهذا لأن الله شاء أن أشاءه فشئته فإذًا يا أحباب الإمام الشافعي بدأ كلامه بهذا البيت ما شئت كان وإن لم أشأ وما شئت إن لم تشأ لم يكن، ثم قال خلقت العباد على ما علمت، خلقت يا ربي العباد على وفق علمك الأزلي على حسب ما علمت في الأزل،
ولذلك يا أحباب نرى أن هناك إنسانًا يخلق وهو سليم وهناك إنسان يخلق وهو سقيم مريض عنده علة، هناك إنسانٌ يخلقه الله تعالى ويجعل صورته هيئته جميلة وهناك إنسانٌ يخلق دميم المنظر ليس جميل المنظر هناك إنسان يخلق طيب الخلق يكون طبعه طيبًا وهناك إنسانٌ يخلقه الله وخلقه لا يكون طيبًا فإذًا الله تعالى خلق العباد على وفق علمه ففي العلم يجري الفتى والمسن هذا الكلام من سيدنا الإمام الشافعي رضي الله عنه فيه بيان أن الإنسان الصغير والإنسان الكبير لا يخرج عن مشيئة الله سبحانه وتعالى وعلمه ففي علمه يجري الفتى والمسن، الصغير والكبير والذكر والأنثى والشيخ الفاني الكبير في السن والشاب القوي والطفل الصغير، كل ما يحصل في هذا العالم يحصل على وفق علم الله ومشيئته،
ففي العلم يجري الفتى والمسن على ذا مننت وهذا خذلت وهذا أعنت وذا لم تُعِن، الإمام الشافعي في هذا البيت أن الناس ليسوا كلهم على حالٍ واحدة وهذا أمر معلوم، الناس يا أحباب منهم من يتفضل الله عليه يمن الله عليه على ذا مننت أي تفضلت فالله تعالى يتفضل على بعض عباده بأمورٍ بنعمٍ دينية وهناك أناسٌ يتفضل الله عليهم بنعمٍ دنيوية، النعم الدينية مثل الإيمان وهي أهم النعم على الإطلاق، أن يكون الإنسان مؤمنًا بالله ورسوله مسلمًا على دين الإسلام دين الحق دين الأنبياء، فهذا الذي آمن هذا آمن بمن الله أي بفضل الله بتوفيق الله عز وجل على ذا مننت وهذا خذلت، هناك من الناس من خذلهم الله، ما هو الخذلان، الخذلان أن يخلق الله تعالى في العبد قدرة فعل المعصية،
فإذا خلق الله في الإنسان قدرةً تكون هذه القدرة مع معصيته بحيث يعصي الله عز وجل هذا يقال فيه خذله الله، الله تعالى خذله، فالله تعالى خذل بعض الخلق الله عز وجل أقدرهم على الشر على فعل المعاصي على الكفر، وهناك أناسٌ الله منّ عليهم الله لم يمن على كل الناس بالإيمان وإنما هناك أناسٌ من الله عليهم بالإيمان وهناك أناس خذلهم الله تبارك وتعالى، وهذا معلوم من القرآن كما قال الله تبارك وتعالى عن بعض الناس الذين خذلهم الله الله تعالى قال (ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم) إذًا يا أحبابنا هذه الآية تدل على أن من الناس من أراد الله فتنته، من لم يرد الله له الهداية،
الله تعالى لم يرد أن يطهر قلوبهم، ولذلك كانوا على الكفر والشرك والعياذ بالله، ومن الناس من هداهم الله عز وجل الله تعالى قال عن صحابة النبي عليه الصلاة والسلام (واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطعيكم في كثير من الأمر لعندتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبهم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان) هذه الآية أحبابنا فيها بيان أن الله عز وجل شاء الهداية لبعض خلقه فوفقهم وهداهم وحبب إلى قلوبهم الإيمان وهناك أناسٌ لم يرد الله عز وجل الهداية لهم بل أراد الله فتنتهم أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم، ثم قال الإمام الشافعي رحمه الله رحمة واسعة وهذا أعنت وذا لم تُعِن، ما معنى هذا الكلام الإعانة أحبابنا معناها الإقدار والتمكين فالذي أقدره الله على فعل الخير مكّنهالله من فعل الخير فهذا الله تعالى وفقه للخير،
ومن أقدره الله على فعل الشر وأعانه على فعل الشر هذا لم يقدره الله على الخير لم يوفقه الله للخير، بل الله خذله وأعانه على الشر، وهنا لو تنبهنا إلى أن كلمة الإعانة ليس معناها الرضا، ليس معناها أن هذا شيءٌ يحبه الله، الإعانة في اللغة معناها كما ذكرنا الإقدار والتمكين فالله تعالى هو الذي أقدر الإنسان على الخير وهو الذي أقدره على الشر، الإنسان الذي يتكلم، من الذي أقدره على الكلام الله تعالى، من الذي أعطانا القدرة على أن نتكلم على أن نتحرك على أن نذهب ونجيء ونمشي الله عز وجل هو الذي أقدرنا على ذلك هو الذي مكننا من ذلك هو الذي يعطينا القوة لفعل أعمالنا التي نعملها هذه الأعمال أليس فيها الخير وفيها الشر،
بلى، فيها الطاعة وفيها المعصية، الإنسان الذي يمشي قد يمشي إلى المسجد وقد يمشي إلى شرب الخمر، قد يمشي لقتل مسلمٍ بغير حق، قد يمشي ذاهبًا لسرقة مالٍ بغير حق، هذا الإنسان الذي يمشي إن كان في خيرٍ أو شر من الذي أقدره على المشي، الله تعالى، لذلك قال العلماء الله هو الذي يعين على الخير والذي يعين على الشر، هو الذي أقدر هذا على الخير وهو الذي أقدر هذا على الشر، إذا فهمنا هذا الأمر إذًا ما معنى قول الإمام الشافعي وهذا أعنت وذا لم تُعِن، هذا الكلام معناه أن الله سبحانه وتعالى أعان بعض الناس على الخير ولم يُعِن بعض الناس الآخرين على الخير بل أعانه على غير الخير، أعانهم على الشر، فليس معنى كلام الإمام الشافعي أن الله تعالى لا يعين على الشر إنما معناه أن الله عز وجل أعان بعض الناس على الخير ولم يعن آخرين على الخير بل أعانهم على الشر،
ثم قال فمنهم شقيٌ ومنهم سعيدٌ وهذا قبيح وهذا حسن، الله تعالى خلق الناس وجعل الناس منهم من هو شقي ومنهم من هو سعيد، الشقي هو من يموت على الكفر، هو من يموت على غير الإيمان، والسعيد هو من يموت على الإيمان، النبي عليه الصلاة والسلام قال الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من سعد في بطن أمه يعني الذي يكون شقيًا من هو الشقي هو الشخص الذي وهو في بطن أمه كتب أنه من الأشقياء، الله علم بعلمه الأزلي أنه يكون شقيًا ثم حين يأتي الملك حين يكون الطفل في بطن أمه يأتي ملكٌ ويكتب هذا الإنسان هل هو شقيٌ أم سعيد، الله عز وجل يطلع هذا الملك فيكتب هذا الملك هذا شقيٌ أي يموت على الكفر وهذا سعيدٌ أي يموت على الإيمان، ثم قال وهذا قبيح وهذا حسن،
أي أن الله خلق أشياء قبيحة وخلق أشياء حسنة، ليس كل ما خلقه الله حسنًا وليس كل ما خلقه الله قبيحًا الله هو الذي خلق الداء وهو الذي خلق الدواء، الله هو الذي خلق الملائكة وهو الذي خلق الشياطين، الله هو الذي خلق جبريل رئيس الملائكة وهو الذي خلق إبليس الذي هو أبو الجن ورأس الشياطين، الله خلق سيدنا محمدًا عليه الصلاة والسلام سيد الأنبياء وسيد المخلوقات وسيد المرسلين وهو الذي خلق الشياطين وفرعون وهامان وقارون الله خلق كل شيء، خلق الحسن وخلق القبيح، لكن هنا أمرٌ مهم يا أحبابنا خلق الله تعالى للخير حسنٌ وخلق الله للشر حسنٌ من الله الشر هو نفسه شر الشر قبيح الشر ليس محبوبًا ليس نبغضه نكرهه،
أما خلق الله للشر، فلا نبغضه ولا نتسخط على الله فيه، يعني أعطي مثالًا آخر، الله تعالى هو الذي يخلق فينا الصحة وهو الذي يخلق فينا المرض، أنا أحب أن أكون في حال الصحة لأن هذا يعينني على قضاء أموري ويعنني على الخير يعينني على الطاعات وأنا لا أحب لنفسي المرض، أحب الصحة ولا أحب المرض لأن هذا يمنعني عن كثيرٍ من الأمور، فأما هذا عندي أمرٌ محبوب وهذا عندي أمرٌ غير محبوب، لا أحبه، لكن خلق الله للصحة فيّ أحبه وخلق الله للشرّ فيّ للمرض فيّ أحبه لا أعترض على الله هذا معناه يا أحبابنا، خلق الله للخير حسن وخلقه للشر حسن، خلق الله لجبريل وميكائيل وسائر الملائكة الكرام وللأنبياء ولنبينا عليه الصلاة والسلام هذا نحبه من الله عز وجل نرضى عن الله في ذلك،
ما معنى نرضى عن الله في ذلك أي لا نعترض على الله في ذلك، وكذلك خلقه لإبليس والشياطين والكفار وأعداء الله وأعداء الأنبياء إذا خلقهم الله لا نعترض على الله تعالى في ذلك لا نتسخط على الله تعالى في ذلك، فإذًا كما أن الله خلق الأشياء الحسنة هو خلق الأشياء القبيحة، نحب الحسن ولا نحب القبيح لكن خلق الله للحسن وخلقه للقبيح نحن نرضى به ولا نعترض عليه في هذا ولا في ذاك وإنما نكون مسلمين لله عز وجل ولا نعترض على الله، لأن الله تعالى لا يُسأل عما يفعل، فإذًا أحبابنا إذا خلق الله في الإنسان الطاعة أو خلق فيه المعصية إذا خلق في إنسانٍ إيمانًا وخلق في آخر كفرًا، لا نعترض على الله لا في هذا ولا في ذاك، الله تعالى هو ربنا وله أن يفعل ما يشاء ونحن عبيد الله عز وجل،
فلا يجوز لأحدٍ أن يقول يا رب كيف خلقت في هذا الإنسان المصيبة كيف خلقت في هذا الكفر كيف خلقت في هذا المعصية، كيف خلقت إبليس الله تعالى يفعل ما يريد، هو ربنا وهو الحكيم، نحن لا نعرف الحِكَم كلها حكم الله عز وجل لا نعرفها، ولكننا نسلم أن الله تعالى حكيم هو يفعل ما يريد وهو حكيمٌ في فعله سبحانه وتعالى إذا خلق الخير وإذا خلق الشر في خلقه للأنبياء وفي خلقه للشياطين هو حكيمٌ في ذلك كله هذا ما ينبغي للإنسان أن يكون عليه وهذا ما قرره الأئمة قرره إمامنا الشافعي جزاه الله خيرًا والحمد لله رب العالمين.