ترجمته:
هو أبو المنذر ويكنى أبا الطفيل أبيّ بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار، الأنصاري النجاري سيد القراء.
كان ممن شهدوا العقبة التي حضرها سبعون من الأنصار، وشهد بدرًا كذلك وجميع المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الإمام ابن الجوزي في "صفة الصفوة" مترجمًا له: "وهو أحد الذين حفظوا القرءان كله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد الذين كانوا يُفتون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي "حلية الأولياء" أن مسروقًا سأل أبيًّا عن شيء، فقال له أبيّ: أكان بعد أي هل حدث ذلك، فقال مسروق: لا، فقال أُبيّ: فاحمنا حتى يكون، فإذا كان اجتهدنا لك رأينا.
وجاء في وصفه أنه كان دحداحًا، أي ربعة ليس بالطويل ولا بالقصير.
حدَّث عنه بنوه: محمد والطفيل وعبد الله، وأنس بن مالك وابن عباس، وسويد بن غفلة، وزِرُّ بن حُبيش، وأبو العالية الرياحي، وأبو عثمان النهدي، وسليمان بن صُرد، وسهل بن سعد، وأبو إدريس الخولاني، وعبد الله بن الحارث بن نوفل، وكثيرون غيرهم.
من مناقبه:
كان أبيّ بن كعب الأنصاري رضي الله عنه أحد القراء الذين سهل الله لهم تعلم قراءة القرءان وأحكامه من النبي صلى الله عليه وسلم الذي علّمه من أحكام القراءة وعلوم القرءان ما لم يعلمه أحدًا من الصحابة الكرام، ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه ابن سعد في طبقاته وهو: "أقرأُ أمتي أبيّ بن كعب".
وكان أبيّ رضي الله عنه يكتب في الجاهلية حيث كانت الكتابة قليلة في العرب، فلما أسلم جعل يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فكان واحدًا من الأربعة الذين قال عنهم أنس بن مالك: جمع القرءان [أي حفظًا وعلمًا] على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة كلهم من الأنصار: أبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد أحد عمومتي.
وقد أمر الله تبارك وتعالى النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقرأ القرءان كله على أبيّ رضي الله عنه، ففي "حلية الأولياء" بالإسناد عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لأبيّ رضي الله عنه: "إن الله عز وجل أمرني أن أقرأ عليك القرءان"، فقال أبيّ: الله سمّاني لك [أي هل ذُكرت باسمي] قال صلى الله عليه وسلم: "نعم، سمّاك لي"، فجعل أبيّ يبكي.
وفي "سير أعلام النبلاء" أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يا أبا المنذر، إني أُمرت أن أعرض عليك القرءان"، فقال أبيّ: بالله ءامنت وعلى يدك أسلمت، ومنك تعلمت، فردّ النبي صلى الله عليه وسلم القول، فقال أبيّ: يا رسول الله، وذُكرت هناك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "نعم، باسمك ونسبك في الملإ الأعلى"، فقال أبيّ: اقرأ إذًا يا رسول الله.
وكان له من سعة العلم ما شهد له به الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال: من أراد أن يسأل عن القرءان فليأتِ أبيّ بن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأتِ زيدًا، ومن أراد أن يسأل عن الفقه فليأتِ معاذًا، ومن أراد أن يسأل عن المال فليأتني، فإن الله جعلني خازنًا وقاسمًا.
وفي "حلية الأولياء" عن أُبيّ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: "أبا المنذر، أي ءاية من كتاب الله عز وجل معك أعظم"، فقال رضي الله عنه: الله ورسوله أعلم، قال عليه الصلاة والسلام: "أبا المنذر، أي ءاية من كتاب الله معك أعظم" فقال أبيّ: [لا إله إلا هو الحي القيوم]، قال أبيّ: فضرب صدري وقال: "ليهنك العلم أبا المنذر".
وسأل أبيّ رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جزاء الحمى قال عليه الصلاة والسلام: "تُجرى الحسنات على صاحبها ما اختلج عليه قَدم أو ضرب عليه عِرق"، فقال أبيّ: اللهم إني أسألك حُمى لا تمنعني خروجًا في سبيلك، ولا خروجًا إلى بيتك، ولا مسجد نبيك، فلم يُمس أُبيّ قط إلا وبه حمى.
وذكر عنه ابن سعد في طبقاته بالإسناد عن أبي المهلب عن أبيّ بن كعب أنه كان يختم القرءان في ثماني ليالٍ، وكان تميم الداري يختمه في سبع.
روى أبو نعيم في "الحلية" والذهبي في سيره أن رجلاً استوصى أبيّ بن كعب، فقال له: اتخذ كتاب الله إمامًا، وارض به قاضيًا وحَكمًا، فإنه الذي استخلف فيكم رسولكم، شفيع مُطاع، وشاهد لا يُتهم، فيه ذكركم وذكر من قبلكم، وحَكَم ما بينكم، وخبركم وخبر من بعدكم.
وفي الحلية أيضًا بالإسناد عن أبي العالية عن أبيّ رضي الله عنه أنه قال: عليكم بالسبيل والسنة، فإنه ليس من عبد على سبيلٍ وسنةٍ، ذكر الرحمن عز وجل ففاضت عيناه من خشية الله عز وجل، فتمسه النار، وليس من عبد على سبيل وسُنة ذكر الرحمن فاقشعر جلده من مخافة الله عز وجل، إلا كان مَثله كمثل شجرة يبس ورقها، فبينا هي كذلك إذ أصابتها الريح فتحاتت عنها ورقها، إلا تحاتَّت عنه ذنوبه كما تحات عن هذه الشجرة ورقها، وإن اقتصادًا في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل الله وسنته، فانظروا أعمالكم، فإن كانت اجتهادًا أو اقتصادًا أن تكون على منهاج الأنبياء وسنتهم.
وعن مسلم بن شداد عبيد بن عمير، عن أُبيّ بن كعب أنه قال: ما من عبد ترك شيئًا لله عز وجل إلا أبدله الله به ما هو خير منه من حيث لا يحتسب، وما تهاون به عبد فأخذه من حيث لا يصلح، إلا أتاه الله ما هو أشد عليه منه، من حيث لا يحتسب.
ومن أقواله أيضًا: المؤمن بين أربع، إن ابتُلي صبر، وإن أعطي شكر، وإن قال صدق، وإن حكم عدل.
وفاته:
ورد عدة أقوال في وفاته رضي الله عنه، فمنهم من قال إنه توفي سنة تسع عشرة للهجرة، ومنهم من قال: سنة اثنتين وعشرين في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ومنهم من قال: توفي في عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه، على قولين: الأول أن وفاته كانت سنة ثلاثين، والثاني أنها كانت سنة اثنتين وثلاثين.
رحم الله سيد القراء أبيّ بن كعب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حمزة بن عبد المطلب أسد الله وسيد الشهداء
ترجمته:
هو حمزة بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، عم رسول الله صلى الله عليه وسلم المكنى بأبي عمارة وقيل أبو يعلى، وأمه هالة بنت أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة. وهو شقيق صفية بنت عبد المطلب عمة الرسول صلى الله عليه وسلم وأم الزبير لأمها وأبيها، وكان أسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين وقيل بأربع سنين والأول أصح، وهو أخو الرسول صلى الله عليه وسلم من الرضاعة.
قصة إسلامه:
روى ابن الجوزي في كتابه "صفة الصفوة" عن محمد بن كعب القرظي قال: قال أبو جهل في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يكره فبلغ ذلك حمزة فدخل المسجد مغضبًا فضرب رأس أبي جهل بالقوس ضربة أوضحته ثم بعد ذلك أعلن إسلامه فعز به رسول الله والمسلمون، وذلك في السنة السادسة من البعثة.
وفي "أسد الغابة" لابن الاثير الجزري ما نصه: عن محمد بن إسحاق قال إن أبا جهل اعترض رسول الله صلى الله عليه وسلم فآذاه وشتمه وقال فيه ما يكره، فلم يكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومولاة لعبد الله بن جدعان التيمي في مسكن لها فوق الصفا تسمع ذلك ثم انصرف عنه فعمد إلى ناد لقريش عند الكعبة فجلس معهم ولم يلبث حمزة بن عبد المطلب أن أقبل راجعًا من قنص له وكان صاحب قنص يرميه ويخرج له، وكان إذا رجع من قنصه لم يرجع إلى أهله حتى يطوف بالكعبة، وكان إذا فعل ذلك لم يمر على ناد من قريش إلا وقف وسلم وتحدث معهم وكان أعز قريش وأشدها شكيمة.
ثم إن مولاة ابن جدعان كلمته بما جرى، قال ابن الأثير: فاحتمل حمزة الغضب لِما أراد الله تعالى من كرامته فخرج سريعًا لا يقف على أحد كما كان يصنع يريد الطواف بالبيت معدًا لأبي جهل أن يقع به، فلما دخل المسجد نظر إليه جالسًا في القوم فأقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها ضربة شجته شجة منكرة، وقامت رجال من ثريش من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل فقالوا: ما نراك يا حمزة إلا قد صبأت [أي أسلمت]، قال حمزة: أنا أشهد أنه رسول الله، فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة فإني والله لقد سببت ابن أخيه سبًا قبيحًا.
مع هذه الحادثة أعلنها حمزة غير هياب ولا متردد "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله".
وعز المسلمون بحمزة عزًا عظيمًا لما كان له من السطوة والمكانة وعظيم الجرأة والبأس.
ثم إن حمزة هاجر إلى المدينة وشهد بدرًا وأبلى فيها بلاءً عظيمًا مشهودًا.
وقد قال فيه الرسول الصادق عليه الصلاة والسلام: "رحمة الله عليم فإنك كنت ما علمت فعولاً للخيرات وَصولاً للرحم".
جهاده في سبيل الله:
في "صفة الصفوة" لابن الجوزي عن سيدنا علي رضي الله عنه قال: "لما كان يوم بدر ودنا القوم منا إذا رجل منهم على جمل له أحمر، يسير في القوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا علي نادِ لي حمزة" وكان أقربهم من المشركين من صاحب الجمل الأحمر، فجاء حمزة وسئل عن صاحب الجمل الأحمر، فقال: هو عتبة بن ربيعة وهو ينهى عن القتال، فبرز عتبة وشيبة والوليد فقالوا: من يبارز، فخرج فتية من الأنصار فقال عتبة: لا نريد هؤلاء ولكن من يبارزنا من ولد عمنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قم يا علي قم يا حمزة قم يا عبيدة بن الحارث".
ثم إن حمزة بارز شيبة فقتله، وبارز علي الوليد فقتله، وبارز عبيدة عنبة فأثبت كلٌّ صاحبه وكر علي وحمزة على عتبة بأسيافهما فأجهزوا عليه.
وجيء بعبيدة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام لكنه ما لبث أن توفي شهيدًا سعيدًا رضي الله عنه.
وقد ذكر أن حمزة رضي الله عنه كان عليه في الحرب ريشة نعامة وقاتل يوم بدر بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بسيفين، وقال بعض أسارى الكار: "من الرجل المعلم بريشة نعامة" قالوا: حمزة رضي الله عنه، قالوا: "ذاك فعل بنا الأفاعيل".
هذا وليعلم أن حمزة رضي الله عنه هو صاحب أول لواء عقده الرسول عليه الصلاة والسلام، ففي "أسد الغابة" عن أبي الحسن المدائني قال: أول لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم لحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه بعثه في سرية إلى سيف البحر من أرض مهينة.
وفاته رضي الله عنه:
لقد أكرم الله سيدنا حمزة بأن توفاه شهيدًا حميدًا قد تزود بصالح العمل مع حسن السيرة وسلامة السريرة، ففي السنة الثالثة من الهجرة يوم الجمعة، وقيل يوم السبت بينما كان القتال يدور في أحد وقد حمى الوطيس واحمرت الحدق وثبتت الأبطال كالليوث تناضل وتناصر رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث ولى كثير من القوم وتزلزلت الأقدام تحت وطأة السيف، فالألسن صامتة والأسنة تحكي قصص الالتحام، والسيوف تخطب على منابر الرقاب وحمزة يصول ويجول ويقاتل قتال الأبطال وكان يقاتل بسيفين، فقال قائل: أي أسدٍ هو حمزة، وبينما هو كذلك إذا عثر عثرة فوقع على قفاه وانكشف الدرع وإذا بوحشي الحبشي يرميه بالحربة فيمضي حمزة شهيدًا سعيدًا.
وفي سبب قتل وحشي لحمزة أن وحشيًا كان عبدًا مملوكًا عند "جبير بن مطعم" فقال له جبير: إن قتلت حمزة فأنت حر، وكان حمزة قد قتل "طعيمة بن عدي" عم جبير يوم بدر، روى الإمام ابن الجوزي في "صفة الصفوة" يروي عن وحشي بعدما كان قد أسلم قال: وكمنت لحمزة تحت صخرة حتى مرَّ عليّ فلما دنا مني رميته بحربتي فأضعها في ثُنته حتى دخلت بين وركيه/ وكان ذلك ءاخر العهد به.
قال وحشي: فلما رجع الناس رجعت معهم فأقمت بمكة حتى فشا فيها الإسلام.
وقد مثل به كفار قريش ومُثّل بجميع القتلى يومئذ، إلا حنظلة بن أبي عامر فإن أباه كان مع قريش يومها فتركوه. وجعل النساء يمثلن بالقتلى فيجدعن الأنوف ويقطعن الآذان ويبقرن البطون، وبقرت "هند بنت عتبة" بطن حمزة فأخرجت كبده فلاكتها ولم تسغها فلفظتها.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد مُثّل به "أي بحمزة" فلم يرّ منظرًا كان أوجع لقلبه منه فقال: "رحمك الله أي عم فلقد كنت وَصولاً للرحم فَعولاً للخيرات".
وعن جابر قال: لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم حمزة قتيلاً بكى فلما رأى أي ما مُثّل به شهق.
هذا وقد ذكر أنه قد كشف مرة عن عدة قبور لشهداء أحد بينها قبر حمزة فكان كما هو.
وعن جابر قال: لما أراد معاوية أن يجري عينًا التي "بأحد" كتبوا إليه: إنّا لا نستطيع أن نجريها إلا على قبور الشهداء، فكتب معاوية: انبشوهم قال: فرأيتهم يحملون على أعناق الرجال كأنهم نيام، وأصابت المسحاة رجل حمزة فانبعثت دمًا.
وأعقب مقتل حمزة رضي الله عنه الحزن العظيم من كافة المسلمين، فبكى عليه الناس وحزن عليه الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام وكانت وفاته مصيبة كبيرة وفاجعة فجع بها الناس يومئذ.
