بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ
وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4) فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَّاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (8) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (9) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ (10) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11) وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (12) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (14) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا (16) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (17)
﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ هُمَا قَسَمَانِ: ﴿وَالسَّمَاءِ﴾ قَسَمٌ، ﴿وَالطَّارِقِ﴾ قَسَمٌ. وَالسَّمَاءُ هِيَ الْمَعْرُوفَةُ، وَالطَّارِقُ هُوَ النَّجْمُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَطْرُقُ أَيْ يَطْلُعُ لَيْلًا وَمَا أَتَاكَ لَيْلًا فَهُوَ طَارِقٌ قَالَهُ الْبُخَارِيُّ، وَمِنْهُ حَدِيثُ التَّعَوُّذِ وَفِيهِ: »وَمِنْ طَوَارِقِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ« رَوَاهُ مَالِكٌ.
﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ﴾ أَيْ مَا أَعْلَمَكَ مَا الطَّارِقُ؟ وَهُوَ اسْتِفْهَامٌ يُرَادُ مِنْهُ تَفْخِيمُ شَأْنِ هَذَا النَّجْمِ، قَالَ سُفْيَانُ بنُ عُيَيْنَةَ: كُلُّ مَا فِي الْقُرْءَانِ: »وَمَا أَدْرَاكَ« فَقَدْ أَخْبَرَهُ بِهِ، وَكُلُ شَىْءٍ قَالَ فِيهِ: »وَمَا يُدْرِيكَ« فَلَمْ يُخْبِرْهُ بِهِ.
﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ أَيْ الْمُضِيءُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فَقَالَ الْحَسَنُ هُوَ اسْمُ جِنْسٍ لِأَنَّهَا كُلَّهَا ثَوَاقِبُ أَيْ ظَاهِرَةُ الضَّوْءِ، قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: وَالْمُعْظَمُ عَلَيْهِ.
﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ أَيْ أَنَّ كُلَّ نَفْسٍ عَلَيْهَا حَافِظٌ مِنَ الْمَلائِكَةِ، قَالَ قَتَادَةُ: يَحْفَظُونَ عَلَى الإِنْسَانِ عَمَلَهُ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ إِلَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ، قَالَ الْحَافِظُ: »رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ« اهـ.
﴿فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ أَيْ مِنْ أَيِّ شَىْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ، وَالْمَعْنَى فَلْيَنْظُرْ نَظَرَ التَّفَكُّرِ وَالِاسْتِدْلالِ لِيَعْرِفَ أَنَّ الَّذِي ابْتَدَأَهُ مِنْ نُطْفَةٍ قَادِرٌ عَلَى إِعَادَتِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [سُورَةَ الرُّوم/27] أَيْ وَهُوَ هَيِّنٌ عَلَيْهِ.
﴿خُلِقَ مِنْ مَّاءٍ دَافِقٍ﴾ أَيْ ذِي انْدِفَاقٍ، وَهُوَ عَلَى النِسْبَةِ قَالَهُ سِيبَوَيْهِ، وَالدَّفْقُ الصَّبُّ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ سَائِلٌ بِسُرْعَةٍ قَالَهُ الرَّاغِبُ، قَالَ أَبُو حَيَّانَ: وَالْمُرَادُ بِالْمَاءِ الدَّافِقِ مَنِّيُّ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ لَمَّا امْتَزَجَا فِي الرَّحِمِ وَاتَّحَدَا عَبَّرَ عَنْهُمَا بِمَاءٍ وَهُوَ مُفْرَدٌ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الأَعْمَشِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: يُخْلَقُ الْعَظْمُ وَالْعَصَبُ مِنْ مَاءِ الرَّجُلِ وَيُخْلَقُ الدَّمُ وَاللَّحْمُ مِنْ مَاءِ الْمَرْأَةِ. وَقِيلَ: دَافِقٌ بِمَعْنَى مَدْفُوقٍ، عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَهْلُ الْحِجَازِ مِنْ جَعْلِ الْمَفْعُولِ فَاعِلًا إِذَا كَانَ فِي مَذْهَبِ نَعْتٍ، كَقَوْلِ الْعَرَبِ: عِيشَةٌ رَاضِيَةٌ وَالْمُرَادُ مَرْضِيَّةٌ.
﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ أَيْ أَنَّ هَذَا الْمَاءَ الدَّافِقَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ أَيِ الظَّهْرِ لِلرَّجُلِ وَالتَّرَائِبِ لِلْمَرْأَةِ قَالَهُ الثَّوْرِيُّ، وَهِيَ عِظَامُ صَدْرِهَا.
﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ أَيْ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُعِيدَ الإِنْسَانَ حَيًّا بَعْدَ مَوْتِهِ. وَقِيلَ مِنْ حَالِ الْكِبَرِ إِلَى الشَّبَابِ وَمِنَ الشَّبَابِ إِلَى الصِّبَا وَمِنَ الصِّبَا إِلَى النُّطْفَةِ.
﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ أَيْ تُخْتَبَرُ وَتُكْشَفُ السَّرَائِرُ أَيْ ضَمَائِرُ الْقُلُوبِ وَهِيَ مَا أَكَنَّتْهُ الْقُلُوبُ مِنَ الْعَقَائِدِ وَالنِّيَّاتِ وَمَا أَخْفَتْهُ الْجَوَارِحُ مِنَ الأَعْمَالِ.
﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ﴾ أَيْ فَمَا لِهَذَا الإِنْسَانِ الْكَافِرِ لِتَكْذِيبِهِ بِالْبَعْثِ مِنْ قُوَّةٍ يَمْتَنِعُ بِهَا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَلا نَاصِرٍ يَنْصُرُهُ وَيَدْفَعُ عَنْهُ الْعَذَابَ.
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ أَيْ الْمَطَرِ بَعْدَ الْمَطَرِ، رَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ الْحَافِظُ إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿ذَاتِ الرَّجْعِ﴾: سَحَابٌ يَرْجِعُ بِالْمَطَرِ.
﴿وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ الأَرْضُ تَتَصَّدَعُ بِالنَّبَاتِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَالشَّجَرِ وَالثِّمَارِ وَالأَنْهَارِ.
﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ أَيْ لَحَقُّ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالْمُرَادُ أَنَّ الْقُرْءَانَ يَفْصِلُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ.
﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ أَيْ بِاللَّعِبِ وَالْبَاطِلِ، أَيْ أَنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ جِدٌّ وَلَمْ يَنْزِلْ بِاللَّعِبِ.
﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ يَعْنِي اللَّهُ أَنَّ مُشْرِكِي مَكَّةَ يَحْتَالُونَ وَهَذَا الِاحْتِيَالُ هُوَ اجْتِمَاعُهُمْ فِي دَارِ النَّدْوَةِ عَلَى الْمَكْرِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ أَيْ أُجَازِيهِمْ عَلَى كَيْدِهِمْ بِأَنْ أَسْتَدْرِجَهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونْ فَأَنْتَقِمَ مِنْهُمْ، وَسُّمِّيَ هَذَا الْجَزَاءُ كَيْدًا عَلَى سَبِيلِ الْمُقَابَلَةِ نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [سُورَةَ ءَالِ عِمْرَان/54] وَقَوْلِهِ ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [سُورَةَ البَقَرَة/15] قَالَهُ أَبُو حَيَّانَ، أَيْ يُجَازِيهِمْ عَلَى مَكْرِهِمْ وَالآيَةُ الأُخْرَى مَعْنَاهَا يُجَازِيهِمْ عَلَى اسْتِهْزَائِهِمْ وَلا يُسَمَّى اللَّهُ مَاكِرًا وَلا مُسْتَهْزِئًا.
﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ أَيِ انْتَظِرْ يَا مُحَمَّدُ عُقُوبَةَ الْكَافِرِينَ وَلا تَسْتَعْجِلْ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: ﴿أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ أَيْ قَلِيلًا، وَقَدْ أَخَذَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِبَدْرٍ وَنُسِخَ الإِمْهَالُ بِآيَةِ السَّيْفِ ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُّمُوهُمْ﴾ [سُورَةَ التَّوْبَة/5] أَيِ الأَمْرُ بِالْقِتَالِ وَالْجِهَادِ قَالَهُ ابْنُ الْبَارِزِيِّ وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَإِذْ قُلْنَا إِنَّهُ وَعِيدٌ فَلا نَسْخَ.
سُورَةُ الأَعْلَى مَكِّيَّةٌ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ إِجْمَاعًا وَهِيَ تِسْعَ عَشْرَةَ ءَايَةً
رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِمُعَاذٍ »هَلَّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى«.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيم
سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (4) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (5) سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى (6) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (7) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (8) فَذَكِّرْ إِنْ نَّفَعَتِ الذِّكْرَى (9) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (10) وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى (11) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (12) ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى (13) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (19)
﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: قَالَ الْجُمْهُورُ مَعْنَاهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى، وَقَالَ الْبَعْضُ: نَزِّهْ رَبَّكَ عَمَّا لا يَلِيقُ بِهِ، وَالأَعْلَى صِفَةٌ لِرَبِّكَ، قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ فِي اشْتِقَاقِ أَسْمَاءِ اللَّهِ: الْعَلاءُ: الرِّفْعَةُ وَالسَّنَاءُ وَالْجَلالُ، وَقَالَ الْخَلِيلُ بنُ أَحْمَدَ: اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هُوَ الْعَلِيُّ الأَعْلَى الْمُتَعَالِي ذُو الْعَلاءِ وَالْعُلُوِّ، فَأَمَّا الْعَلاءُ:
فَالرِّفْعَةُ، وَالْعُلُوُّ: الْعَظَمَةُ، ثُمَّ قَالَ الزَّجَاجِيُّ: وَالْعَلِيُّ وَالْعَالِي أَيْضًا الْقَاهِرُ الْغَالِبُ لِلأَشْيَاءِ، وَلَيْسَ مَعْنَى الأَعْلَى نِسْبَةَ عُلُوِّ الْمَكَانِ لِلَّهِ، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فيِ الْفَتْحِ: »وَقَدْ تَقَرَرَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِجِسْمٍ فَلا يَحْتَاجُ إِلَى مَكَانٍ يَسْتَقِّرُ فِيهِ فَقَدْ كَانَ وَلا مَكَانَ« اهـ.
وَاعْلَمْ أَرْشَدَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَنَّ الشَّأْنَ إِنَّمَا هُوَ فِي عُلُوِّ الْقَدْرِ لا عُلُوِّ الْمَكَانِ أَلا تَرَى أَنَّ الأَنْبِيَاءَ عَاشُوا عَلَى الأَرْضِ وَدُفِنُوا فِيهَا سِوَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ فَإِنَّهُ حَيُّ وَهُمْ أَفْضَلُ مِنَ الْمَلائِكَةِ الَّذِينَ فِي السَّمَوَاتِ بَلْ أَفْضَلُ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ.
﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ أَيْ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَسَوَّاهُ بِأَنْ جَعَلَ مَخْلُوقَاتِهِ مُتَنَاسِبَةَ الأَجْزَاءِ غَيْرَ مُتَفَاوِتَةٍ.
﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: قَدَّرَ لِلإِنْسَانِ الشَّقَاءَ وَالسَّعَادَةَ وَهَدَى الأَنْعَامَ لِمَرَاتِعِهَا، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ أَيْ أَنْبَتَ الْعُشْبَ وَمَا تَرْعَاهُ الْبَهَائِمُ.
﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ قَالَ الْفَرَّاءُ: إِذَا صَارَ النَّبْتُ يَبِيسًا فَهُوَ غُثَاءٌ، وَالأَحْوَى: الَّذِي قَدِ اسْوَدَّ مِنَ الْعِتْقِ.
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ أَيْ نَحْنُ نَضْمَنُ لَكَ أَنْ تَحْفَظَ الْقُرْءَانَ فَلا تَنْسَى مِنَ الْقُرْءَانِ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ، وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [سُورَةَ هُود/107] أَيْ مِمَّا قَضَى اللَّهُ نَسْخَهُ وَأَنْ تَرْتَفِعَ تِلاوَتُهُ وَحُكْمُهُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ أَيْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَمَا يَخْفَى مِنْهُمَا.
﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ أَيْ نُسَهِّلُ عَلَيْكَ أَفْعَالَ الْخَيْرِ وَأَقْوَالَهُ وَنَشْرَعُ لَكَ شَرْعًا سَهْلًا سَمْحًا مُسْتَقِيمًا عَدْلًا لا اعْوِجَاجَ فِيهِ وَلا حَرَجَ وَلا عُسْرَ.
﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَّفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ أَيْ عِظْ أَهْلَ مَكَّةَ بِالْقُرْءَانِ إِنْ قُبِلَتِ الْمَوْعِظَةُ، قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: لَعَلَّ هَذِهِ الشَّرْطِّيَة لِلإِشْعَارِ بِأَنَّ التَّذْكِيرَ إِنَّمَا يَجِبُ إِذَا ظُنَّ نَفْعُهُ.
﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ أَيْ سَيَتَّعِظُ بِالْقُرْءَانِ مَنْ يَخَافُ اللَّهَ.
﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى﴾ أَيْ أَنَّ الشَّقِيَّ الْكَافِرَ سَيَتَجَنَّبُ الذِّكْرَى وَيَبْعُدُ عَنْهَا.
﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾ أَيْ الْعَظِيمَةَ الْفَظِيعَةَ لِأَنَّهَا أَشَدُّ مِنْ نَارِ الدُّنْيَا، وَهَذَا وَصْفٌ لِمَا يَؤُولُ إِلَيْهِ حَالُ الْكَافِرِ فِي الآخِرَةِ، وَنَارُ الدُّنْيَا هِيَ الصُّغْرَى.
﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى﴾ أَيْ لا يَمُوتُ الْكَافِرُ فَيَسْتَرِيحُ مِنَ الْعَذَابِ وَلا يَحْيَى حَيَاةً طَيِّبَةً هَنِيئَةً.
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ أَيْ فَازَ مَنْ تَطَهَّرَ مِنَ الشِّرْكِ بِالإِيْمَانِ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ أَيْ ذَكَرَ اللَّهَ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَصَلَّى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ.
﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ وَالْمُرَادُ أَنَّ الْكُفَّارَ يُفَضِّلُونَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ لِأَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ.
﴿وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ أَيْ أَنَّ الْجَنَّةَ لِلْمُؤْمِنينَ خَيْرٌ وَأَبْقَى مِنَ الدُّنْيَا لِطُلَّابِهَا.
﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى﴾ أَيْ أَنَّ الْفَلاحَ لِمَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِهِ فَصَلَّى فِي الصُّحُفِ الأُولَى كَمَا هُوَ فِي القُرْءَانِ، قَالَ الْقُشَيْرِيُّ: إِنَّ هَذَا الْوَعْظَ لَفِي الصُّحُفِ الْمُتَقَدِّمَةِ لِأَنَّ التَّوْحِيدَ وَالْوَعْدَ وَالْوَعِيدَ لا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الشَّرَائِعِ.
﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ هِيَ عَشْرُ صُحُفٍ نَزَلَتْ عَلَى ِإبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَفِيهِ أَنَّ فِي صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ: عَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا بِزَمَانِهِ مُقْبِلًا عَلَى شَأْنِهِ حَافِظًا لِلِسَانِهِ، وَمَنْ حَسَبَ كَلامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلامُهُ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيهِ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
