ترجمته:
الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي ينسب إلى فهم وهم بطن من قيس عيلان أبو الحارث إمام أهل مصر في عصره ولد في شعبان سنة أربع وتسعين للهجرة وتوفي سنة مائة وخمس وسبعين للهجرة.
أصله من خراسان ومولده في قلقشنده ووفاته في القاهرة كان من الكرماء الأجواد، يعلم الأحكام مليًا، ويبذل الأموال سخيًا.
ويروى عن الشافعي أنه قال: "الليث بن سعد أتبع للأثر من مالك بن أنس".
وفي رواية أخرى: "الليث بن سعد أفقه من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به" ولذلك اندثر مذهبه خصوصًا عند انتشار تلاميذ مالك والشافعي.
كرمه:
ومما يروى عن كرمه أن امرأة جاءت إلى الليث بن سعد فقالت إن لي أخًا وصف له العسل فهب لي سكرجة، فقال: يا غلام املأ سكرجتها عسلاً وأعطها زقًا من عسل فقال الغلام: إنها سألت سكرجة، قال: سألت بقدرها وأعطيناها بقدرنا وحق لي ذلك إني امرؤ ابن أصبهان.
وكان الليث يستغل مائة ألف دينار مل سنة وما وجب عليه زكاة قط لأن الحول كان لا ينقضي عنه حتى ينفقها ويتصدق بها وكان له قرية بمصر يقال لها الفرما يحمل إليه من خراجها فيجعل ذلك صررًا ويجلس على باب داره ويُعطي صُرة لهذا وصرة لهذا حتى لا يدع إلا اليسير.
زهده وورعه:
أما عن زهده فيروى الكثير قال يحيى بن بكير: رأيت الفقراء يزدحمون على باب الليث بن سعد وهو يتصدق عليهم حتى لم يبق أحد منهم، ثم مشى وأنا معه على سبعين بيتًا من الأرامل ثم انصرف فمشيت معه فبعث غلامه بدرهم فاشترى خبزًا وزيتًا ثم جئت إلى بابه فرأيت أربعين ضيفًا جاء إليه باللحوم والحلوى فسألت غلامه بالله عليك لمن الخبز والزيت فقال: يطعم ضيفانه اللحم والحلوى وما رأيته يأكل إلا خبزًا وزيتًا.
مناقبه:
وكان الإمام الليث كثير الاتصال بمجالس العلم، وكان يغشى مجالسها أينما كانت، فحدث أنه حج سنة ثلاث عشرة ومائة فسمع من ابن شهاب الزهري ومن ابن مليكه، وعطاء بن أبي رباح ونافع وعقيل وعمر بن أنس وغيرهم في تلك السنة وكفاه فخرًا أنه شيخ مشايخ البخاري ومسلم. وروى البخاري عن يونس بن عبد الأعلى عن الإمام الليث بن سعد.
وفاته:
توفي الإمام الليث رضي الله عنه سنة خمس وسبعين ومائة أي قبل وفاة الإمام مالك بأربع سنوات وقيل غير ذلك. ودفن في مصر في مقابر "الصدف" وقيل إن قبره كان "كالمصطبة" ثم بني عليه هذا المشهد. وهو مكان مبارك معروف بإجابة الدعاء.
وبالمشهد أيضًا قبر الفقيه الإمام المحدث شعيب بن الليث بن سعد، كان من أجلاء العلماء وهو معدود من المحدثين. قال ابن أبي الدنيا: حج شعيب بن الليث سنة من السنين فتصدق بمال عظيم فمر عليه رجل من العلماء فسأل عنه فقيل له: هذا العالم الكريم ابن العالم الكريم.
ولما فقد مال أبيه بعد موته رحل إلى الشم ودخل دمشق فجاءه رجل فقال: أنا عبد أبيك ومعي لأبيك تجارة بالفي دينار، وأنا الآن في الرق فخذ مال أبيك وأعتقني إن شئت وإلا فبعني، فقال: أنت حر والمال بيدك هبة مني إليك.
قال الخطابي: فلا أدري أيهما أفضل: العبد في إقراره بالمال أم السيد حين أعتقه واعطاه المال.
تاريخ الجامع:
يقع مسجده الآن في شارع الإمام الليث. يقول المقريزي: اشتهر قبره أنه كان مصطبة في ءاخر قباب الصدفيين، وكان عددها أربعمائة قبة، وقد كتب على مصطبة الإمام ما نصه "الإمام الفقيه الزاهد العالم الليث بن سعد بن عبد الرحمن أبو الحارث المصري مفتي أهل مصر".
وقد جُدد هذا الضريح في عهد السلطان المملوكي برقوق ثم الأشرف قايتباي ثم أقيمت مئذنة الجامع في الطرف الغربي منه في عهد الأمير "يشبك داودار" الأشرفي.
وكذلك أجرى السلطان الغوري عدة تجديدات بالمسجد على المدخل الرئيسي مكتوب داخل دائرة: "أمر بإنشاء هذا الباب الشريف من فضل الله تعالى سيدنا ومولانا ومالك رقابنا السلطان الملك الأشرف أبو النصر قانصوه الغوري عزّ نصره في مستهل رجب المفرد من سنة إحدى عشرة وتسعمائة" ويرجع تاريخ القبة والمقصورة الموجودتين الآن على ضريح الإمام إلى العمارة التي قام بها الامير "موسى جوربجي مرزا مستحفظان"، وكان الفراغ منها يوم الخميس في الخامس والعشرين من شهر ذي القعدة سنة ألف ومائة وثمان وثلاثين للهجرة.
وصف الجامع:
يتكون جامع الليث بن سعد من مستطيل تتقدمه مداخل عدة، تهبط إلى المدخل عدة درجات، وقد ثبت على المدخل لوحتان مؤرختان سنة ألف ومائة وأربع وتسعين للهجرة –ألف ومائتين وواحد للهجرة مكتوب عليها:
إذا رمت المكارم من كريم *** فيمم من بنى للفضل بيتا
فذاك الليث من يحمى حماه *** ويكرم جاره حيًا وميتا
ويلي المدخل الخارجي باب ءاخر يؤدي إلى طرقة كبيرة بها عامودان رخاميان، ثم الباب الثالث الذي جدده قانصوه الغوري سنة تسعمائة وإحدى عشرة للهجرة، وقد ركب على هذا الباب مصراعان من الخشب ذي الزخارف المحفورة حفرًا عميقًا. ويؤدي الباب إلى المسجد المستطيل وينتهي بحائط القبلة حيث يوجد المحراب والمنبر.
يقع ضريح الإمام الليث بن سعد في الضلع الجنوبي للمسجد وهو عبارة عن حجرة مربعة أقيمت بواسطة قبة صغيرة محمولة على أربعة أعمدة رخامية بها قواعد، وتيجان بها زخارف عربية، وكتابات كوفية منها "بكة كاملة" و"نعمة شاملة".
رحم الله الإمام العالم الجليل الليث بن سعد الذي وقف على قبره الإمام الشافعي وقال: لله درّك يا إمام، لقد حزت أربع خصال لم يكملهن عالم: العلم والعمل والزهد والكرم.
الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة
ترجمته:
هو أبو عبد الله مالك بن أنس بن أبي عامر أنس بن الحارث بن غيمان الأصبحي المدني وينتهي نسبه إلى يعرب بن يشجب بن قحطان. جده مالك بن أنس من كبار التابعين وأحد الذين حملوا الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه ليلاً إلى قبره كما ذكر ذلك القشيري، ووالد جده هو الصحابي أبو مالك الذي شهد المغازي كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خلا بدرًا، وأما والدة الإمام مالك رضي الله عنه فهي العالية بنت شريك بن عبد الرحمن الأسدية، وأبناؤه هم: يحيى ومحمد وحماد. والإمام مالك هو أحد أصحاب المذاهب الأربعة المدونة المعروفة والمشهورة في بلاد المسلمين.
ولد في المدينة المنورة سنة خمس وتسعين للهجرة نشأ مُجدًا في التحصيل والرواية وقد أخذ العلم وروى عن عدد كبير من التابعين وتابعيهم الذين يعدون بالمئات نذكر منهم: نافع مولى بن عمر، وابن شهاب الزهري، وأبا الزناد وعائشة بنت سعد بن أبي وقاص، ويحيى بن سعيد الأنصاري.
ولقد كان رحمه الله إمام دار الهجرة، فانتشر علمه في الامصار واشتهر في سائر الاقطار وضربت إليه أكباد الإبل وارتحل الناس إليه من شتى الأنحاء، فكان يدرّس وهو ابن سبع عشرة سنة، فمكث يُفتي ويعلم الناس، حتى إن كثيرًا من مشايخه رووا عنه كمحمد بن شهاب الزهري، وربيعة بن أبي عبد الرحمن فقيه أهل المدينة، ويحيى بن سعيد الأمصاري، وموسى بن عقبة وروى عنه كثير من الرواة حتى إن القاضي عياضًا ألف كتابًا عدّ فيه ألفًا وثلاثمائة اسم ممن روى عن الإمام رضي الله عنه، أشهرهم شفيان الثوري والإمام المجتهد محمد بن إدريس الشافعي وعبد الله بن المبارك.
مناقبه:
كثير من علماء التابعين قالوا إن الإمام مالكًا رضي الله عنه هو الذي بشّر به النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل فلا يجدون أعلم من عالم المدينة".
ولقد كان الإمام مالك بن أنس معظمًا للعلم حتى إنه إذا أراد أن يحدث توضأ وصلى ركعتين وجلس على صدر فراشه وسرح لحيته واستعمل الطيب وتمكن في الجلوس على وقار وهيبة ثم حدث، فقيل له في ذلك، فقال: أحب أن أعظم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحدث به إلا متمكنًا على طهارة.
وكان الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه معظمًا للنبي صلى الله عليه وسلم موقرًا له، فقد قال مصعب بن عبد الله: كان مالك إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يتغير لونه وينحني حتى يصعب ذلك على جلسائه، فقيل له يومًا في ذلك فقال: "لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم عليّ ما ترون ولقد كنت أرى محمد بن المنكدر وكان سيد القراء لا نكاد نسأله عن حديث أبدًا إلا يبكي حتى نرحمه ولقد كنت أرى جعفر بن محمد كان كثير الدعابة والتبسم فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم اصفر وما رأيته يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على طهارة، ولقد اختلفت إليه زمانًا فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال: إما مصليًا وإما صامتًا وإما يقرأ القرءان، ولا يتكلم فيما لا يعنيه وكان من العلماء والعباد الذين يخشون الله عز وجل.
يروى من أن الخليفة هارون الرشيد قدم إلى المدينة المنورة وكان قد بلغه أن الإمام مالكًا يقرأ الموطأ على الناس، فأرسل إليه البرمكي وقال له: اقرأ عليه السلام وقل له يحمل إليّ الكتاب فيقرأه عليّ، فأتاه البرمكي فأخبره فقال الإمام رضي الله عنه: اقرأ على أمير المؤمنين السلام وقل له إن العلم يُزار ولا يزور، وإن العلم يؤتى ولا يأتي، فقصد الرشيد منزل الإمام واستند إلى الجدار فقال له الإمام مالك: يا أمير المؤمنين، من إجلال رسول الله صلى الله عليه وسلم إجلال العلم.
ولم يكن هذا الفعل من الإمام تكبرًا على الخليفة، بل كان ذلك لمصلحة شرعية هي بيان فضل العلم والعلماء وتعليم الناس سواء كانوا حكامًا أو محكومين أن يُجلّوا العلم ويوقروه ويكون له في نفوسهم رهبة وهيبة، وإلا فالإمام مالك رضي الله عنه كان من أشد أهل عصره تواضعًا ولينًا.
وكان الناس إذا أتوا الإمام مالكًا خرجت إليهم جارية له فتقول لهم: يقول لكم الشيخ تريدون الحديث أو المسائل فإذا قالوا المسائل خرج إليهم، وإن قالوا الحديث دخل مغتسله واغتسل وتطيب ولبس ثيابًا جددًا ولبس ساجه وتعمم ووضع رداءه وتلقى له منصة فيخرج فيجلس عليها وعليه الخشوع ولا يزال يبخر بالعود حتى يفرغ من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان رحمه الله لا يجلس على تلك المنصة إلا إذا حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل في ذلك لمالك فقال: أحب أن أعظم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحدث به إلا على طهارة متمكنًا.
قال الدراوردي رحمه الله: رأيت في المنام أني دخلت مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيت النبي عليه الصلاة والسلام يعظ الناس إذ دخل عليه مالك فلما رءاه النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إليَّ إلي" فأقبل حتى دنا منه فنزع النبي صلى الله عليه وسلم خاتمه من أصبعه فوضعه في خنصر مالك رضي الله عنه فأولته بالعلم وكان العلماء يقتدون بعلمه والأمراء يستضيئون برأيه، والعامة منقادين إلى قوله، فكان يأمر فيمتثل بأمره بغير سلطان. ولقد قال الإمام ابن حبان في "الثقات": كان مالك أول من انتقى الرجال من الفقهاء بالمدينة، وأعرض عمن ليس بثقة في الحديث، ولم يرو إلا ما صح ولا يحدث إلا عن ثقة مع الفقه والدين والفضل والنسك.
ثم إن أقوال الكثيرين من علماء عصره جعلنا نتبين مدى حرصه على دين الله فقد قال الإمام الشافعي عنه: إذا ذكر العلماء فمالك النجم، وقال ابن معين: مالك من حُجج الله على خلقه، وقال يحيى بن سعيد القطان: مالك أمير المؤمنين في الحديث، وقال ابن سعيد: كان مالك ثقة مأمونًا ثبتًا ورعًا فقيهًا عالمًا حجة.
عقيدته:
كان الإمام رضي الله عنه مقتديًا بالسنة المطهرة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام وأهل بيته، وكان مولده بالمدينة المنورة وتفقهه على علمائها سببًا في اضطلاعه بالسنة النبوية المطهرة وأحوال أهل مهاجر النبي صلى الله عليه وسلم فكان على عقيدة التنزيه لله عن مشابهة الخلق وعن المكان وعن الهيئة والصورة والحركة والانتقال والتغير.
وثبت أن مالكًا أول الاحاديث المتشابهة التي يوهم ظاهرها التجسيم والحركة والانتقال والسكون، ففي تأويل مالك لهذه الأحاديث نقل البيهقي بإسناده عن الأوزاعي ومالك وسفيان والليث بن سعد أنهم سئلوا عن هذه الاحاديث فقالوا: "أمروها كما جاءت بلا كيفية" ذكره في كتابه الأسماء والصفات، وثبت عنه ما رواه البيهقي بإسناد جيد من طريق عبد الله بن وهب قال: كنا عند مالك فدخل رجل فقال: يا أبا عبد الله، الرحمن على العرش استوى كيف استوى؟ فأطرق مالك فأخذته الرحضاء [أي كثرة العرق] ثم رفع رأسه فقال: الرحمن على العرش استوى كما وصف نفسه ولا يقال كيف وكيف عنه مرفوع وما أراك إلا صاحب بدعة، أخرجوه فقول مالك: وكيف عنه مرفوع أي ليس استواؤه على عرشه كيفًا أي هيئة كاستواء المخلوقين من جلوس ونحوه.
وروى البيهقي من طريق يحيى بن يحيى أحد تلاميذ مالك رواية أخرى عن الإمام مالك وهي قوله: "الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول"، أي أن الاستواء معلوم وروده في القرءان، والكيف غير معقول أي أن الاستواء بمعنى الكيف أي الهيئة كالجلوس لا يعقل أي لا يقبله العقل لكونه من صفات الخلق لأن الجلوس لا يصح إلا من ذي أعضاء أي ألية وركبة وتعالى الله عن ذلك.
وأما رواية "والكيف مجهول" فهي غير صحيحة لم تصح عن أحد من السلف ولم تثبت عن مالك ولا غيره من الأئمة رواية.
وثبت عن مالك التأويل في حديث النزول أنه قال: "نزول رحمة لا نزول نقلة"، وروي عنه كذلك في تأويل هذا الحديث: "ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول هل من داع فأستجيب له" أي حديث النزول، أنه على سبيل الاستعارة ومعناه الإقبال على الداعي بالإجابة واللطف والرحمة وقبول المعذرة، ليس على معنى الانتقال الحسي من مكان إلى ءاخر.
الموطأ:
هو أول كتا وُضعت فيه الأحاديث مصنفة ومبوبة، ومعناه الممهد كما أنه أول كتاب ألف في الحديث والفقه معًا، واستغرق تأليفه أربعين سنة. وقد اشتمل على الكثير من الأسانيد التي حكم المحدثون بأنها أصح الأحاديث.
فقد قال الشافعي في الموطأ: ما ظهر كتاب على الأرض بعد كتاب الله أصح من كتاب مالك، وفي عصره قيل فيه: "أيفتى ومالك في المدينة".
علمه:
سئل مالك رحمه الله عن طلب العلم فقال: "حسن جميل ولكن انظر إلى الذي يلزمك من حين تصبح إلى حين تمسي فالزمه". وكان رحمه الله في تعظيم علم الدين على درجة عالية، حتى إذا أراد أن يحدّث توضأ وجلس على صدر فراشه وسرّح لحيته واستعمل الطيب وتمكن من الجلوس على وقار وهيبة ثم حدّث، فقيل له في ذلك، فقال: أحب أن أعظِّم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإرادته وجه الله تعالى بالعلم، فقد جاء عن مالك رضي الله عنه أنه سئل ثمانية أربعين سؤالاً فأجاب عن ستة وقال عن البقية لا أدري.
زهده:
أما زهده في الدنيا فكبير، فقد روي أن الرشيد سأله: هل لك دار فقال: لا، فأعطاه ثلاثة ءالاف دينار وقال: اشتر بها دارًا، فأخذها ولم ينفقها، عندها قال الرشيد لمالك رحمه الله: ينبغي أن تخرج معنا فإني عزمت على أن أحمل الناس على الموطأ. فقال له: أما حمل الناس على الموطأ فليس إليه سبيل، لأن أصحاب الرسول افترقوا في الامصار فحدثوا، فعند أهل كل مصر علم،
وأما الخروج معك فلا سبيل إليه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون" متفق عليه. وقال عليه الصلاة والسلام: "المدينة تنفي خَبثها كما ينفي الكير خبث الحديد" متفق عليه. وهذه دنانيركم كما هي إن شئتم فخذوها وإن شئتم فدعوها. يعني أنك إنما تكلفني مفارقة المدينة لما اصطنعته إليَّ، فلا أوثر الدنيا على مدينة رسول الله عليه الصلاة والسلام.
لقد كان الإمام مالك زاهدًا في أمر الدنيا، وقد أفلح الزاهدون، ولما حُملت إليه الأموال الكثيرة من أطراف الدنيا لانتشار علمه وأصحابه، كان يفرقها في وجوه الخير. ودلّ على زهده سخاؤه وقلة حبه للدنيا، وليس الزهد فقد المال، وإنما الزهد فراغ القلب عنه، ومما يدل على استحقاره للدنيا ما روي عنه أنه قال: "دخلت على هارون الرشيد فقال لي: يا أبا عبد الله ينبغي أن تختلف حتى يسمع صبياننا منك الموطأ، قال: فقلت: أعزّ الله مولانا الأمير، إنَّ هذا العلم منكم خرج، والعلم يؤتى ولا يأتي. فقال: صدقت، اخرجوا إلى المسجد حتى تسمعوا مع الناس.
وفاته:
كانت وفاته في المدينة المنورة لعشر خلون من ربيع الأول سنة مائة وتسعة وسبعين للهجرة، ودفن في البقيع بجوار إبراهيم ولد النبي صلى الله عليه وسلم ورثاه العديد من الشعراء منهم جعفر بن أحمد السراج بقوله:
سقى جدثًا ضمَّ البقيعُ لمالك ***** من المزن مرعاد السحائب مبراقُ
إمام موطاه الذي طبقت به ***** أقاليم في الدنيا فساح وءافاق
أقام به شرع النبي محمد ***** له حذر من أن يضام وإشفاقُ
له سند عال صحيح وهيبة ***** فللكل منه حين يرويه إطراقُ
وأصحاب صدق كلهم علم فسل ***** بهم إنهم إن أنت ساءلت حذاقُ
ولو لم يكن إلا ابن إدريس وحده ***** كفاه ألا إن السعادة أرزاق
رحم الله الإمام مالك بن أنس ونفعنا بعلمه.
