بسم الله الرحمن الرحيم
ويحتج هؤلاء بآيات لا تعطي المعنى الذي هم يدّعونه وسنبين بعض هذه الآيات التي يذكرونها ويبين الرد على احتجاجهم بها، فالله تعالى قد أخبر أنه خلق كثيرًا من الجن والإنس لجهنم هذا كلام مهم أن يفهم على وجهه ما معنى أن لو حرف امتناع لامتناع، بعد هذا يعلم أن قول القدرية المعتزلة المبطلة حين قالوا إن الله شاء هداية الكل هذا كلام غير صحيح، يدّعي بعض الناس أن الله تعالى شاء الهداية لجميع الخلق، فما الرد على هذا الكلام.
بسم الله والحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله، يدّعي بعض الناس أن الله تبارك وتعالى قد شاء الهداية والإيمان والطاعة من كل الخلق، ولم يرد من أحدٍ منهم أن يقع في معصية أو أن يقع في الكفر، هذا الكلام يا أحبابنا هو كلام القدرية المعتزلة الذين شذوا عن معتقد النبي صلى الله عليه وسلم، ويحتج هؤلاء بآياتٍ لا تعطي المعنى الذي هم يدّعونه وسنبين بعض هذه الآيات التي يذكرونها ويبين الرد على احتجاجهم بها، فمن ذلك قول الله تبارك وتعالى (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) فيقولون معنى هذه الآية أن الله تعالى خلق الجن والإنس ليكونوا مؤمنين به عابدين له وأن لا يشركوا به شيئًا، وكذلك يحتجون بقول الله تعالى (وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه) فيقولون هذه الآية معناها أن الله تعالى شاء من كل العباد أن يكونوا مؤمنين به عابدين له سبحانه،
وهذا التفسير تفسيرٌ خاطئ أولًا الآية الأولى معناها (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) أي إلا لآمرهم بعبادتي، هذا معنى الآية، الله تعالى خلقنا في هذه الدنيا ليكلفنا ليمتحننا ليبتلينا ليختبرنا ثم من الناس من يؤمن ومن الناس من يكفر، وكل ذلك على حسب مشيئته سبحانه وتعالى، يدل على ذلك قول الله تبارك وتعالى (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرًا من الجن والإنس) فالله تعالى قد أخبر أنه خلق كثيرًا من الجن والإنس لجهنم معنى ذلك أنه أراد منهم ما يكونون به من أهل جهنم، يعني الله تعالى خلقهم وأراد أن يكونوا على غير الإيمان وأراد أن يكونوا من أهل جهنم، فإذًا الآية ليس لهم فيها حجة ولا دليل،
وأما الآية الثانية (وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه) فمعنى قضى هنا أمر وليس معناها شاء أو أراد أو قدّر، إنما معناها أمر فالله تعالى أمر أن لا نعبد إلا إياه، أمر بتوحيده، أمرنا أن نوحده سبحانه وتعالى ونهانا عن أن نشرك به سبحانه، وليس معناها أن الله تعالى شاء ذلك، لأن الله لو شاء الهداية للكل لاهتدى الكل، هذا المعنى يا أحبابنا الذي ذكرته الآن أنه لو شاء الله الهداية لجميع الخلق لاهتدى جميع الخلق، هذا المعنى جاء القرآن به في آياتٍ كثيرة، وهذا يدل على أن معنى وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه، ليس أنه شاء ذلك، لأنه لو شاء الله ذلك لوقع وحصل، لكن الله تعالى ما شاء من جميع الخلق الهداية، يدل على ذلك آيات سأذكر لكم بعض هذه الآيات التي تعطي هذا المعنى،
يقول الله تبارك وتعالى (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملئن جهنم من الجنة والناس أجمعين) انتبهوا أحبابنا نحن حين نستعمل كلمة لو هذه الكلمة في لغة العرب تسمى حرف امتناع لامتناع، ما معنى هذا الكلام، هذا الكلام مهم أن يُفهم على وجهه، ما معنى أن لو حرف امتناع لامتناع أي أنها تدل على امتناع الجواب لامتناع الشرط، ما معناه في لغة العرب إذا قلت مثلًا لو درست لنجحت هذا ما معناه، معناه امتناع نجاحك لم يحصل منك نجاحٌ لماذا لعدم حصول الشرط الذي هو الدراسة، لو درست لنجحت، لم يحصل النجاح لعدم حصول الدراسة، امتنع النجاح لامتناع الدراسة، كلمة لو في لغة العرب هذا معناها هذا مفادها، لو رجعنا إلى الآية ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها،
ما معناه، معنى هذه الآية أنه لم تؤت كل نفسٍ هداها، لماذا لأن الله تعالى ما شاء أن تؤت كل نفسٍ هداها، ولو شئنا أن نؤت كل نفسٍ هداها لآتينا كل نفس هداها، معنى هذا الكلام أنه لم تؤت كل نفسٍ هداها، لماذا لأن الله لم يشأ أن يهدي الكل، الله ما شاء أن يؤتي كل نفس هداها، وهذا ما يؤكده تمام الآية، الله تعالى قال (ولكن حق القول مني لأملئن جهنم من الجنة والناس أجمعين) معناه ولكن قلت وقولي لا يتخلف، الله عز وجل هو أخبر هو قال وقوله لا يتخلف سبحانه وتعالى لأملئن جهنم من الجنة والناس أجمعين، يعني الله تعالى قال وأخبر أنه سيملأ جهنم بالإنس وبالجن، واضح ليس المراد كل الإنس وكل الجن، المؤمنون من الإنس والجن يدخلون الجنة،
لكن المقصود من هذا الصنف ومن هذا الصنف جهنم ستمتلئ من الناس من البشر وهناك من يدخل النار من الجن، فإذًا يا أحبابنا هذه الآية (ولو شئنا لآتينا كل نفسٍ هداها) تدل على أن الله تعالى ما شاء الهداية لجميع الخلق، ومثلها آيات أخرى بنفس المعنى مثلًا قول الله تبارك وتعالى (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا) ما معنى هذه الآية أي لو شاء ربك أن يؤمن من في الأرض كلهم جميعا لآمن من في الأرض كلهم جميعا، ولكن لم يشأ الله ذلك ولهذا لم يؤمن كل من في الأرض، كذلك قول الله تبارك وتعالى (ولو شاء الله لجمعهم على الهدى) معناه الله تعالى لم يشأ أن يجمعهم على الهدى فلذلك لم يجتمعوا على الهدى، وهكذا أحبابنا آياتٌ أخرى كثيرة لا يسع المقام ذكرها كلها،
فبعد هذا يُعلم أن قول القدرية المعتزلة المبطلة حين قالوا إن الله شاء هداية الكل هذا كلامٌ غير صحيح الله تعالى شاء الهداية لبعض الخلق وشاء الضلالة لبعض الخلق، كما قال سبحانه وتعالى (ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور) هذه الآية تدل على أن الله تعالى لم يجعل لجميع الخلق نور الهداية وإنما شاء ذلك لبعض الخلق، كذلك قول الله تعالى (من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراطٍ مستقيم) هذه الآية يا أحبابنا تدل على أن الله تبارك وتعالى شاء لبعض الخلق الضلالة من يشأ الله يضلله، يعني من يشأ الله له الضلالة يضلله ومن يشأ أي ومن يشأ له الهداية يجعله على صراط مستقيم فبعد هذه الأدلة وهذه الآيات يتبين أن قول القدرية ومن وافقهم قول المعتزلة ومن وافقهم هو قولٌ مصادمٌ للقرآن قولٌ يصادم آيات الله كتاب الله عز وجل والمؤمن لا بد أن يكون مصدقًا بكتاب الله ولا يجوز أن يكون مكذبًا للقرآن ومن كذّب القرآن فقد كفر والحمد لله رب العالمين.