وَهَيَ خَمْسُ ءَايَاتٍ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِّنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)

﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ قَالَ الْبُخَارِيُّ ﴿أَنزَلْنَاهُ﴾: الْهَاءُ كِنَايَةٌ عَنِ الْقُرْءَانِ، ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾ خَرَجَ مَخْرَجَ الْجَمِيعِ، وَالْمُنْزِّلُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالْعَرَبُ تُؤَكِّدُ فِعْلَ الْوَاحِدِ فَتَجْعَلُهُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ لِيَكُونَ أَثْبَتَ وَأَوْكَدَ، قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: «قَالَ ابْنُ التِّينِ: النُّحَاةُ يَقُولُونَ: إِنَّهُ لِلتَّعْظِيمِ يَقُولُهُ الْمُعَظِّمُ عَنْ نَفْسِهِ وَيُقَالُ عَنْهُ» اهـ.

ثُمَّ قَالَ الْحَافِظُ: «وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ أَنَّ هَذَا جَمْعُ التَّعْظِيمِ» اهـ. وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «أُنْزِلَ الْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَاحِدَةً إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي عِشْرِينَ سَنَةً»، قَالَ الْحَاكِمُ: «صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ». وَكَانَ نُزُولُهُ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا دَفْعَةً وَاحِدَةً فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، ثُمَّ نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُجُومًا نُجُومًا، أَيْ مُتَفَرِّقًا، وَسُمِّيَتْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ لِعِظَمِهَا وَشَرَفِهَا وَقَدْرِهَا.

﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ أَيْ وَمَا أَعْلَمَكَ يَا مُحَمَّدُ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ وَالتَّشَوُّقِ إِلَى خَيْرِهَا وَهَذَا لِتَعْظِيمِ شَأْنِهَا، ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ الظَّاهِرُ أَنَّ أَلْفَ شَهْرٍ يُرَادُ بِهِ حَقِيقَةُ الْعَدَدِ وَهِيَ ثَلاثٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً وَثُلُثُ سَنَةٍ مِنَ السِّنِينَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيُّ كَمَا ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ، فَالْعَمَلُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ أَفْضَلُ مِنَ الْعَمَلِ فِي هَذِهِ الشُّهُورِ.

﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِّنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ أَيْ تَهْبِطُ الْمَلائِكَةُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ إِلَى الأَرْضِ، وَالْمُرَادُ بالرُّوحِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وَهُوَ أَشْرَفُ الْمَلائِكَةِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فِيهَا﴾ أَيْ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَقَوْلُهُ ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أَيْ بِأَمْرِهِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿مِّنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ أَيْ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَقَضَاهُ يَتَنَزَّلُونَ بِكُلِّ أَمْرٍ قَضَاهُ اللَّهُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ إِلَى قَابِلٍ.

﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ أَيْ إِنَّ لَيْلَةِ الْقَدْرِ سَلامَةٌ وَخَيْرٌ كُلُّهَا لا شَرَّ فِيهَا بَلْ فِيهَا خَيْرٌ وَبَرَكَةٌ، وَقِيلَ إِنَّهُ لا يَحْدُثُ فِيهَا دَاءٌ وَلا يُرْسَلُ فِيهَا شَيْطَانٌ وَحَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ أَيْ إِلَى وَقْتِ طُلُوعِ الْفَجْرِ.

فَائِدَةٌ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَعْيِينِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَعلامَتُهَا أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ صَبِيحَتَهَا بَيْضَاءَ لا شُعَاعَ لَهَا، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَحْمَدَ، لِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانِ»، الْحَدِيثَ وَقَالَ عَلِيٌّ وَعَائِشَةُ وَأُبَيُّ بنُ كَعْبٍ: هِيَ لَيْلَةُ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ، وَقَالَ بَعْضٌ: أَخْفَاهَا فِي جَمِيعِ شَهْرِ رَمَضَانَ لِيَجْتَهِدَ الْمَرْءُ فِي الْعَمَلِ وَالطَّاعَاتِ لَيَالِيَ رَمَضَانَ الْمُكَرَّم.

سُورَةُ الْبَيِّنَةِ وَهِيَ سُورَةُ ﴿لَمْ يَكُنْ﴾ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ

وَقِيلَ مَكِّيَّةٌ وَهِيَ ثَمَانِ ءَايَات

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (1) رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُّطَهَّرَةً (2) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (3) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (4) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6) إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (8)

رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُبَيّ: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾»، قَالَ - أَيْ أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ - وَسَمَّانِي؟، قَالَ: «نَعْمْ»، فَبَكَى، قَالَ الْحَافِظُ: «بَكَى إِمَّا فَرَحًا وَسُرُورًا بِذَلِكَ وَإِمَّا خُشُوعًا وَخَوْفًا مِنَ التَّقْصِيرِ فِي شُكْرِ تِلْكَ النِّعْمَةِ» اهـ، ثُمَّ قَالَ:

«قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: الْمُرَادُ بِالْعَرْضِ عَلَى أُبَيّ لِيَتَعَلَّمَ أُبَيُّ مِنْهُ الْقِرَاءَةَ وَيَتَثَبَّتَ فِيهَا، وَلِيَكُونَ عَرْضُ الْقُرْءَانِ سُنَّةً ولِلتَّنْبِيهِ عَلَى فَضِيلَةِ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ وَتَقَدُّمِهِ فِي حِفْظِ الْقُرْءَانِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنْ يَسْتَذْكِرَ مِنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا بِذَلِكَ الْعَرْضِ» اهـ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: «وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفِقْهِ قِرَاءَةُ الْعَالِمِ عَلَى الْمُتَعَلِّمِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا قَرَأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُبَيّ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ التَّوَاضُعَ لِئَلَّا يَأْنَفَ أَحَدٌ مِنَ التَّعَلُّمِ وَالْقِرَاءَةِ عَلَى مَنْ دُونَهُ فِي الْمَنْزِلَةِ» اهـ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ يَعْنِي الْيَهُودَ، وَقَوْلُهُ ﴿وَالْمُشْرِكِينَ﴾ أَيْ عَبَدَةُ الأَوْثَانِ أَيِ الأَصْنَامِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ أَيْ مُنْتَهِينَ عَنِ الْكُفْرِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ أَيْ حَتَّى أَتَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ، وَالْمُرَادُ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَّنَ لَهُمْ ضَلالَهُمْ وَجَهْلَهُمْ فَآمَنَ بِهِ بَعْضُ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ، وَفِي الآيَةِ بَيَانُ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَى مَنْ ءَامَنَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ إِذْ أَنْقَذَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْكُفْرِ بِبِعْثَةِ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

﴿رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُّطَهَّرَةً﴾ قَوْلُهُ ﴿رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ﴾ أَيْ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿يَتْلُوا صُحُفًا مُّطَهَّرَةً﴾ أَيْ يَقْرَؤُهَا عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ لا مِنْ كِتَابٍ، وَالصُّحُفُ الْمُطَهَّرَةُ الْقُرْءَانُ وَهُوَ مُطَهَّرٌ مِنَ الزُّورِ وَالشَّكِ.

﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ أَيْ فِي الصُّحُفِ مَكْتُوبَاتٌ قَيِّمَةٌ، أَيْ مُسْتَقِيمَةٌ لا اعْوِجَاجَ فِيهَا تُبَيِّنُ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ وَهِيَ الآيَاتُ الْكَرِيمَاتُ.

﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ الْمُرَادُ بِالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى. وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ أَيْ أَتَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ الْوَاضِحَةُ، وَالْمَعْنِيُّ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا مُجْتَمِعِينَ عَلَى نُبُوَّتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا بَعَثَهُ اللَّهُ جَحَدُوا نُبُوَّتَهُ وَتَفَرَّقُوا فَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ بَغْيًا وَحَسَدًا وَمِنْهُمْ مَنْ ءَامَنَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا﴾ أَيْ فِي كِتَابَيْهِمُ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ، وَقَوْلُهُ ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أَيْ إِلَّا أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أَيْ مِنَ الشِّرْكِ لا يَعْبُدُونَ سِوَاهُ، وَالدِّينُ الْعِبَادَةُ وَقَوْلُهُ ﴿حُنَفَاءَ﴾ أَيْ مُسْتَقِيمِينَ عَلَى دِينِ نَبِيِّ اللَّهِ إِبْرَاهِيمَ وَنَبِيِّ اللَّهِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا الصَّلاةُ وَالسَّلامُ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ:

»حُنَفَاءَ: أَيْ مَائِلِينَ عَنِ الأَدْيَانِ كُلِّهَا إِلَى دِينِ الإِسْلامِ« اهـ، وَقَالَ الرَّاغِبُ فِي الْمُفْرَدَاتِ: »الْحَنَفُ: هُوَ مَيْلٌ عَنِ الضَّلالِ إِلَى الِاسْتِقَامَةِ، وَالْحَنِيفُ: هُوَ الْمَائِلُ إِلَى ذَلِكَ، وَتَحَنَّفَ فُلانٌ: أَيْ تَحَرَّى طَرِيقَ الِاسْتِقَامَةِ، وَسَمَّتِ الْعَرَبُ كُلَّ مَنْ حَجَّ أَوْ اخْتَتَنَ حَنِيفًا« اهـ. قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أَيِ الْمَكْتُوبَةَ فِي أَوْقَاتِهَا، وَقَوْلُهُ ﴿وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ أَيْ عِنْدَ وُجُوبِهَا، وَقَوْلُهُ ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ أَيْ وَذَلِكَ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ هُوَ دِينُ الْقَيِّمَةِ، قَالَ الزَّجَّاجُ: »أَيْ ذَلِكَ دِينُ الْمِلَّةِ الْمُسْتَقِيمَةِ«، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: »أَوْ يُقَالُ دِينُ الأُمَّةِ الْقَيِّمَةِ بِالْحَقِّ«.

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ أَيْ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكَمَ عَلَى الْكُفَّارِ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ بِالْخُلُودِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَذَلِكَ إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الأَحْزَابِ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ وَعَلَى ذَلِكَ إِجْمَاعُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي رِسَالَتِهِ الَّتِي أَلَّفَهَا لِبَيَانِ عَقِيدَةِ السَّلَفِ وَالَّتِي بَدَأَهَا بِقَوْلِهِ: »هَذَا ذِكْرُ بَيَانِ عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ«. وَفِيهَا قَوْلُهُ: »وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ مَخْلُوقَتَانِ لا تَفْنَيَانِ أَبَدًا وَلا تَبِيدَانِ«.

وَبِذَلِكَ يَظْهَرُ بُطْلانُ قَوْلِ ابْنِ تَيْمِيَةَ الْحَرَّانِيِّ الَّذِي قَالَ بِفَنَاءِ النَّارِ كَمَا أَثْبَتَ ذَلِكَ عَنْهُ تِلْمِيذُهُ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّة فِي كِتَابِهِ حَادِي الأَرْوَاحِ إِلَى بِلادِ الأَفْرَاحِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابِ مَرَاتِبِ الإِجْمَاعِ مَا نَصُّهُ: »بَابُ الإِجْمَاعِ فِي الِاعْتِقَادَاتِ يَكْفُرُ مَنْ خَالَفَهُ بِإِجْمَاعٍ: وَاتَّفَقُوا - أَيْ أَهْلُ الْحَقِّ - أَنَّ النَّارَ حَقٌّ وَأَنَّهَا دَارُ عَذَابٍ أَبَدًا، لا تَفْنَى وَلا يَفْنَى أَهْلُهَا أَبَدًا بِلا نِهَايَةٍ« اهـ.

وَاللَّهُ تَعَالَى بَدَأَ بِذِكْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَطْعَنُونَ فِي نُبُوَّتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجِنَايَتُهُمْ أَعْظَمُ لِأَنَّهُمْ أَنْكَرُوهُ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ أَيْ شَرُّ الْخَلِيقَةِ وَظَاهِرُهُ الْعُمُومُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ شَرُّ الْبَرِيَّةِ أَيْ مِنَ الَّذِينَ عَاصَرُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ لا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ فِي كُفَّارِ الأُمَمِ مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْ هَؤُلاءِ كَفِرْعَوْنَ وَعَاقِرِ نَاقَةِ صَالِحٍ.

﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ أَيْ خَيْرُ الْخَلِيقَةِ.

﴿جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ أَيْ ثَوَابُهُمْ عِنْدَ خَالِقِهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ يُقِيمُونَ فِيهَا، وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ أَيْ رَضِيَ أَعْمَالَهُمْ وَقَبِلَهَا وَأَثَابَهُمْ عَلَيْهَا، وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ أَيْ رَضُوا هُمْ بِثَوَابِ اللَّهِ تَعَالَى.

وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ أَيْ أَنَّ هَذَا الْخَيْرَ الْكَبِيرَ الَّذِي وَصَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَذِهِ الأَوْصَافِ الْكَرِيمَةِ وَوَعَدَ بِهِ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ خَافَ اللَّهَ فِي الدُّنْيَا فِي سِرِّهِ وَعَلانِيَتِهِ بِأَدَاءِ فَرَائِضِ اللَّهِ وَاجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ.