ترجمته:

هو الإمام الصالح الأديب النحوي المتكلم أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك [ضبطها ابن خلكان والسيوطي وابن العماد وغيرهم بضم الفاء وسكون الواو وفتح الراء، أما الزبيدي فقد ضبطها بضم الفاء وفتحها] الأصبهاني. لم تذكر كتب التراجم شيئًا عن تاريخ مولده أو مكانه، وكل ما ذكر عنه أنه أقام مدة بالعراق يتلقى العلم على المذهب الشافعي في الفقه وعلى العقيدة الأشعرية في الأصول، ثم توجه بعد ذلك إلى الريّ فائتمرت له الفرقة الكرامية المبتدعة وسعت للإضرار به، فراسله أهل نيسابور والتمسوا منه التوجه إليهم ففعل، وفي ذلك يقول الحافظ أبو عبد الله بن البَيِّع النيسابوري: "وتقدمنا إلى الأمير ناصر الدولة أبي الحسن محمد بن إبراهيم والتمسنا منه المراسلة في توجهه إلى نيسابور ففعل، وورد نيسابور فبنى له الدار والمدرسة في خانكاه أبي الحسن البوشنجي".

علمه:

سمع مسند أبي داود الطيالسي من عبد الله بن جعفر بن فارس، وسمع من ابن خرزاد الأهوازي وكثر سماعه في البصرة وبغداد، وأثنى عليه العديد من أهل العلم كالحافظ ابن البيّع النيسابوري الذي قال فيه: "أحيا الله به بلدنا أنواعًا من العلوم لما استوطنها، وظهرت بركته على جماعة من المتفقهة وتخرجوا به".

كثرت مصنفاته في الأصول والفقه ومعاني القرءان حتى ناهزت المائة مصنف، وحدّث عنه البيهقي والقشيري وابن خلف والحاكم وءاخرون كُثر.

وفي "تبيين كذب المفتري" لمؤرخ الشام ابن عساكر الدمشقي ما نصه: "أخبرنا الشيخ أبو الحسن عبد الغافر بن إسماعيل في كتابه إليَّ من نيسابور قال: سمعت الشيخ أبا صالح أحمد بن عبد الله المؤذن يقول: كان الأستاذ أوحد وقته أبو علي الحسن بن علي الدقاق يعقد المجلس ويدعو للحاضرين والغائبين من أعيان البلد وأئمتهم فقيل له: قد نسيت ابن فورك ولن تدع له، فقال أبو علي: كيف أدعو له وكنت أقسم على الله البارحة بإيمانه أن يشفي علتي. وكان به وجع البطن تلك الليلة" اهـ.

ويكفيه مدحًا وبيانًا لفضله ما جاء في "طبقات الشافعية الكبرى" للتاج السبكي من قوله فيه: "الأستاذ أبو بكر الأنصاري الأصبهاني الإمام الجليل والحبر الذي لا يجارى فقهًا وأصولاً وكلامًا ووعظًا ونحوًا مع مهابة وجلالة وورع بالغ رفض الدنيا وراء ظهره، وعامل الله في سره وجهره وصمم على دينه.

مصمم ليس تلويه عواذله *** في الدين ثَبْتٌ قوي باسُهُ عَسِرُ

وذكر التاج في طبقاته على لسان الإمام سبب اشتغاله بعلم الكلام قوله: "كان سبب اشتغالي بعلم الكلام أني كنت بأصبهان أختلف إلى فقيه فسمعت أن الحجر يمين الله في الأرض [الحجر الأسود يمين الله في أرضه] أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلام، والمعنى أنه وضع في الأرض للتقبيل والاستلام تشريفًا له كما شرفت اليمين وأكرمت بوضعها للتقبيل دون اليسار في العادة، فاستعير لفظ اليمين للحجر لذلك. وأضيف الحجر إلى الله إضافة تشريف وإكرام. كذا في صحيفة 108 ج2 من "إتحاف السادة المتقين" لمحمد مرتضى الزبيدي، فسألت ذلك الفقيه عن معناه فلم يُجب بجواب شاف، فأُرشدت إلى فلان من المتكلمين فسألته فأجاب بجواب شاف، فقلت لا بد لي من معرفة هذا العلم فاشتغلت به".

محنته مع الكرامية [المشبهة]:

إن نصرة الإمام أبو بكر بن فورك للحق وشدته في النكير على أهل الضلال ولا سيما الكرامية قد دفع بهؤلاء إلى الافتراء عليه عند السلطان محمود بن سبكتكين فادعوا أنه أنكر رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم بعد موته، فعظم الأمر عند السلطان فأمر بإحضاره وقال: "إن صح هذا منه لأقتلنه". ولما حضر الإمام بين يديه ظهر كذب المفترين عليه وأن الإمام لا يقول إلا مقولة الأشاعرة، فأمر السلطان عندئذ بإعزازه وإكرامه وإرجاعه إلى وطنه معززًا.

ولما أيست الكرامية منه وعلمت أن الوشاية به لم تتم، وأم مكايدها وحيلها لن تؤت نتيجة، سعت إلى قتله فدفعت إليه من دس له السم فمات على أثره.

وأما ما ذكره ابن حزم في "النصائح" من أن ابن فورك قد قال بهذه المسئلة وأن السلطان ابن سبكتكين قد قتله بالسم لاجل ذلك، فقد بين التاج السبكي وغيره من الأشاعرة أن هذا كذب وافتراء عليه رضي الله عنه، فقال في الطبقات: "والمسئلة المشار إليها وهي انقطاع الرسالة بعد الموت مكذوبة قديمًا على الإمام أبي الحسن الأشعري نفسه. وقد مضى الكلام عليها في ترجمته. إذا عرفت هذا فاعلم أن أبا محمد بن حزم الظاهري ذكر في النصائح أن ابن سبكتكين قتل ابن فورك بقوله لهذه المسئلة ثم زعم ابن حزم أنها قول جميع الأشعرية، قلت وابن حزم لا يدري مذهب الأشعرية ولا يفرق بينهم وبين الجهمية لجهله بما يعتقدون، وقد حكى ابن الصلاح ما ذكره ابن حزم ثم قال: ليس الأمر كما زعم بل هو تشنيع على الأشعرية أثارته الكرامية فيما حكاه القشيري" اهـ.

وأما قول الذهبي الذي فيه أن السلطان قتله لأنه ثبت عليه مسئلة إنكاره لرسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فقد رده التاج السبكي في الطبقات وبين أنه عار من الصحة فقال: "أما أن السلطان أمر بقتله فشفع إليه، إلى ءاخر الحكاية فأكذوبة سمجة ظاهرة الكذب من جهات متعددة منها أن ابن فورك لا يعتقد ما نقل عنه بل يكفّر قائله، فكيف يعترف على نفسه بما هو كفر. وإذا لم يعترف فكيف يأمر السلطان بقتله وهذا أبو القاسم القشيري أخص الناس بابن فورك فهل نقل هذه الواقعة؟ بل ذكر أن من عزا إلى الأشعرية هذه المسئلة فقد افترى عليهم وأنه لا يقول بها أحد منهم".

مؤلفاته:

ذكرت المراجع أن مؤلفات الإمام ابن فورك قد بلغت قريب المائة مؤلف في الأصول والحديث والفقه وغيره. ونذكر من هذه المؤلفات: كتاب "مُشْكِل الحديث" وهو كتاب يتناول فيه عددًا من الأحاديث المتشابهة فيؤولها ويبين معانيها، كتاب "مشكل الآثار"، دقائق الأسرار، تفسير القرءان، شرح أوائل الأدلة، طبقات المتكلمين، وغير ذلك من المؤلفات القيّمة التي ألفها منتصرًا فيها للعقيدة الأشعرية.

وفاته:

مضى إلى مدينة غزنة بعد أن طُلب منه ذلك وناظر فيها كثيرًا، ثم عاد إلى نيسابور فسُمَّ في الطريق فمات ونقل إلى نيسابور ودفن بعدها في الحيرة، وهي محلة كبيرة في نيسابور غير الحيرة القريبة من مدينة الكوفة العراقية. وقبره ما زال إلى الآن يزار ويستسقى به ويستجاب الدعاء عنده. وكانت وفاته سنة أربعمائة وست للهجرة.

الإمام أبو القاسم القشيري العالم المصنف الصوفي الأشعري

ترجمته:

هو أبو القاسم عبد الكريم بن هوزان بن عبد الملك بن طلحة بن محمد القشيري، ذكر ابن خلكان أن أصله من بلدة "أستوا" من العرب الذين قدموا خراسان، ولد سنة ثلاثمائة وست وسبعين للهجرة وتوفي والده وهو صغير، وكانت له أرض بنواحي "أستوا" فرأى أن يحضر إلى نيسابور ليتعلم طرفًا من الحساب ليعينه ذلك على استيفاء الخراج، فاتفق حضوره مجلس الشيخ أبي علي الدقاق رأس الصوفية في وقته، فسمع دروسه وتعلم منه وسلك طريق الصوفية، وأشار عليه الدقاق بالاشتغال بالعلم فخرج إلى درس أبي بكر الطوسي فتفقه على المذهب الشافعي، ثم اختلف إلى الأستاذ ابن فورك فأخذ منه علم الأصول حتى أتقنه على مذهب الإمام الأشعري، وتردد أيضًا إلى مجلس الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني فأخذ عنه، وأخذ عن عدة مشايخ كأبي الحسين الخفاف الذي أخذ عنه الحديث، وأبي بكر بن عبدوس وأبي نعيم أحمد بن محمد المهرجاني، وعلي بن أحمد الأهوازي وابن باكويه الشيرازي وغيرهم، حتى صار يشار إليه بالبنان وكثر طلابه في الأصقاع.

ثناء العلماء عليه:

ذكر التاج السبكي في طبقاته فقال في مقدمة ترجمته: "الأستاذ أبو القاسم القشيري النيسابوري الملقب زين الإسلام، الإمام مطلقًا وصاحب الرسالة التي سارت مغربًا ومشرقًا، والبسالة التي أصبح بها نجم سعادته مشرقًا، والأصالة التي تجاوز بها فوق الفرقد ورِقًا، أحد أئمة المسلمين علمًا وعملاً وأركان الملة فعلاً ومقولاً، إمام الأئمة ومجلي ظلمات الضلال المدلهمة، أحد مَنْ يقتدى به في السنة ويتوضح بكلامه طرق النار وطرق الجنة، شيخ المشايخ وأستاذ الجماعة ومقدم الطائفة الجامع بين أشتات العلوم" اهـ.

ومدحه عبد الغافر بن إسماعيل قائلاً: "الإمام مطلقًا، الفقيه المتكلم الاصولي المفسر الأديب النحوي الكاتب الشاعر لسان عصره وسيد وقته، وسر الله بين خلقه، شيخ المشايخ وأستاذ الجماعة ومقدَّم الطائفة، ومقصود سالكي الطريقة وشعار الحقيقة وعين السعادة وحقيقة الملاحة، لم ير مثل نفسه ولا رأى الراءون مثله في كماله وبراعته، جمع بين علم الشريعة والحقيقة وشرح أحسن الشرح أصول الطريقة" اهـ.

وذكره أبو الحسن علي الباخرزي في "دمية القصر" وبالغ في الثناء عليه فقال: "الإمام زين الإسلام أبو القاسم جامع لأنواع المحاسن، ينقاد إليه صابها، ذلل المراسن فلو قُرع الصخر بسوط تحذيره لذاب... وله "فصل الخطاب في فضل النطق المستطاب"، ما هو في التكلم على مذهب الأشعري، كلمته للمستفيدين فوائد، وعتبات منبره للعارفين وسائد،وله شعر يتوج به رؤوس معاليه إذا خُتمت به أذناب أماليه".

مؤلفاته:

لقد كان الإمام العالم الصوفي الشيخ أبو القاسم القشيري أحد الصوفية الصادقين المتحققين، فألف كتابه الذي سماه "الرسالة القشيرية"، وهي رسالة أراد فيها المؤلف تبيان حقيقة الصوفية، وأن عقيدتهم هي عقيدة توحيد الله وتنزيهه عن مشابهة الخلق وكل ما فيه تنقيص في حقه تعالى.

ولم يكن الإمام القشيري أول من ألف في التصوف وبيان حال المتصوفين، فقد صنف الحافظ أبو نُعيم كتابه "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء"، مريدًا بذلك أن يميز الصوفية المتحققين الصادقين من غيرهم، وذلك لأنه حصل في زمانه طعن في هؤلاء الصوفية، وادعى أناس التصوف وهم خلاف ما عليه الصوفية في المعتقد والقول والعمل، فبدأ بذكر الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم ليثبت أنهم من حيث الحقيقة زهاد صوفيون من السلف الصالح.

عُرف عن الشيخ أبي القاسم القشيري كثرة نصانيفه ولا سيما بعد وفة شيخه أبي علي الدقاق، فاخذ في التصنيف وصنف التفسير الكبير الذي سماه "التيسير في علم التفسير"، و"التحبير في التذكير" و"ءاداب الصوفية"، "الطائف الإشارات" وكتاب "المناجاة"، وكتاب "نحو القلوب الكبير"، و"أحكام السماع"، و"كتاب الأربعين في الحديث"، ومؤلفات كثيرة منها "الرسالة القشيرية" في علم التصوف التي نتوقف عندها فيما يلي:

الرسالة القشيرية:

بعد الحمد لله والصلاة على النبي يتوجه المؤلف في ابتداء رسالته إلى الصوفية الصادقين بقوله: "كتبها الفقير إلى الله تعالى عبد الكريم بن هوزان القشيري إلى جماعة الصوفية ببلدان الإسلام في سنة سبع وثلاثين وأربعمائة.

أما بعد رضي الله عنكم فقد جعل الله هذه الطائفة صفوة أوليائه وفضلهم على الكافة من عباده بعد رسله وانبيائه صلوات الله وسلامه عليهم، وجعل قلوبهم معادن أسراره واختصهم من بين الأمة بطوالع أنواره".

كما بيّن الإمام القشيري السبب من تأليف الرسالة في مقدمته بقوله: "ثم اعلموا رحمكم الله أن المحققين من هذه الطائفة [الصوفية] انقرض أكثرهم ولم يبق في زماننا هذا من هذه الطائفة إلا أثرهم... وقلَّ الشباب الذين كان لهم بسيرتهم وسنتهم اقتداء، وزال الورع وطوى بساطه، واشتد الطمع وقوي رباطه، وارتحل عن القلوب حرمة الشريعة فعدُّوا قلة المبالاة بالدين أوثق ذريعة، ورفضوا التمييز بين الحلال والحرام ودنوا بترك الاحترام وطرح الاحتشام، واستخفوا بأداء العبادات واستهانوا بالصوم والصلاة وركضوا في ميدان الغفلات...

ولما أبى الوقت إلا استصعابًا وأكثر أهل العصر بهذه الديار لما زادوا إلا تماديًا فيما اعتادوه واغترارًا بما ارتادوه، أشفقت على القلوب أن تحسب أن هذا الأمر على هذه الجملة بنى قواعده وعلى هذا النحو سار سلفه، فعلقتُ هذه الرسالة إليكم أكرمكم الله وذكرت فيها بعض سير شيوخ هذه الطريقة في ءادابهم وأخلاقهم ومعاملاتهم وعقائدهم".

وفيما يلي المقدمة يفرد الإمام القشيري الفصل الأول للحديث عن معتقد الطائفة الصوفية، هادفًا إلى التاكيد على أن اعتقاد أهل السنة هو اعتقادهم، إذ يقول في بداية هذا الفصل: "اعلموا رحمكم الله أن شيوخ هذه الطائفة بنوا قواعد أمرهم على أصول صحيحة في التوحيد صانوا بها عقائدهم عن البدع ودانوا بما وجدوا عليه السلف وأهل السنة من توحيد ليس فيه تمثيل ولا تعطيل"، ثم ينقل عن عدد منهم بعضًا من الكلام في التوحيد، فيروي عن أبي بكر الشبلي قوله: "الواحد المعروف قبل الحدّ وقبل الحروف"، ويعقب على كلامه قائلاً: "وهذا صريح من الشبلي أن القديم سبحانه لا حدّ لذاته ولا حروف لكلامه".

كما يورد عن الجنيد قوله في معنى التوحيد: "هو إفراد الموَحَّد بتحقيق وحدانيته بكمال أحديته أنه الواحد الذي لم يلد ولن يولد بنفي الأضداد والأنداد والأشباه بلا تشبيه ولا تكييف ولا تصوير ولا تمثيل ليس كمثله شيء وهو السميع البصير"، وفي الرسالة أيضًا رواية عن أبي عثمان المغربي حيث يقول: "كنت أعتقد شيئًا من حديث الجهة، فلما قدمتُ بغداد زال ذلك عن قلبي فكتبتُ إلى أصحابنا بمكة أني أسلمتُ الآن إسلامًا جديدًا"، وعن الإمام جعفر الصادق قوله: "من زعم أن الله في شيء أو على شيء أو من شيء فقد أشرك، إذ لو كان على شيء لكان محمولاً، ولو كان في شيء لكان محصورًا، ولو كان من شيء لكان محدثًا".

لقد أراد الإمام القشيري في سرد أقوال هؤلاء الأئمة بيان معتقدهم في أصول الشريعة الذي هو تنزيه الله تعالى عن مشابهة خلقه وعن المكان والجسمية والاعضاء وكل ما هو من صفات المخلوقات، ثم لخّص هذه المعتقدات بجملة أقوال منها قوله: "ليس يشبه شيئًا من المصنوعات ولا يشبهه شيء من المخلوقات، ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض، ولا صفاته أعراض، ولا يتصور في الأوهام ولا يتقدر في العقول، ولا له جهة ولا مكان، ولا يجري عليه وقت وزمان، ولا يجوز في وصفه زيادة ولا نقصان...".

وتتضمن الرسالة بابًا ذكر فيه المؤلف مشايخ هذه الطريقة ورؤوسها أمثال إبراهيم بن أدهم وذي النون المصري والفضيل بن عياض ومعروف الكرخي والسري السقطي وأبي يزيد البسطامي وسهل بن عبد الله التستري والجنيد البغدادي وإبراهيم الخواص وابن خفيف الشيرازي، وطائفة كبيرة من الصوفية المتحققة، مع الإشارة إلى بعض من سيرهم وأخبارهم ومواعظهم وكلامهم في أصول الشريعة.

وفيما يلي هذا الباب يجعل المؤلف بابًا خاصًا فيه بعضًا من المصطلحات الصوفية المتعارفة بين أفراد هذه الطائفة كالحال والقبض والبسط والتواجد، والغَيْبة والحضور، والصحو والسكر والستر والتجلي والقرب والبعد وعلم اليقين وحق اليقين والمراقبة والحياء والفراسة والمحبة والشوق وغير ذلك من المصطلحات.

وبعد هذا الباب تأتي فصول عدة تتضمن مسائل تتصل بمسئلة التصوف كإثبات الكرامات للأولياء ومعنى الولي وهل يكون الولي معصومًا، وفيما ينبغي للمريد في التعامل مع مشايخه ومع المسلمين والفقراء وغير ذلك من الآداب والخصال التي يطلب من المريد التحلي بها بغية الرقي وسلوك طريق التصوف.

فتوى الإمام القشيري في الإمام الأشعري:

حدث في زمن الإمام القشيري فتنة عظيمة حيكت ضد الأشاعرة فكثر سبهم وسب الإمام أبي الحسن الأشعري، فاستُفتيَ الإمام عن عقيدة الاشعري فكتب كتابًا جاء فيه: "اتفق أصحاب الحديث أن أبا الحسن علي بن إسماعيل الاشعري كان إمامًا من أئمة أصحاب الحديث ومذهبه مذهب أصحاب الحديث، تكلم في أصول الديانات على طريقة أهل السنة ورد على المخالفين من أهل الزيغ والبدع، وكان على المعتزلة والمبتدعين من أهل القبلة والخارجين من الملة سيفًا مسلولاً. ومَنْ طعن فيه أو قدح أو لعنه أو سبه فقد بسط لسان السوء في جميع أهل السنة.

بذلنا خطوطنا طائعين بذلك في هذا الدرج في ذي القعدة سنة ست وثلاثين وأربعمائة. والأمر على هذه الجملة المذكورة في هذا الذكر. وكتبه عبد الكريم بن هوزان القشيري وكتبه تحته الخبازي، كذلك يعرفه محمد بن علي الخبازي وهذا خطه، والشيخ أبو محمد الجويني الأمر على هذه الجملة المذكورة فيه، وكتبه عبد الله بن يوسف وبخط أبي الفتح الشاشي، وعلي بن أحمد الجويني وناصر العمري وأحمد بن محمد الأيوبي وأخيه علي، وأبي عثمان الصابوني وابنه أبي نصر بن أبي عثمان والشريف البكري ومحمد بن الحسن وأبي الحسن الملقابادي وقد حكى خطوطهم ابن عساكر. وكتب عبد الجبار الإسفراييني بالفارسية: هذا أبو الحسن كان إمامًا، ولما أنزل الله عز وجل قوله: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} [سورة المائدة/54] أشار المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى أبي موسى فقال: "هم قوم هذا".

توفي رحمه الله وأسكنه فسيح جناته ونفعنا ببركاته سنة أربعمائة وخمس وستين للهجرة.