إذا عرفت ذلك فذكر الصداق لم يكن شرطا في صحة العقد بل يستحب، فإذا زوجها وليها ولم يذكر صداقا أو ذكر صداقا فاسدا ثم دخل بها الزوج وجب عليه لها مهر المثل. وكذلك إذا زوجها وليها بدون مهر المثل بغير إذنها بأن كان أبا لها أو جدًّا وكانت بكرا، أو كان غير الأب والجد وهي بالغة وأذنت في النكاح ولم تأذن في قدر المهر، فيصح الزواج بمهر المثل وإذا كانت بالغة رشيدة وزوجها وليها بمهر معلوم بإذنها له في الزواج وقدر المهر فلا تستحق غيره لا قبل الدخول ولا بعده [ولو كان دون مهر المثل] (208).

[فصل في قبض الصداق]

والبالغة الرشيدة لا يصح من وليها قبض صداقها من زوجها ولو كان أبا أو جدا إلا بإذنها له في قبضه منه، فإذا لم تأذن له وقبضه منه فالقبض فاسد ولا تبرأ ذمة الزوج من المقبوض، ولا يصير من صداق الزوجة، فلا تملكه ولا يملكه الولي فيجب عليه رده للزوج [إن طالبه به](209)، هذا إذا كانت الزوجة بالغة رشيدة، فإذا كانت دون البلوغ أو بالغة سفيهة أو مجنونة فللولي -وهو الأب والجد- إذا كان أهلا للولاية أن يقبض صداقها بالمصلحة فإذا قبض [لها صداقها بالمصلحة](210) برئت ذمة الزوج من القدر المقبوض حتى لو غاب الولي القابض أو بلغت الزوجة أو رشدت [السفيهة](211) أو أفاقت المجنونة ولم يدفع لها والدها ما قبضه لها من صداقها [في مصالحها](212) فلها أن تطالب والدها به وليس لها أن تطالب الزوج بما قبضه لها والدها منه فإن كان والدها غائبا فترجع به في ماله الحاضر أو ميتا فترجع في تركته بالطريق الشرعي،

هذا إذا لم يوجد تحت يد والدها [شيء فإنه يضمنه لتفريطه أو تعديه] (213) فإن وُجِد [تحت يده] أخذته بعينه ولا رجوع لها على الزوج في هذه الصور كلها لأنّ ذمته برئت من القدر الذي دفعه لوالدها ولولا ذلك لم يكن له قبضه ابتداء. ومحلُّ ذلك جميعه إذا كان الأب القابض لها [أهلا للولاية بأن يكون صادقا] (214) عدلا أمينا [رشيدا] (215) وكان في قبضه مصلحة لها أو ليصرفه عليها في مصالحها عند احتياجها إليه أو غبطة لها ظاهرة، فإن كان فاسقا كتارك الصلاة المفروضة أو غير أمين أو قبضه من الزوج [لغير مصلحة لها في قبضه كأن يصرفه في مصالح نفسه أو ديونه كان ذلك غير صحيح] (216) كالفلاحين فإنهم يعتقدون أنَّ الشخص يستحق صداق ابنته أو أخته أو قريبته وأنه يجوز له أكله وصرفه في مصالحه وديونه وغير ذلك مما هو معلوم منهم مشاهد فإذا كان الولي بهذه الصفات أو بعضها فهو فاسق غير عدل لا يلي قبض صداق موليته ولا يحل لأحد من الحكام أن يلزم الزوج بدفعه له ولا بعضه لأنّ ذلك فيه ضياع حقها والحاكم مسؤول عن ذلك عند الله تعالى يوم القيامة وإذا قبضه الولي وهو فاسق بذلك أو لشىء منه فلا يصح قبضه وتبرأُ ذمة الزوج ولا يملكه الولي ولا الزوج وللزوجة بعد بلوغها ورشدها مطالبة الزوج به وللزوج أن يطالب والدها به أي بما قبضه منه قبل بلوغ الزوجة ورشدها وبعد ذلك.

[باب في الطلاق((217))]

ولما فرغ الكلام على هذه الأمور المهمة شَرَعنا في الطلاق البائن الذي لا تعود الزوجة منه لمطلقها إلا بعد عقد جديد بشروطه الشرعية وفي الطلاق الرجعي الذي تعود منه الزوجة لمطلقها بمجرد الرجعة ولا تحتاج إلى عقد ولا إذنها ولا إذن وليها.

[فصل في الطلاق البائن]

فأما الطلاق البائن فكأن يطلقها(218) ثلاثا فتَبين به الزوجة بعوض(219) وبغير عوض لأنه استوفى عدد الطلاق وإن طلقها طلقة أو طلقتين فإن طلقها على عوض بانت منه وملكت نفسها ولا تعود له إلا بعقد جديد بشروطه الشرعية، والعوضُ أن تسأله أن يطلقها أو يسأله رشيد غيرها أن يطلقها على نقد تدفعه إليه أو بهيمةٍ تدفعها إليه أو عين تدفعها إليه أو على براءتها من صداقها وتكون بالغة رشيدة فهذا هو العوض وهو مال راجع للزوج فإذا طلقها عليه فكأنها اشترت عصمتها منه به والمشتري يملك ما اشتراه بالثمن الذي يدفعه فيه فلذلك تملك نفسها فلا تعود له إلا بعقد جديد كما تقدم بشروطه الشرعية بإذنها لوليها وتستحق مهرا ثانيا هذا في المدخول بها أما غير المدخول بها فتبين بمجرد الطلاق ولو كان بغير عوض لأن المطلقة قبل الدخول لا رجعة للزوج عليها ولا تعود له إلا بعقد جديد كالمطلقة على ما تقدم.

[فصل في الطلاق الرجعي]

وأما الطلاق الرجعي فهو أن يطلق الزوج الزوجة التي دخل بها طلقة أو طلقتين وتكون معه قبل ذلك بثلاث طلقات أو طلقتين إن طلق طلقة واحدة بغير عوض ولا مقابل أو يعلق طلاقها بفعلها فتفعل أو يعلقه على فعله فيفعل فإذا وقع الطلاق في ذلك وقع رجعيا فله أن يراجع الزوجة بغير إذنها وإذن وليها ما دامت في العدة فإذا راجعها عادت إلى عصمته وتدوم معه بما بقي من عدد الطلاق بصداقها الأول على حكمه في حالّه ومنجّمه ولا يلزمه صداق آخر. وصفة الرجعة(220) كأن يقول راجعت امرأتي إلى عصمتي أو إلى نكاحي فتعود له بمجرد ذلك ولا يحتاج إلى عقد جديد.

والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب فاعلمه أيها العاقد وعلّمه ليحصل لك الثواب الجزيل من الله الكريم الجليل فتُهدى وتهدي إلى سواء السبيل.

وهذا آخره والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين. (221)

فهرس المصادر والمراجع

1- القرءان الكريم.

2- صحيح البخاري، طبعة دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم).

3- صحيح مسلم، طبعة دار إحياء التراث العربي – بيروت.

4- سنن أبي داود، طبعة المكتبة العصرية – بيروت.

5- سنن ابن ماجه طبعة دار إحياء الكتب العربية - فيصل عيسى البابي الحلبي.

6- مسند ابن أبي شيبة طبعة دار الوطن – الرياض.

7- مسند أحمد طبعة مؤسسة الرسالة-بيروت.

8- المستدرك على الصحيحين للحاكم النيسابوري، طبعة دار الكتب العلمية-بيروت.

9- تفسير البغوي، طبعة دار إحياء التراث- بيروت.

10- الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به لأبي بكر الباقلاني، طبعة دار الكتب العلمية-بيروت.

11- شرح الكوكب الساطع للسيوطي، طبعة الدار السلام – القاهرة.

12- تفسير أسماء الله الحسنى للزجاج، طبعة دار المأمون للتراث.

13- الحاوي الكبير للماوردي، طبعة دار الكتب العلمية- بيروت.

14- البيان للعمراني، طبعة دار الكتب العلمية – بيروت.

15- روضة الطالبين وعمدة المفتين للإمام النووي، طبعة دار الرسالة-بيروت.

16- أسنى المطالب شرح روض الطالب للشيخ زكريا الأنصاري، طبعة دار الكتب العلمية-بيروت.

17- التذكرة في الفقه الشافعي لسراج الدين ابن الملقن، طبعة دار الكتب العلمية-بيروت.

18- عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج لسراج الدين ابن الملقن، طبعة دار الكتاب الثقافي-الأردن.

19- النجم الوهاج شرح المنهاج للدميري، طبعة دار المنهاج-جدة.

20- فتح الوهاب شرح منهج الطلاب مع حاشية البجيرمي عليه، طبعة دار الكتب العلمية-بيروت.

21- مغني المحتاج إلى شرح المنهاج للخطيب الشربيني، طبعة دار الكتب العلمية-بيروت.

22- الإقناع شرح متن أبي شجاع مع حاشية البجيرمي عليه، طبعة دار الكتب العلمية-بيروت.

23- كفاية الأخيار في شرح غاية الاختصار لتقي الدين الحصني، طبعة دار المنهاج-جدة.

24- النهاية شرح متن الغاية لولي الدين البصير، طبعة دار الكتب العلمية-بيروت.

25- شرح ابن أبي قاسم الغزي مع حاشية البرماوي عليه، طبعة المكتبة الإسلامية-تركيا.

26- تحفة الطلاب شرح تحرير تنقيح اللباب مع حاشية الشرقاوي عليه، طبعة دار الكتب العلمية-بيروت.

27- بغية الطالب في معرفة الفرض العيني الواحب للحافظ عبد الله الهرري، طبعة دار المشاريع-بيروت.

28- العين للخليل بن أحمد الفراهيدي، طبعة دار ومكتبة الهلال.

29- القاموس المحيط للفيروزابادي، طبعة مؤسسة الرسالة – بيروت.

30- المصباح المنير للفيومي، طبعة دار الكتب العلمية- بيروت.

31- الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة للشيخ زكريا الأنصاري، طبعة دار المشاريع-بيروت.

32- معجم البلدان للياقوت الحموي، طبعة دار صادر- بيروت.


(208) ساقطة من (أ).

(209) ساقطة من (أ).

(210) ساقطة من (أ).

(211) ساقطة من (أ).

(212) ساقطة من (أ).

(213) ساقطة من (أ).

(214) ساقطة من (أ).

(215) ساقطة من (أ).

(216) ساقطة من (أ). وهنا انتهت النسخة (ب) وفي آخرها: "والله أعلم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. على يد الفقير إلى الله تعالى يوسف صدّيق المالكي الشاذلي الأشعري البرهامي السمخراطي غفر الله ذنبه وستر في الدارين وصمته وعيبه ووالديه ومشايخه"

(217) هُوَ لُغَةً حَلُّ الْقَيْدِ، وَشَرْعًا حَلُّ عَقْدِ النِّكَاحِ بِلَفْظِ الطَّلَاقِ وَنَحْوِهِ. وَالأَصلُ فِيهِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ الْكِتَابُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] وَالسُّنَّةُ كَخَبَرٍ «لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الْحَلَالِ أَبْغَضَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الطَّلَاقِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ. وليعلم أن ألفاظ الطلاق منها ما هو صريح ومنها ما هو كناية فالأول يقع بلا نية الطلاق كطلّقتك وفارقتك وسرّحتك وأنت طالق وأنت مطلّقة ويا طالق, والثاني يقع بنية الطلاق كأطلقتك وأنت طلاق وأنت بريّة واعتدي واحقي بأهلك واعزبي واغربي ودَعيني واخرجي وسافري وأنا طالق وكأنت عليّ حرام

(218) قوله (فكأن يطلقها) أي حالة كون الزوج مكلفا مختارا فإنّ ذلك معتبر في شروط المطلّق.

(219) قوله (بعوض) أي بأن خالعها، والخلع بضمّ أوله هو فرقة بين الزوجين بعوض مقصود راجع لجهة الزوج وهو طلاق على الجديد والأصل فيه قبل الإجماع قوله تعالى ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [سورة البقرة/229]. وبقوله صلى الله عليه وسلم في امرأة ثابث بن اقيس «اقبل الحديقة وطلقها تطليقة» رواه البخاري والنسائي. وأركانه خمسة زوج ويشترط فيه صحة طلاقه، وملتزم للعوض ويشترط فيه أن يكون مطلق التصرف في ماله، وبُضع ويشترط فيه ملك زوج له، وعوض ويشترط فيه صحة كونه صداقا، وصيغة كخالعتك على كذا. فتح الوهاب، ج:3 /ص:443.

(220) الرجعة بفتح الراء هي ردّ المرأة إلى النكاح من طلاق غير بائن في العدّة على وجه مخصوص. والأصل فيها قبل الإجماع قوله تعالى ﴿وبعولتهنّ أحقّ بردّهنّ﴾ أي في العدّة وأركانها ثلاثة: مرتجِع وشرطه كونه بالغا عاقلا مختارا وصيغة وشرطها أن يكون لفظها مشعرا بالمراد ومحلّ وشرطه أن يكون زوجة قد فورقت بطلاق غير بائن. حاشية البرماوي، ص:220.

(221) ليعلم أنه مما يحرم على الزوج أن يقول لزوجته: والله لا أطؤك أو والله لا أجامعك أو والله لا أنيكك وهو المسمى في عرف الشرع إيلاءً, وكذلك يحرم عليه أن يقول لها: أنت كظهر أمي أو أنت كجسمها وكذلك يحرم أن يقول لها مع نية تجنبها أنت كأمي وهو المسمى في عرف الشرع ظهارا ويترتب عليه إن لم يتبعه بالطلاق إخراج كفارة مرتبة وهي عتق رقبة مؤمنة فصيام شهرين ولاء فإطعام ستين مسكينا أهل زكاة مدا مدا من جنس فطرة.