1- مذهب أهل الحق أن أعمال العبد كلها مخلوقة لله تعالى، فيجب الاعتقاد بأن العبد لا يخلق شيئًا من أعماله أي لا يحدثها من العدم بل يكسبها، فأفعاله مخلوقة لله بمشيئته وعلمه وتقديره، فلا يجري في المُلك والملكوت طرفةُ عين ولا فلتة خاطرٍ ولا لفتة ناظرٍ إلا بقضاء الله وقدره وقدرته وإرادته ومشيئته، لا فرق بين ما كان خيرًا أو شرًا نفعًا أو ضرًّا، إيمانًا أو كفرًا، فوزًا أو خسرانًا، غَواية أو رشدًا، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، لأن الممكنات العقلية بما فيها من الأجسام والأعمال لا توجد إلا بفعل الصانع الحكيم، ولا يصح عقلاً أن يكون وجود قسم منها بفعل الله ووجود قسم ءاخر بفعل غيره.

هذا مذهب أهل الحق الذي دلّت عليه نصوص الكتاب والسنة مع إجماع الأمة قبل ظهور البدعة.

والقراءن مشحون بالآيات الدالة على ما ذكرناه والتي منها قوله تعالى إخبارًا عن موسى عليه السلام: {إنْ هيَ إلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَن تشاءُ وتهدي مَن تشاء} [سورة الأعراف/155]، فهذه الآية فيها تصريح ظاهر بأن الله هو الذي يخلق الاهتداء في قلوب من شاء أن يهديهم، ويخلق الضلالة في قلوب من شاء أن يضلهم، والضمير في قوله: {تُضلُّ} وقوله: {تشاء} لا مرجع له إلا إلى الله ولا يحتمل إرجاعه إلى العبد، وقوله تعالى: {ونُقَلِّبُ أفْئِدَتَهُمْ وأبْصارهُم} [سورة الأنعام/110] فقد أخبر الله في هذه الآية بأن عمل العبد القلبي وعمله الذي يعمله بجوارحه من فعل الله تعالى، وقوله تعالى:

{ولوْ شِئنا لأَتَيْنا كلَّ نفسٍ هُداها} [سورة السجدة/13]، وقوله تعالى: {ولا ينفَعُكُمْ نُصْحي إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكُمْ إن كانَ اللهُ يريدُ أن يُغْوِيكم} [سورة هود/34]، وقوله تعالى: {قُلْ إنَّ صلاتي ونُسُكي ومَحيايَ ومماتي للهِ ربِّ العالمينَ* لا شريكَ لهُ وبِذلكَ أُمِرْتُ وأناْ أوَّلُ المُسلمين} [سورة الأنعام/162-163]، أخبر الله عزَّ وجلّ بأن صلاة العبد ونسكه ومحياه ومماته مِلْكٌ له وخلق له لا يَشْركُه فيه غيره، فأعلمنا أنه لا فرق في ذلك بين الأفعال الاختيارية كالصلاة والنسك وبين ما يتصف به العبد مما ليس باختياره كالحياة الموت، فساق الله تعالى الأربعة مساقًا واحدًا للمبالغة في بيان أنه لا فرق من حيث استناد وجود كلّ من الأعمال الاختيارية والأعمال الاضطرارية إلى الله خلقًا وتكوينًا، وغيرها من الآيات كثير في هذا المعنى.

وأما الأحاديث فمنها قوله عليه الصلاة والسلام: "كل شئ بقدر حتى العجز والكيس" رواه مسلم (1)، والعجز: البلادة، والكيس الذكاء، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله صانع كل صانع وصنعته" رواه الحاكم (2) وصححه ووافقه الذهبي على تصحيحه والبيهقي (3)، ومنها أن رجلين من مُزينةَ أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشئ قُضيَ عليهم ومضى فيهم من قدر قد سبق أو فيما يُستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم؟ فقال: "لا بل شئ قُضيَ عليهم ومضى فيهم وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل: {ونفسٍ وما سوَّاها* فألهَمَها فُجورَها وتقواها} [سورة الشمس/7-8]" رواه مسلم (4)، وغيرها من الأحاديث الدالة على أن كل ما يجري في ملك الله بمشيئته وقضائه وقدره.

وأما أقوال أهل السنة فمنها قول طاوس: أدركتُ ناسًا من أصحاب رسول الله يقولون كل شئ بقدر (5).

وقال الإمام علي رضي الله عنه: "إن أحدكم لن يخلص الإيمان إلى قلبه حتى يستيقن يقينًا غير ظن أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه ويقر بالقدر كله"، وقال أيضًا: "ليس منا من لم يؤمن بالقدر خيره وشره" رواهما البيهقي في كتابه "القضاء والقدر" (6).

وقال الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "لا يؤمن العبد حتى يؤمن بالقدر ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه ولأن أعضّ على جمرة حتى تطفأ أحب إليّ من أن أقول لأمر قضاه الله ليته لم يكن" رواه البيهقي (7) في كتابه "القضاء والقدر" وصحح إسناده. وعلى هذا إجماع الصحابة رضي الله عنهم ومن جاء بعدهم.

وثبت عن الإمام الشافعي أنه قال (8):

ما شئتَ كان وإن لم أشأ *** وما شئتُ إن لم تشأ لم يكن

خلقتَ العباد على ما علمتَ *** ففي العلم يجري الفتى والمُسنّ

على ذا مننتَ وهذا خذلتَ *** وهذا أعنتَ وذا لم تُعن

فمنهم شقيٌّ ومنهم سعيد *** ومنهم قبيحٌ ومنهم حسن

وقال الإمام أبو حنيفة في "الفقه الأكبر" (9): "وجميع أفعال العباد من الحركة والسكون كسبهم على الحقيقة والله خالقها، وهي كلها بمشيئته وعلمه وقضائه وقدره" اهـ.

وقال الإمام أبو جعفر الطحاوي السلفي في رسالته المشهورة بالعقيدة الطحاوية: "خَلَقَ الخلقَ بعلمه وقدَّر لهم أقدارًا وضرب لهم ءاجالاً ولم يخف عليه شئ قبل أن يخلقهم وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم، وأمرهم بطاعته ونهاهم عن معصيته، وكل شئ يجري بتقديره ومشيئته، ومشيئتهُ تنفُذ لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان وما لم يشأ لم يكن. يهدي من يشاء ويعصم ويُعافي فضلاً، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلاً، وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله وهو متعال عن الأضداد والأنداد لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه ولا غالب لأمره، ءامنَّا بذلك كله وأيقنّا أن كلاًّ من عنده" اهـ.

وقال الإمام الشافعي: "القدرية إذا سلَّموا العلم خُصموا" (10) أي غُلبوا وانقطعوا في المناظرة.

قال الحافظ في "فتح الباري" ما نصه (11): "القدرية مخصومون بما قال الشافعي: "إن سلّم القدري العلم خصم"، يعني يقال له: أيجوز أن يقع في الوجود خلاف ما تضمنه العلم؟ فإن منع وافق قول أهل السنة، وإن أجاز لزمه نسبة الجهل، تعالى الله عن ذلك" اهـ.

وذكر شيخنا العلامة عبد الله الهرري في كتابه "الدليل القويم" جملة وافرة من الأدلة من القرءان والحديث على أن العبد لا يخلق أفعاله، وذكر أيضًا أدلة من العقل فقال (12): "لو كان العبد بخلقه لكان عالمًا به على وجه الإحاطة ضرورة أنه مختار والاختيار فرع العلم لكنه لا يحيط علمًا بفعله لِما يَجد كل عاقل عدم علمه حال قطعه لمسافة معينة بالأجزاء والأحيان والحركات التي بين المبدإ والمنتهى، وكذا حالة نُطقه بالحروف يجد كل عاقل من نفسه عدم العلمِ بالأعضاء التي هي ءالتها والمحالِّ التي فيها مواقعها وعدم العلم بهيئاتها وأوضاعها وكل ذلك ظاهر، هكذا قرره الماتريدي.

2- ومن معتقد أهل الحق أن الظلم مستحيل على الله تعالى، وخالفت المعتزلة فقالوا بخلاف قول أهل السنة فزعموا أن الله يصح منه الظلم لكن لا يظلم لكونه قبيحًا وتابع المعتزلة في هذا الانحراف ابن تيمية المبتدع المجسم وتبعه الوهابية المبتدعة نفاة التوسل.

ورد أهل السنة على المعتزلة وابن تيمية والوهابية بقول الله تعالى: {وأنَّ اللهَ ليسَ بظلَّامٍ للعبيد} [سورة ءال عمران/ 182]، وبقول الله تعالى: {وما ربُّكَ بظلَّامٍ للعبيدِ} [سورة فصلت/46]، وبقول الله عز وجل: {وما أناْ بظلَّامٍ للعبيد} [سورة ق/29].

واستدلوا أيضًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل: "إني حرَّمت الظلم على نفسي" رواه مسلم (13)، فهذا الحديث دليل على أنّ وصف الله بالظلم لا يليق به تبارك وتعالى لأن الحديث معناه كما قال أهل العلم: تقدست عن الظلم وتعاليت.

وأما أقوال أهل السنة فكثيرة منها قول العلامة الهرري في كتابه "الدليل القويم" (14): "ولا يُتَصَوَّرُ في فعلهِ تعالى ما هو منهي عنه إذ لا يُتصورُ له ناهٍ وليس له ءامرٌ ولأن العالم خلقه ومِلكه والمتصرف في ملكه الذي هو خلقه يستحيل وصفه بالظلم وأيضًا فلا يُتصورُ الظلم إلا ممن يُتصور في حقه الجهل لأنه وضع الشئ في غير موضعه. وأما من أحاط علمه بالأشياء ومواقعها فلا، والمخالف في هذه المسألة القدرية" اهـ.

3- ومن معتقد أهل الحق إثبات صفات الله تعالى، وخالفت المعتزلة فقالت بنفي صفاته عزّ وجل من علم وقدرة وحياة وبقاء وسمع وبصر وكلام، ومنهم من يقول: الله عالم بذاته لا بعلم، قادر بذاته لا بقدرة، حي بذاته لا بحياة، وهكذا في سائر الصفات، وبدعة المعتزلة هذه من البدع الكفرية لأنه يلزم منها نفي صفات الله، وهذا من اللازم البيّن.

4- ومن معتقد أهل الحق من الصحابة والتابعين وجميع أهل السنة أن المرتكب للمعصية الكبيرة هو من الفساق، وبذلك جاء في القرءان والحديث ولم يرد أنه في منزلة بين المنزلتين لا هو مؤمن ولا هو كافر، وبيان ذلك في قوله عز وجل: {والذينَ يَرْمونَ المحَصَّناتِ ثمَّ لمْ يأتوا بأربعةِ شُهداءَ فاجْلِدوهُمْ ثمانينَ جلدةً ولا تقبلوا لهُمْ شهادةً أبدًا وأولئكَ هُمُ الفاسقون* إلا الذينَ تابوا من بعدِ ذلكَ} [سورة النور/4-5]، وقال تعالى: {هوَ الذي خلقَكُمْ فمِنكُم كافرٌ ومنكم مؤمنٌ} [سورة التغابن/2]، وقال سبحانه وتعالى:

{وإن طائفتانِ منَ المؤمنينَ اقتَتلوا فأصلِحُوا بينهما} [سورة الحجرات/9] فسماهم الله "المؤمنين"، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سباب المسلم فسوق" رواه البخاري (15) وغيره، وخالفت المعتزلة فزعمت أن الفاسق لا هو مؤمن ولا هو كافر وأنه في منزلة بين الكفر والإيمان.

5- واتفق أهل السنة على أن من مات فاسقًا من عصاة المسلمين قبل التوبة لا بد أن يدخل الجنة إن عفا الله عنه أو بعد عذاب إن لم يعف الله عنه بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: "يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ثم يقول الله تعالى: أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان" رواه البخاري (16) وغيره، وخالفت المعتزلة فزعموا أن من خرج من الدنيا قبل أن يتوب يكون خالدًا مخلدًا في النار مع جملة الكفار، وقال الحافظ في "فتح الباري" (17) عند شرحه لهذا الحديث: "وفيه الرد على المعتزلة في أن المعاصي موجبة للخلود" اهـ.

6- واتفق أهل السنة أيضًا على أن الله عز وجل يُرى في الآخرة بلا كيف ولا مكان ولا جهة مستدلين بقول الله تعالى: {وجوهٌ يومئذٍٍ ناضرةٌ* إلى ربِّها ناظرةٌ} [سورة القيامة/22-23]، وبقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنكم سترون ربكم" أي في الآخرة، رواه البخاري (18)، ومسلم (19)، وخالفت المعتزلة هذا المعتقد وزعموا أن الله لا يرى في الآخرة.

7- واتفقوا أيضًا على أن الله موصوف بالكلام وأن كلامه ليس بحرف ولا صوت بدليل قوله عز وجل: {وكلَّمَ اللهُ موسى تكليمًا} [سورة النساء/164]، وزعم المعتزلة أن الله لا يوصف بالكلام وأن كلام الله لموسى خلقه الكلام في الشجرة فسمع موسى الكلام من الشجرة، وهذا ظاهر الفساد لمصادمته القرءان وإجماع الأمة.

8- واتفقوا على أن الشفاعة حق لأهل الكبائر من المسلمين ثابتة بنص القرءان والحديث والإجماع، قال الله تبارك وتعالى: {مَن ذا الذي يشفعُ عندهُ إلا بإذنهِ} [سورة البقرة/255]، وقال تعالى: {ولا يشفعونَ إلا لِمَنِ ارتضى} [سورة الأنبياء/28]، وأما من الحديث فقوله صلى الله عليه وسلم: "لكل نبي دعوة مستجابة فتعجَّلَ كل نبي دعوته، وإني اختبأتُ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا" رواه مسلم (20)، وبقوله صلى الله عليه وسلم: "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" رواه أبو داود (21) والترمذي (22) وغيرهما.


(1) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب القدر: باب كل شئ بقدر.

(2) المستدر للحاكم [1/31 و32].

(3) انظر "الأسماء والصفات" [ص/260 و388] للبيهقي.

(4) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب القدر: باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه [2650].

(5) رواه مسلم في صحيحه: كتاب القدر: باب كل شئ بقدر [2655].

(6) انظر "المنتقى من كتاب القضاء والقدر" [ص/236].

(7) انظر "المنتقى من كتاب القضاء والقدر" [ص/134].

(8) انظر "مناقب الشافعي" [1/412-413] للبيهقي.

(9) انظر "شرح الفقه الأكبر" [ص/89] لعلي القاري.

(10) انظر "طبقات الشافعية الكبرى" [3/357] لتاج الدين السبكي.

(11) فتح الباري [1/119].

(12) انظر "الدليل القويم [ص/86].

(13) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب البر والصلة والآداب: باب تحريم الظلم [2577].

(14) الدليل القويم [ص/94].

(15) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الإيمان: باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر [48].

(16) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الإيمان: باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال [22].

(17) فتح الباري [1/73].

(18) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب مواقيت الصلاة: باب فضل صلاة العصر [554].

(19) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب المساجد ومواضع الصلاة: باب فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما [633].

(20) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان: باب اختباء النبي صلى الله عليه وسلم دعوة الشفاعة لأمته [199].

(21) أخرجه أبو داود في سننه: كتاب السنة: باب في الشفاعة [4739].

(22) أخرجه الترمذي في سننه: كتاب صفة القيامة والرقائق والورع: بعد باب ما جاء في الشفاعة [2435].