بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5)
رَوَى مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَأَحْمَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «أُنْزِلَتْ عَلَيَّ ءَايَاتٌ لَمْ أَرَى مِثْلَهُنَّ الْمُعَوِّذَتَيْنِ».
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ قَالَ الْبُخَارِيُّ: «وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْفَلَقُ: الصُّبْحُ»، وَ﴿قُلْ﴾ أَيْ يَا مُحَمَّدُ وَ﴿أَعُوذُ﴾ أَسْتَجِيرُ.
﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ فِي الْقُرْطُبِيِّ: «هُوَ عَامٌّ، أَيْ مِنْ شَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ خَلَقَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ»، وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ فِي كِتَابِ الْقَدَرِ مِنْ صَحِيحِهِ، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: «يُشِيرُ - أَيِ الْبُخَارِيُّ - بِذِكْرِ الآيَةِ إِلَى الرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْعَبْدَ يَخْلُقُ فِعْلَ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ السُّوءُ الْمَأْمُورُ بِالِاسْتِعَاذَةِ بِاللَّهِ مِنْهُ مُخْتَرَعًا لِفَاعِلِهِ لَمَا كَانَ لِلِاسْتِعَاذَةِ بِاللَّهِ مِنْهُ مَعْنًى، لِأَنَّهُ لا يَصِحُّ التَّعَوُّذُ إِلَّا بِمَنْ قَدَرَ عَلَى إِزَالَةِ مَا اسْتُعِيذَ بِهِ مِنْهُ».
وَقَرَأَ ابْنُ يَعْمَر خُلِقَ بِضَمِّ الْخَاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ.
﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ قَالَ الْبُخَارِيُّ: «وَقَالَ مُجَاهِدٌ: غَاسِقٌ اللَّيْلُ إِذَا وَقَبَ غُرُوبُ الشَّمْسِ». قَالَ الرَّاغِبُ فِي الْمُفْرَدَاتِ: «وَذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنِ النَّائِبَةِ بِاللَّيْلِ كَالطَّارِقِ»، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: «فِي اللَّيْلِ تَخْرُجُ السِّبَاعُ مِنْ ءَاجَامِهَا وَالْهَوَامُّ مِنْ أَمَاكِنِهَا وَيَنْبَعِثُ أَهْلُ الشَّرِّ عَلَى الْعَبَثِ وَالْفَسَادِ».
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ فَقَالَ لِعَائِشَةَ «اسْتَعِيذِي بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهِ فَإِنَّهُ الْغَاسِقُ إِذَا وَقَبَ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ هُنَّ السَّوَاحِرُ، وَالنَّفَّاثَاتُ جَمْعُ نَفَّاثَةٍ مِثَالُ مُبَالَغَةٍ، قَالَهُ السَّمِينُ الْحَلَبِيُّ، وَفِي الْمُفْرَدَاتِ: «النَّفْثُ قَذْفُ الرِّيقِ الْقَلِيلِ وَهُوَ أَقَلُّ مِنَ التَّفْلِ». وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ أَيِ السَّاحِرَاتِ اللَّاتِي يَنْفُثْنَ فِي عُقَدِ الْخَيْطِ حِينَ يَقْرَأْنَ عَلَيْهَا.
﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ يَعْنِي الْحَاسِدَ إِذَا أَظْهَرَ حَسَدَهُ وَهُوَ كَرَاهِيَةُ النِّعْمَةِ لِلْمُسْلِمِ وَتَمَنِّي زَوَالِهَا وَاسْتِثْقَالُهَا لَهُ وَعَمَلٌ بِمُقْتَضَاهَا، دِينِيَّةً كَانَتِ النِّعْمَةُ أَوْ دُنْيَوِيَّةً، فَالْحَاسِدُ لا يُؤَثِّرُ حَسَدُهُ إِلَّا إِذَا أَظْهَرَهُ بِأَنْ يَحْتَالَ لِلْمَحْسُودِ فِيمَا يُؤْذِيهِ أَمَّا إِذَا لَمْ يُظْهِرِ الْحَسَدَ فَمَا يَتَأَذَى بِهِ إِلَّا الْحَاسِدُ لِاغْتِمَامِهِ بِنِعْمَةِ غَيْرِهِ، وَقِيلَ: الْحَسَدُ أَوَّلُ مَعْصِيَةٍ عُصِيَ بِهَا اللَّهُ فِي الْجَنَّةِ أَيْ حَسَدُ إِبْلِيسَ لِنَبِيِّ اللَّهِ ءَادَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وَأَوَّلُ مَعْصِيَةٍ عُصِيَ بِهَا فِي الأَرْضِ أَيْ حَسَدُ قَابِيلَ هَابِيلَ ثُمَّ قَتْلُ قَابِيلَ لِهَابِيلَ.
سُورَةُ النَّاسِ مَكِّيَّةٌ فِي قَوْلِ جَابِرٍ وَعَطَاءٍ وَمَدَنِيَّةٌ فِي أَحَدِ قَوْلَيِ
ابْنِ عَبَّاسٍ وَهِيَ سِتُّ ءَايَاتٍ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيم
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6)
قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ﴿قُلْ﴾ أَيْ يَا مُحَمَّدُ وَ﴿أَعُوذُ﴾ أَسْتَجِيرُ بِرَبِّ النَّاسِ أَيْ مَالِكِهِمْ وَخَالِقِهِمْ، قَالَ الْعِزُّ ابْنُ عَبْدِ السَّلامِ: «لَمَّا أَمَرَ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْ شَرِّهِمْ أَخْبَرَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُعِيذُ مِنْهُمْ».
وَلَمَّا كَانَ فِي النَّاسِ مُلُوكٌ قَالَ تَعَالَى ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ وَلَمَّا كَانَ فِي النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ قَالَ تَعَالَى ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ أَيْ هُوَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ، فَهُوَ مَالِكُ الْمُلْكِ يُعِزُّ مَنْ يَشَاءُ وَيُذِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْمَعْبُودُ بِحَقٍّ لا يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ إِلَّا هُوَ، وَالْعِبَادَةُ: هِيَ نِهَايَةُ التَّذَلُّلِ، وَقَالَ اللُّغَوِيُّ النَّحْوِيُّ الْمُفَسِّرُ الإِمَامُ الْحُجَّةُ تَقِيُّ الدِّينِ عَلِيُّ بنُ عَبْدِ الْكَافِي السُّبْكِيُّ فِي الْفَتَاوَى: «الْعِبَادَةُ أَقْصَى غَايَةِ الْخُضُوعِ وَالتَّذَلُّلِ».
﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ أَيْ مِنْ شَرِّ ذِي الْوَسْوَاسِ وَهُوَ الشَّيْطَانُ، وَالْوَسْوَسَةُ: حَدِيثُ النَّفْسِ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: «قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْوَسْوَاسُ إِذَا وُلِدَ يَعْنِي الْمَوْلُودُ خَنَسَهُ الشَّيْطَانُ، فَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ذَهَبَ وَإِذَا لَمْ يُذْكَرِ اللَّهُ ثَبَتَ عَلَى قَلْبِهِ»، قَالَ الرَّاغِبُ: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ أَيِ الشَّيْطَانِ الَّذِي يَخْنُسُ أَيْ يَنْقَبِضُ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ تَعَالَى.
﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ الْمُرَادُ بِالصُّدُورِ هُنَا الْقُلُوبُ، قَالَ الْعِزُّ بنُ عَبْدِ السَّلامِ: ﴿يُوَسْوِسُ﴾ أَيْ يَدْعُو إِلَى طَاعَتِهِ بِمَا يُوصِلُ إِلَى الْقَلْبِ، وَقَدْ رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ مِنْ حِدِيثِ سُفْيَانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ وَقَرِينُهُ مِنَ الْمَلائِكَةِ» قَالُوا: وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَإِيَّايَ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ فَلا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ».
تَنْبِيهٌ مُهِمٌّ: لا يَجُوزُ اعْتِقَادُ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ فِي نَبِيٍّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ وَمَنِ اعْتَقَدَ ذَلِكَ كَفَرَ.
﴿مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ الْجِنَّةُ هُمُ الْجِنُّ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: «وَفِي مَعْنَى الآيَةِ قَوْلانِ، أَحَدُهُمَا: يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ جِنَّتِهِمْ وَنَاسِهِمْ، فَسَمَّى الْجِنَّ هَهُنَا نَاسًا كَمَا سَمَّاهُمْ رِجَالًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ﴾ [سُورَةَ الْجِنّ/6]، وَسَمَّاهُمْ نَفَرًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ﴾ [سُورَةَ الْجِن/1]، هَذَا قَوْلُ الْفَرَّاءِ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَكُونُ الْوَسْوَاسُ مُوَسْوِسًا لِلْجِنِّ كَمَا يُوَسْوِسُ لِلإِنْسِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْوَسْوَاسَ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ هُوَ مِنَ الْجِنَّةِ وَهُمْ مِنَ الْجِنِّ، وَالْمَعْنَى: مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الَّذِي هُوَ مِنَ الْجِنِّ، ثُمَّ عَطَفَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَالنَّاسِ﴾ عَلَى ﴿الْوَسْوَاسِ﴾ وَالْمَعْنَى مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ وَمِنْ شَرِّ النَّاسِ كَأَنَّهُ أَمَرَ أَنْ يَسْتَعِيذَ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَهَذَا قَوْلُ الزَّجَّاجِ».
وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: «فَصْلٌ: وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى عِصْمَةِ النَّبِيِّ مِنَ الشَّيْطَانِ وَكِفَايَتِهِ مِنْهُ، لا فِي جِسْمِهِ بِأَنْوَاعِ الأَذَى وَلا عَلَى خَاطِرِه بِالْوَسَاوِسِ»، ثُمَّ قَالَ فِي الْفَصْلِ الَّذِي بَعْدَهُ: «وَأَمَّا أَقْوَالُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ قَامَتِ الدَّلائِلُ الْوَاضِحَةُ بِصِحَّةِ الْمُعْجِزَةِ عَلَى صِدْقِهِ وَأَجْمَعَتِ الأُمَّةُ فِيمَا كَانَ طَرِيقُهُ الْبَلاغَ أَنَّهُ مَعْصُومٌ فِيهِ مِنَ الإِخْبَارِ عَنْ شَىْءٍ مِنْهَا بِخِلافِ مَا هُوَ بِهِ لا قَصْدًا وَلا عَمْدًا وَلا سَهْوًا وَلا غَلَطًا».
انْتَهَى تَفْسِيرُ جُزْءِ عَمَّ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَوَّلًا وَءَاخِرًا، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى خَاتَمِ الأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ مُحَمَّدٍ وَعَلَى ءَالِهِ وَصَحَابَتِهِ الأَخْيَارِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
