بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا وحبيبنا محمد وعلى وآله وصحبه أجمعين أيها الإخوة والأخوات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، المعاملات في الإسلام لا تقل أهمية عن العبادات، فالمعاملات ترتبط ارتباط وثيق بالإيمان وتمتزج بالأخلاق الفاضلة ولذلك يجب وينبغي على المسلم إذا أراد أن يمارس شيئًا من المعاملات في البيع والشراء وغير ذلك أن يعرف ويعلم أحكام وشروط المعاملة التي يتعامل بها حتى يكون تعامله صحيحًا، أيضًا من أراد أن يمارس التجارة البيع والشراء وسائر العقود عليه أن يعرف العقود الفاسدة من العقود الصحيحة حتى يكون تعامله صحيحًا ويكون كسبه كسبًا حلالًا طيبًا، فالإسلام اهتم بالمعاملات ولذلك ذكر النبي عليه الصلاة والسلام الكثير جاء في أحاديث المصطفى عليه الصلاة والسلام تبيين للشروط والأحكام فالمعاملات أمرها عظيم في الإسلام واهتم بها ديننا الحنيف حتى يعيش المسلمون في مجتمع قائم على الإخوة والمحبة الحقيقية يشعر المسلم باهتمام أخيه ويحب لأخيه ما يحب لنفسه وكل ذلك ضمن آداب ينبغي للمتبايعين والمتعاملين عمومًا الالتزام بها والتأدب بها،

من هذه الآداب السماحة، الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام أرشد المتبايعين إلى التسامح أن يكون كل واحد منهما متسامحًا مع الآخر، أخرجه البخاري عن جابر رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع وإذا اشترى وإذا قضى وإذا اقتضى، فإذًا السماحة في البيع والشراء مطلوبة، من صور السماحة بالنسبة للبائع أن لا يغالي في رفع السعر، بل ينقص في الثمن والسعر إن استطاع ذلك، أيضًا إذا علم البائع أن المشتري معسر ولا يستطيع أن يدفع الآن عليه أن ينظره ويتسامح في ذلك الله عز وجل قال (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) أيضًا إذا أراد البائع أن يطالب المشتري بالثمن وأراد الدائن أن يطالب المدين عليه أن يطالبه برفق ولين بدون أن يشدد عليه في ذلك بدون أن يحرجه أما بالنسبة للمشتري من صور التسامح أن لا يكثر من الشروط في البيع وأن يحسن الآداء وكذلك يجب على المشتري أن لا يماطل في دفع ما عليه من مال،

أيضًا لا يجوز للمدين أن يماطل في دفع الدين الذي عليه، النبي عليه الصلاة والسلام قال مطل الغني ظلم أخرجه البخاري، مطل الغني ظلم يعني الإنسان القادر على أن يدفع ما عليه من دين لكنه يماطل ويؤجل ويتساهل في دفع الديون التي عليه هذا يحرم بل هو ظلم للصاحب الدين أيضًا يجب أن يتحلو المتبايعان وسائر المتعاملين يجب أن يتحلو بالصدق المسلم يجب أن يكون صادقًا في جميع شؤون حياته كذلك في البيع والشراء فالبائع يكون صادق في بيان جودة السلعة، في وصفها وفي جنسها وفي نوعها وفي مصدر صناعتها، ولا يلجأ البائع إلى الكذب، يقول مثلًا إنها كلفتني كذا وكذا وهو كاذب، وإذا سؤل البائع سأله المشتري عن هذه البضاعة أفضل أو هذه تقليد،

عليه أن يصدق في ذلك ويكون ناصحًا للمشتري فالدين النصيحة، والله عز وجل في صدق ذلك البائع والمشتري وعدم الكذب الله يبارك لهما في بيعهما، أخرجه البخاري عن حكيم ابن حزام أن النبي عليه الصلاة والسلام قال البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما، والنبي عليه الصلاة والسلام خرج يومًا على التجار فقال يا معشر التجار فرفع إليه أبصارهم ونظروا بأعينهم ورفعوا أعناقهم فقال يا معشر التجار إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا إلا من اتقى الله وبرأ وصدق، فالتاجر الصدوق الأمين الذي يبتعد عن الكذب والخيانة والمكر والخديعة، هذا في مرتبة عالية ومنزلة رفيعة يوم القيامة أخرج الترمذي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء،

كذلك أيضًا ينبغي عدم الإكثار من الحلف، أن لا يحلف البائع والمشتري والمسلم في جميع شؤون حياته لا بد أن يحفظ اليمين ولا يحلف لأن في ذلك امتهان لاسم الله عز وجل، الله سبحانه وتعالى قال (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس) لأنه قد يحلف البائع مثلًا لإغراء الزبائن يعني حتى يقتنعوا في الشراء لكن ذلك سبب لمحق البركة، وإن كان سبب في تكثير المال لكن ذلك المال يكون ممحوق البركة والبركة فيه قليل، النبي عليه الصلاة والسلام قال الحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة أخرجه البخاري، والشر كل الشر إذا كانت تلك اليمين كاذبة، إذا كان يحلف كاذبًا والعياذ بالله هذا يعرض نفسه للبعد عن الله سبحانه وتعالى لا ينظر الله إليه ولا يزكيه،

وقد جاء في صحيح مسلم عن أبي ذر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم قالوا من هم يا رسول الله خابوا وخسروا، قال المنان والمسبل إزاره والمنفق سلعته بالحلف الكاذب، أيضًا يستحب ويسن للمتبايعين ولمن دخل السوق وكثر دخوله إلى الأسواق أن يتصدق أن يكثر من الصدقة أن يخرج من ماله شيئًا تطوعًا لله عز وجل لأن الصدقة تكفر ما قد يكون في الأسواق من الإثم الله عز وجل قال (إن الحسنات يذهبن السيئات) فلذلك يكثر من الصدقة، قد يحصل في السوق نظر إلى الحرام أو سوء خلق في المعاملة، أو من البائع غبن فاحش، أو قد يكون في السلعة غش بسبب عيب لم يفطن البائع لتبينه،

أو بسبب ما يسبق إلى لسانه الحلف، فالأجل ذلك يكثر من الصدقة وقال عليه الصلاة والسلام إن الشيطان والإثم يحضران البيع فشوبوا بيعكم بالصدقة، أي أكثروا من الصدقة حتى يكون تكفير لما يحصل من الإثم والذم، أيضًا يستحب في البيع والشراء الكتابة والإشهاد، الله عز وجل قال (وأشهدوا إذا تبايعتم) كذلك تستحب الكتابة في الدين، المشتري قد يشتري مثلًا ويكون الدين مؤجل فبعد ذلك يحصل شيئًا مثلًا من الاختلاط في مقداره أو نسيانه لذلك الله قال (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل) كذلك الإشهاد على الدين وتوثيقه الله عز وجل قال (واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء) ثم بين سبحانه الحكمة في ذلك (ذلك أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى أن لا ترتابوا) أيضًا أيها الأحبة يجب الابتعاد عن الغش والتدليس وعن إخفاء العيوب،

أحيانًا للأسف من قبل البائع أو من قبل المشتري قد يكثر الغش أو التدليس أو الكذب، وهذا انتشر في هذا الزمان البائع يعلم مثلًا أن في هذه البضاعة عيب، ونقص، فيبيعها ولا يبين ذلك للمشتري، ويعتقد أن ذلك من باب الذكاء وكسب الأموال بالذكاء والفطنة ونحو ذلك المسلم يجب أن يكون صادقًا ناصحًا لأخيه لا يغش إخوانه يحب لأخيه ما يحب لنفسه ويرضى لأخيه ما يرضى لنفسه، فقد جاء في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى السوق ووجد رجلًا يبيع صبرة طعام فوضع يده أصابعه فنالت أصابعه بللًا فقال ما هذا يا صاحب الطعام قال أطابته السماء، قال لو جعلته أعلى ليراه الناس من غش فليس منا، وفي الحديث الآخر قال عليه الصلاة والسلام المسلم أخو المسلم لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعًا يعلم أن فيه عيب إلا بينه له، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه وأن يجعلنا ممن يستمعون القول ويتبعون أحسنه، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.