أثبت هذه الرسالة غير واحد من العلماء:
منهم من ساق هذه الرسالة كاملة بإسناده إلى عمر بن عبد العزيز كالحافظ أبي نعيم الأصبهاني الذي ذكرها في كتابه "الحلية" (4).
ومنهم من نقل منها بعض العبارات، كالحافظ ابن الجوزي الحنبلي في كتابه الذي ألفه في سيرة عمر بن عبد العزيز، وذكر سبب عدم نقلها بكاملها فقال (5): "وهذه رسالة مروية عن عمر بن عبد العزيز، وجدت أكثر كلماتها لم تضبطها النقلة على الصحة، فنتقيت منها كلمات صالحة" اهـ.
ومنهم من أشار إليها كالشيخ أبي منصور البغدادي في كتابه "أصول الدين" (6) حيث قال: "أول متكلمي أهل السنة من التابعين عمر بن عبد العزيز، وله رسالة بليغة في الرد على القدرية" اهـ.
الرسالة
حدثنا (1) أبو حامد بن جبلة، ثنا محمد بن إسحاق السراج (2)، ثنا أبو الأشعث أحمد بن المقدام (3)، ثنا محمد بن بكر البُرساني (4)، ثنا سليم بن نُفَيع (5) القرشي عن خلف أبي الفضل القرشي عن كتاب عمر بن عبد العزيز.
إلى النفر الذين كتبوا إليّ بما لم يكن لهم بحقّ في ردّ كتاب الله وتكذيبهم بأقداره النافذة في علمه السابق الذي لا حدّ له إلا إليه، وليس لشئ مَخرج منه، وطَعْنهم في دين الله وسنة رسوله القائمة في أمته:
أما بعد، فإنكم كتبتم إليّ بما كنتم تستترون فيه قبل اليوم في رد علم الله والخروج منه إلى ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوّف على أمته من التكذيب بالقدر، وقد علمتم أنّ أهل السنة كانوا يقولون: "الاعتصام بالسنة نجاة، وسينقص العلم نقصًا سريعًا" (6)، وقول عمر بن الخطاب وهو يعظ الناس: "إنه لا عُذر لأحد عند الله بعد البيّنة بضلالة ركبها حسبها هدًى ولا في هدًى تركه حسبه ضلالة. قد تبيّنت الأمور وثبتت الحجة وانقطع العذر". فمن رغب عن أنباء النبوة وما جاء به الكتاب تقطعت من يديه أسباب الهدى ولم يجد له عصمة ينجو بها من الردى.
وإنكم ذكرتم أنه بلغكم أني أقول إن الله قد علم ما العباد عاملون وإلى ما هم صائرون، فأنكرتم ذلك عليّ وقلتم إنه ليس يكون ذلك من الله في علم حتى يكون ذلك من الخلق عملاً (7)، فكيف ذاك كما قلتم؟ والله يقول: {إنَّا كاشِفوا العذابِ قليلاً إنَّكُمْ عائِدونَ} [سورة الدخان/15] يعني العائدين في الكفر، وقال: {ولوْ رُدُّوا لَعَادوا لِما نُهُوا عنهُ وإنَّهُم لكاذبون} [سورة الأنعام/28].
فزعمتم بجهلكم في قول الله: {فمن شاءَ فليؤمن ومَن شاءَ فليَكفُر} [سورة الكهف/29] أنَّ المشيئة في أيّ ذلك أحببتم إليكم (8) من ضلالة أو هدى والله يقول: {وما تشاءونَ إلا أنْ يشاءَ اللهُ ربُّ العالمين} [سورة التكوير/29] فبمشيئة الله لهم شاؤا، ولو لم يشأ لم ينالوا بمشيئتهم من طاعته شيئًا، قولاً ولا عملاً، لأنّ الله لم يملّك العباد ما بيده ولم يفوّض إليهم ما يمنعه من رسله. فقد حرصت الرسل على هدى الناس جميعًا فما اهتدى منهم إلا من هداه الله، ولقد حرص إبليس على ضلالتهم جميعًا فما ضلّ منهم إلا من كان في علم الله ضالاً.
وزعمتم بجهلكم أنّ علم الله ليس بالذي يضطر العباد إلى ما عملوا من معصيته ولا بالذي يصدّهم عما تركوا من طاعته، ولكنه سيستطيعون تركها. فجعلتم علم الله لغوًا، تقولون: لو شاء العبد لعمل بطاعة الله وإن كان في علم الله أنه غير عامل بها، ولو شاء ترك معصيته وإن كان في علم الله أنه غير تارك لها. فأنتم إذا شئتم أصبتموه وكان علمًا، وإذا شئتم رددتموه وكان جهلاً، وإن شئتم أحدثتم من أنفسكم علمًا ليس في علم الله وقطعتم به علم الله عنكم. وهذا ما كان ابن عباس يعدّه للتوحيد نقصًا وكان يقول:
"إن الله لم يجعل فضله ورحمته هَمَلاً بغير قَسم منه ولا احتظار ولم يبعث رُسُله بإبطال ما كان في سابق علمه". فأنتم تقرّون بالعلم في أمر وتنقضونه في ءاخر، والله يقول {يعلمُ ما بينَ أيديهم وما خلفهم ولا يُحيطونَ بشئٍ من علمهِ إلا بِما شاءَ} [سورة البقرة/255]. فالخلق صائرون إلى علم الله ونازلون عليه ليس لهم دونه مُعصر ولا لهم عنه محيص، وليس بين علم الله وبين شئ هو كائنٌ حجابٌ يحجبه عنه ولا يحول دونه، إنه عليم حكيم.
وقلتم: لو شاء لم يعذّب بعمل بغير ما أخبر الله في كتابه عن قوم: {ولَهُم أعمالٌ من دونِ ذلكَ هُمْ لها عاملون} [سورة المؤمنون/63] وأنه سيمتعهم قليلاً: {ثمَّ يَمَسُّهُم مِنَّا عذابٌ أليمٌ} [سورة هود/48]، فأخبر أنهم عالمون قبل أن يعملوا وأخبر أنه معذبهم قبل أن يُخلقوا.
وتقولون أنتم: إنهم لو شاؤا خرجوا من علم الله في عذابهم إلى ما لم يعلم من رحمته لهم، ومن زعم ذلك فقد عادى كتاب الله بالرد. ولقد سمّى الله رجالاً من الرسل بأسمائهم وأعمالهم في سابق علمه فما استطاع ءاباؤهم لتلك الأسماء تغييرًا وما استطاع إبليس بما سبق لهم في علمه من الفضل تبديلاً، فقال: {واذكر عبادنا إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ أولي الأيدي والأبصار* إنَّا أخلصناهم بخالصةٍ ذكرى الدار} [سورة ص/45-46]. فالله أعزَّ في قدرته وأمنعُ من أن يملك أحدًا إبطال علمه في شئ من ذلك، فهو المسمى لهم بوحيه الذي: {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيمٍ حميدٍ} [سورة فصلت]، أو أن يُشرك في خلقه أحدًا أو أن يُدخل في رحمته من قد أخرجه منها أو أن يُخرج منها من قد أدخله فيها" (9).
وقد أعظم بالله الجهلَ من زعم أن العلم كان بعد الخلق، بل لم يزل الله وحده بكل شئ عليمًا وعلى كل شئ شهيدًا قبل أن يخلق شيئًا وبعدما خلق لم ينقص علمه في بدئهم ولم يزد بعد أعمالهم، ولا تغيّر بالحوائج (10) التي قطع بها دابر ظلمهم، ولم يملّك إبليس هدى نفسه ولا ضلالة غيره. وقد أردتم بقذف مقالتكم إبطال علم الله في خلقه وإهمال عبادته، وكتاب الله قائم بنقض بدعتكم وإفراط قذفكم. ولقد علمتم أن الله بعث رسوله والناسُ يومئذ أهل شرك، فمن أراد الله له الهدى لم تَحُلْ ضلالته التي كان فيها دون إرادة الله له، ومن لم يرد الله له الهدى تركه في الكفر ضالاً فكانت ضلالته أولى به من هداه.
فزعمتم أن الله أثبت في قلوبكم الطاعة والمعصية، فعلمتم بقدرتكم بطاعته وتركتم بقدرتكم معصيته، وأن الله خلوٌ من أن يكون يختص أحدًا برحمته أو يحجز أحدًا عن معصيته. وزعمتم أن الشئ الذي يقدّر إنما هو عندكم اليُسر والرخاء والنعمة، وأخرجتم منه الأعمال. وأنكرتم أن يكون سبق لأحد من الله ضلالة أو هدًى وأنكم الذي هديتم أنفسكم من دون الله وأنكم الذين حجزتموها عن المعصية بغير قوة من الله ولا إذن منه، فمن زعم ذلك فقد غلا في القول لأنه لو كان شئ لم يسبق في علم الله وقدره لكان لله في ملكه شريك يُنفذ مشيئته في الخلق من دون الله والله يقول: {حَبَّبَ إليكم الإيمانَ وزينَّاهُ في قلوبكم} [سورة الحجرات/7] وهم له قبل ذلك كارهون {وكرَّهَ إليكُم الكفرَ والفُسوقَ والعصيان} وهم له قبل ذلك محبّون وما كانوا على شئ من ذلك لأنفسهم بقادرين.
ثم أخبرنا بما سبق لمحمد صلى الله عليه وسلم من الصلاة عليه والمغفرة له (11) ولأصحابه فقال: {أشِدَّاءُ على الكفارِ رُحماءُ بينهم} [سورة الفتح/29]، وقال: {ليغفرَ لكَ اللهُ ما تقدَّمَ من ذنبكَ وما تأخَّرَ} [سورة الفتح/2]، [فلولا علمه ما] (12) غفرها الله له قبل أن يعملها. ثم أخبرنا بما هم عالمون [ءامنون] (13) قبل أن يعملوا وقال: {تراهُم رُكَّعًا سُجَّدًا يبتغونَ فضلاً منَ اللهِ ورِضوانًا} [سورة الفتح/29]، فضلاً سبق لهم من الله قبل أن يُخلقوا ورضوانًا (13) عنهم قبل أن يؤمنوا.
وتقولون أنتم أنهم قد كانوا ملكوا رد ما أخبر الله عنهم أنهم عاملون وأن إليهم أن يقيموا على كفرهم مع قوله، فيكون الذي أرادوا لأنفسهم من الكفر مفعولاً ولا يكون لوحي الله فيما اختار تصديقًا، بل "للهِ الحجة البالغة"، وفي قوله {لولا كتابٌ منَ اللهِ سبقَ لمسَّكم فيما أخذتم عذابٌ عظيمٌ} [سورة الأنفال/68] فسبق لهم العفو من الله فيما أخذوا قبل أن يؤذن لهم، وقلتم: لو شاءوا خرجوا من علم الله في عفوه عنهم إلى ما لم يعلم من تركهم لما أخذوا، فمن زعم ذلك فقد غلا وكذب.
ولقد ذكر الله بشرًا كثيرًا وهم يومئذ في أصلاب الرجال وأرحام النساء فقال: {وءاخرينَ منهم لمَّا يلحقوا بهم} [سورة الجمعة/3] وقال: {والذينَ جاءو من بعدهم يقولونَ ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذينَ سبقونا بالإيمان} [سورة الحشر/10]، فسبقت لهم الرحمة من الله قبل أن يُخلقوا والدعاء لهم بالمغفرة ممن لم يسبقهم بالإيمان من قبل أن يدعوا [لهم].
ولقد علم العالمون بالله أنّ الله لا يشاء أمرًا فتحول مشيئة غيره دون بلاغ ما شاء. ولقد شاء لقوم الهدى فلم يُضلهم أحد، وشاء إبليس لقوم الضلالة فاهتدوا. وقال لموسى وأخيه: {اذهبا إلى فرعونَ إنهُ طغى* فقولا لهُ قولاً ليِّنًا لعلهُ يتذكَّرُ أو يخشى} [سورة طه/43-44]، وموسى في سابق علمه أنه يكون لفرعون عدوًّا وحزنًا فقال: {ونُرِيَ فرعونَ وهامانَ وجُنودهما منهم ما كانوا يحذرون} [سورة القصص/6]. فتقولون أنتم: لو شاء فرعون كان لموسى وليًّا وناصرًا، والله يقول:
{ليكونَ لهم عدوًّا وحَزَنًا} (14) [سورة القصص/8] وقلتم: لو شاء فرعون لامتنع من الغرق، والله يقول: {إنهم جُندٌ مغرَقون} [سورة الدخان/24]. مثبت ذلك عنده في وحيه في ذكر الأولين كما قال في سابق علمه لآدم قبل أن يخلقه: {إني جاعلٌ في الأرضِ خليفةٌ} [سورة البقرة/30] فصار إلى ذلك بالمعصية (15) التي ابتُلي بها، وكما كان إبليس في سابق علمه أنه سيكون: {مذمومًا مدحورًا} [سورة الإسراء/18] وصار إلى ذلك بما ابتلي به من السجود لآدم فأبى (16). فتلقى ءادم بالتوبة فرُحم وتلقى إبليس باللعنة فغوى، ثم أهبط ءادم إلى ما خلق له من الأرض مرحومًا متوبًا عليه وأهبط إبليس مذمومًا مدحورًا مسخوطًا عليه.
وقلتم أنتم: إن إبليس وأولياءه من الجن قد كانوا ملكوا ردّ علم الله والخروج من قسمه الذي أقسم به إذ قال: {فالحقُّ والحقَّ أقولُ* لأملأنَّ جهنمَ منكَ وممن تبِعَكَ منهم أجمعين} [سورة ص/84-85] حتى لا ينفذ له علم إلا بعد مشيئتهم، فماذا تريدون بهلكة أنفسكم في ردّ علم الله؟ فإن الله جل وعلا لم يُشهدكم خلق أنفسكم، فكيف يحيط جهلكم بعلمه؟ وعلم الله ليس بمقصر عن شئ هو كائن، ولا يسبق علمه في شئ فيقدر أحد على رده. فلو كنتم تنتقلون في كل ساعة من شئ إلى شئ هو كائن لكانت مواقعكم عنده. ولقد علمت الملائكة قبل خلق ءادم ما هو كائن من العباد في الأرض من الفساد وسفك الدماء فيها، وما كان لهم في الغيب من علم، فكان في علم الله الفساد وسفك الدماء، وما قالوه تخرّصًا إلا بتعليم العليم الحكيم لهم فظن ذلك منهم [وقد] أنطقهم به.
فأنكرتم أن الله أزاغ قومًا قبل أن يزيغوا وأضلّ قومًا قبل أن يضلوا، وهذا مما لا يشك فيه المؤمنون بالله أن الله قد علم قبل أن يخلق العباد مؤمنهم من كافرهم وبرهم من فاجرهم. وكيف يستطيع عبد هو عند الله مؤمن أن يكون كافرًا أو هو عند الله كافر أن يكون مؤمنًا؟ والله يقول: {أوَ مَن كانَ مَيِّتًا فأحْيَيْناهُ وجعلنا لهُ نورًا يمشي بهِ في الناسِ كَمَن مثَلُهُ في الظُّلماتِ ليسَ بخارجٍ منها} [سورة الأنعام/122]، فهو في الضلالة ليس بخارج منها أبدًا إلا بإذن الله.
ثم ءاخرون {اتخذوا} [سورة المجادلة/16] من بعد الهدى {عِجلاً جَسَدًا} [سورة الأعراف/148] فضلّوا به فعفا عنهم لعلهم يشكرون، فصاروا من {قومِ موسى أمَّةٌ يَهدونَ بالحقِّ وبهِ يعدِلون} [سورة الأعراف/159] وصاروا إلى ما سبق لهم. ثم ضلّت ثمود بعد الهدى فلم يعف عنهم ولم يُرحموا فصاروا في علمه إلا {صَيحةً واحدةً فإذا هُمْ خامدون} [سورة يس/29]، فنفذوا إلى ما سبق لهم أنَّ صالحًا رسولهم وأن الناقة {فتنةً لهم} [سورة القمر/27] وأنه مميتهم كفارًا، {فعَقروها} [سورة هود/65]. وكان إبليس من التسبيح والعبادة فابتُلي فعصى فلم يُرحم، وابتلي ءادم فعصى فرُحم. فأين كانت الاستطاعة عند ذلك؟ هل كانت تُغني شيئًا فيما كان من ذلك حتى لا يكون، أو تُغني فيما لم يكن حتى يكون، فتعرف لكم بذلك حجة؟ بل الله أعزُّ مما تصفون وأقدر.
وأنكرتم أن يكون سبق لأحد من الله ضلالة أو هدى، وإنما علمه بزعمكم حافظ وأن المشيئة في الأعمال إليكم، إن شئتم أحببتم الإيمان فكنتم من أهل الجنة. ثم جعلتم بجهلكم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي جاء به أهل السنة وهو مصدّق للكتاب المنزّل أنه عن ذنبٍ مضاهٍ دنبًا خبيثًا في قول النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله عمر: "أرأيتَ ما نعمل أشئٌ قد فُرغ منه أم شئ نأتنفه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "بل شئ قد فُرغ منه" (17) فطعنتم بالتكذيب له ونفرتم من الله في علمه إذ قلتم: إن كنا لا نستطيع الخروج منه فهو الجبر والجبر عندكم الحيف، فسميتم نفاذ علم الله في الخلق حيفًا (18).
وقد جاء الخبر أن الله خلق ءادم فنثر ذريته في يده فكتب أهل الجنة وما هم عاملون، وكتب أهل النار وما هم عاملون. وقال سهل بن حنيف يوم صفين (19): "أيها الناس، اتهموا رأيكم على دينكم (20)، فوالذي نفسي بيده، لقد رأيتنا يوم أبي جندل ولو نستطيع رد أمر رسول الله لرددناه (21)، والله ما وضعنا سيوفنا على عواتقنا إلا أسهلن بنا على أمر نعرفه قبل أمركم هذا (22)" (23).
ثم أنتم بجهلكم قد أظهرتم دعوة حق على تأويل باطل تدعون الناس إلى ردّ علم الله فقلتم: "الحسنة من الله والسيئة من أنفسنا" وقال أئمتكم وهم أهل السنة: "الحسنة من الله في قدر قد سبق والسيئة من أنفسنا في علم قد سبق". فقلتم: لا يكون ذلك حتى يكون بدؤها من أنفسنا كما بدء السيئة من أنفسنا. وهذا رد الكتاب منكم ونقض الدين، وقد قال ابن عباس رضي الله عنه حين نجم القول في القدر: "هذا أوّل شرك هذه الأمة. والله، ما ينتهي بهم سوء رأيهم حتى يُخرجوا الله من أن يكون قدّر خيرًا كما أخرجوه من أن يكون قدّر شرًا".
فأنتم تزعمون بجهلكم أن من كان في علم الله ضالاً فاهتدى فهو بما ملَكَ ذلك حتى كان في هداه ما لم يكن الله علمه فيه، وأنّ من شُرح صدره للإسلام فهو مما فوّض إليه قبل أن يشرحه الله له، وأنه إن كان مؤمنًا فكفر فهو مما شء لنفسه وملكَ من ذلك لها، وكانت مشيئتهُ في كفره أنفذَ من مشيئة الله في إيمانه، بل أشهد أنه مَنْ عمل حسنةً فبغير معونة كانت من نفسه عليها، وأنّ من عمل سيئة فبغير حجة كانت له فيها، وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء وأن الله لو أراد أن يهدي الناس جميعًا لنفذ أمره فيمن ضلّ حتى يكون مهتديًا (24).؟
فقلتم: بمشيئته شاء لكم تفويض الحسنة إليكم وتفويض السيئة، ألقى عنكم سابقَ علمه في أعمالكم وجعل مشيئته تبعًا لمشيئتكم. ويحكم! فوالله، ما أمضى لبني إسرائيل مشيئتهم حين أبوا أن يأخذوا ما ءاتاهم بقوةٍ حتى نتق: {الجبلَ فوقهم كأنهُ ظُلَّةٌ} [سورة الأعراف/171]، فهل رأيتموه أمضى مشيئته لمن كان قبلكم في ضلالته حين أراد هداه حتى صار إلى أن أدخله بالسيف في الإسلام كرهًا بموقع علمه بذلك فيه؟ أم هل أمضى لقوم يونس مشيئتهم حين أبو أن يؤمنوا حتى أظلّهم العذاب فآمنوا وقُبِل منهم، وردّ على غيرهم الإيمان فلم يقبل منهم.
وقال: {فلمَّا رأوا بأسنا قالوا ءامنّا باللهِ وحدَهُ وكفرنا بما كُنَّا بهِ مشركينَ* فلمْ يَكُ ينفَعُهُم إيمانهم لمَّا رأوا بأسنا سُنَّتَ اللهِ التي قد خلَتْ في عبادهِ} [سورة غافر/84-85] أي علِم الله الذي قد خلا في خلقه: {وخَسِرَ هُنالِكَ الكافرون} [سورة غافر/85] وذلك كان موقعهم عنده أن يهلكوا بغير قبول منهم بل الهدى والضلالة والكفر والإيمان والخير والشر بيد الله يهدي من يشاء ويذر من يشاء {في طُغيانهم يعمهون} [سورة الأعراف/186]. كذلك قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام:
{ربِّ اجعلْ هذا البلدَ ءامِنًا واجنُبْني وبنيَّ أن نعبدَ الأصنامَ} [سورة إبراهيم/35]، وقال: {ربَّنا واجعلنا مُسلِمَينِ لكَ ومن ذُرِّيَّتنا أمةً مسلمةً لكَ} [سورة البقرة/128]، أي أنّ الإيمان والإسلام بيدك وأن عبادة مَن عبدَ الأصنام بيدك، فأنكرتم ذلك وجعلتموه مُلكًا بأيديكم دون مشيئة الله عز وجل.
وقلتم في القتل إنه بغير أجل وقد سماه الله لكم في كتابه فقال ليحيى: {وسلامٌ عليهِ يومَ وُلِدَ ويومَ يموتُ ويومَ يُبعثُ حيًّا} [سورة مريم/15]، فلم يمت يحيى إلا بالقتل، وهو موت كما مات من قُتل شهيدًا أو قتل عمدًا أو قتل خطأ كمن مات بمرض أو بفجأة، كلّ ذلك موت بأجلٍ استوفاه ورزقٍ استكمله وأثرٍ بلغه ومضجع برز إليه، {وما كانَ لنفسٍ أن تموتَ إلا بإذنِ اللهِ كِتابًا مؤَجَّلاً} [سورة ءال عمران/145] ولا تموت نفس ولها في الدنيا عمر ساعةٍ إلا بلغته ولا موضعُ قدم إلا وطأته ولا مثقالُ حبةٍ من رزق إلا استكملته ولا مضجعٌ حيث كان إلا برزت إليه، يصدّق ذلك قول الله عز وجل:
{قُل للذينَ كفروا ستغلبونَ وتُحشرونَ إلى جهنمَ وبِئسَ المِهاد} [سورة ءال عمران/12]، فأخبر الله بعذابهم بالقتل في الدنيا وفي الآخرة بالناس وهم أحياء بمكة. وتقولون أنتم: إنهم قد كانوا ملكوا ردّ علم الله في العذابَين اللذَين أخبر الله ورسوله أنهما نازلان بهم، فقال: {ثانيَ عِطْفِهِ ليُضِلَّ عن سبيلِ اللهِ لهُ في الدنيا خِزْيٌ} [سورة الحج/9] يعني القتل يوم بدر {ونُذيقهُ يومَ القيامةِ عذابَ الحريق} [سورة الحج/9]. فانظروا إلى ما أرداكم فيه رأيكم كتابًا سبق في علمه بشقائكم إن لم يرحمكم.
ثم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بني الإسلام على ثلاثة أعمال: الجهاد ماضٍ منذ يوم بعث الله رسوله إلى يوم تقوم فيه عصابة من المؤمنين يقاتلون الدجال لا ينقض ذلك جور جائر ولا عدل عادل، والثانية: أهل التوحيد لا تكفروهم بذنب ولا تشهدوا عليهم بشرك ولا تخرجوهم من الإسلام بعمل، والثالثة: المقادير كلها خيرها وشرها من قدر الله" (25). فنقضتم من الإسلام جهاده وجردتم شهادتكم على أمتكم بالكفر وبرئتم منهم ببدعتكم وكذبتم بالمقادير كلها والآجال والأعمال والأرزاق، فما بقيت في أيديكم خصلة بي الإسلام عليها إلا نقضتموها وخرجتم منها.
وخطاب سهل بن حنيف هنا للذين أنكروا على سيدنا علي قبوله وقف القتال مع معاوية والاحتكام إلى القرءان، وهؤلاء المنكرين خرجوا عن طاعة سيدنا عليّ وقاتلوه فسُموا بالخوارج، فقال لهم سهل بن حنيف: "اتهموا رأيكم" قال الحافظ: "أي في هذا الرأي لأن كثيرًا منهم أنكروا التحكيم وقالوا لا حكم إلا لله، فقال علي: كلمة حق أريد بها باطل وأشار عليهم كبار الصحابة بمطاوعة علي وأن لا يخالفوا ما يشير به لكونه أعلم بالمصلحة، وذكر لهم سهل بن حنيف ما وقع لهم بالحديبية وأنهم رأوا يومئذ أن يستمروا على القتال ويخالفوا ما دعوا إليه من الصلح ثم ظهر أن الأصلح هو الذي كان شرع النبي صلى الله عليه وسلم فيه" اهـ [8/588-589].
(4) انظر "حلية الاولياء" [5/346].
(5) سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز [ص/85-86].
(6) أصول الدين [ص/307].
(1) القائل "حدثنا" هو الحافظ أبو نعيم.
(2) هو الحافظ أبو العباس محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مهران الخراساني النيسابوري، سمع من قتية بن سعيد وداود بن رشيد وأبي همّام السكوني وهناد بن السري وأحمد بن المقدام وخلق سواهم، روى عنه البخاري ومسلم بشئ يسير خارج الصحيحين، وأبوحاتم الرازي أحد شيوخه وأبو بكر بن أبي الدنيا والحافظ أبو علي النيسابوري وغيرهم، توفي سنة 313هـ. انظر سير أعلام النبلاء [14/388]، تاريخ بغداد [1/248].
(3) هو الحافظ أبو الأشعث أحمد بن المقدام بن سليمان بن أشعث العجلي البصري، سمع حماد بن زيد وفضيل بن عياض ومعتمر بن سليمان وجماعة، حدث عنه البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه والبغوي وخلق كثير، توفي سنة 253هـ. [انظر سير أعلام النبلاء 12/219، تاريخ بغداد 5/162، تهذيب التهذيب 1/70].
(4) هو أبو عبد الله محمد بن بكر بن عثمان البرساني الأزدي البصري، حدّث عن ابن جريج وهشام بن حسان ويونس بن يزيد الأيلي وشعبة وغيرهم، وحدث عنه أحمد وبندار وهارون الحمال وعبد بن حميد وعدد كثير، قال الحافظ في "التقريب": "صدوق قد يخطئ" اهـ، ووثقه ابن معين وغيره، توفي سنة 204هـ. [انظر سير أعلام النبلاء [9/421]، تهذيب التهذيب 9/67].
(5) في "سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز" [ص/85] لابن الجوزي: "سليمان بن نفيع"، ولم نقف عليه.
(6) كذا في "سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز" [ص/58]، وفي "حلية الأولياء" [5/346]: "وسيقبض العلم قبضًا سريعًا".
(7) هذا كفرٌ بإجماع الأمة لأن فيه نسبة الجهل إلى رب العزة، سبحانه وتعالى عما يقول الكافرون علوًا كبيرًا.
(8) في "الحلية": فعلتم.
(9) هذا مصداق قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الترمذي في سننه وصححه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كتابان، فقال: "أتدرون ما هذان الكتابان؟" فقلنا: لا يا رسول الله إلا أن تخبرنا، فقال للذي في يده اليمنى: "هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماءُ أهل الجنة وأسماء ءابائهم وقبائلهم ثم أُجملَ على ءاخرهم فلا يُزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدًا"، ثم قال للذي في شماله: "هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماءُ ءابائهم وقبائلهم ثم أُجمِلَ على ءاخرهم فلا يُزاد ولا ينقص منهم أبدًا" [سنن الترمذي: كتاب القدر: باب ما جاء أن الله كتب لأهل الجنة وأهل النار، 2141].
(10) في "لسان العرب": "والجَوْحة والجائحة: الشدة والنازلة العظيمة التي تجتاح المال من سنةٍ أو فتنة، وكل ما استأصله فقد جاحه واجتاحه، وجاحَ الله ماله وأجاحه بمعنًى أي أهلكه بالجائحة" اهـ [مادة ج و ح، 2/431].
(11) قال بعضهم: ليحفظك الله من ذنبك فيما مضى وما بقي من عمرك، ولكن القول المعتمد أن الأنبياء تجوز عليهم الصغائر التي ما فيها خسة.
(12) ما بين عاقفتين من "الحلية" [5/348]، والذي في نسخة "شتايز": "فكرمًا" وما أثبتناه مناسب لسياق الكلام.
(13) ليس المراد أن الكافر قبل أن يسلم يكون في حالة الرضا عند الله بل مراده أن الله عز وجل سبق علمه أن هذا الشخص سيسلم وتحسن حالته ويكون عند الله من المرضيين.
(14) ءال فرعون إنما التقطوا سيدنا موسى عليه السلام ليكون لهم قرّة عين ومعينًا وناصرًا، ولكن كانت عاقبته أن صار لهم عدوًا وحزَنًا.
(15) هذه المعصية ليست من الكبائر وليس فيها خسة ولا دناءة نفس لأن الأنبياء منزهون عن ذلك، بل كانت معصية صغيرة تاب منها وتقبّل الله توبته، والذي حصل من سيدنا ءادم عليه السلام أنه أكل من الشجرة التي نهاه الله عنها، فتنبّه.
(16) يُشير إلى قوله تعالى: {وإذْ قُلنا للملائكة اسجدوا لآدمَ فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكانَ من الكافرين} [سورة البقرة/34].
(17) أخرجه عن عمر: الترمذي في سننه: كتاب القدر: باب ما جاء في الشقاء والسعادة، وأحمد في مسنده [1/29، 2/52 و77]، وقد ورد هذا الحديث من طرق أخرى عن غير علي رضي الله عنه.
(18) حاف يحيف حيفًا جار وظلم. المصباح المنير [ص/61].
(19) هي مدينة قديمة على شاطئ الفرات بين الرقة ومنبج كانت بها الوقعة المشهورة بين عليّ ومعاوية. [الفتح، 8/588].
(20) قال الحافظ: "أي لا تعملوا في أمر الدين بالرأي المجرد الذي لا يستند إلى أصل الدين، وهو كنحو قول علي فيما أخرجه أبو داود بسند حسن: لو كان الدين بالرأي لكن مسح الخف أولى من أعلاه" اهـ [13/288-289].
(21) قال القسطلاني: "مراد سهل بن حنيف بما ذكره أنهم أرادوا يوم الحديبية أن يقاتلوا ويخالفوا ما دعوا إليه من الصلح ثم ظهر أن الأصلح ما شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم من الصلح ليقتدوا بذلك ويطيعوا عليًّا فيما أجاب إليه من التحكيم" [إرشاد الساري، 11/88-89].
(22) قال الحافظ: "مراد سهل أنهم كانوا إذا وقعوا في شدة يحتاجون فيها إلى القتال في المغازي والثبوت والفتوح العمرية عمدوا إلى سيوفهم فوضعوها على عواتقهم، وهو كناية عن الجد في الحرب، فإذا فعلوا ذلك انتصروا" اهـ.
(23) أخرجه البخاري في صحيحه في مواضع منها: كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة: باب ما يُذكر من ذم الرأسي [7308].
(24) وأما قوله تعالى: {ما أصابكَ من حسنةٍ فمنَ اللهِ وما أصابكَ من سيئةٍ فمن نفسكَ} [سورة النساء/79] فالحسنة معناها هنا النعمة، والسيئة هنا معناها المصيبة والبلية، فمعنى الآية: {ما أصابك من حسنةٍ فمنَ الله} أي ما أصابكَ من نعمةٍ فمن فضل الله عليك {وما أصابكَ من سيئة فمن نفسك} أي وما أصابك من مصيبةٍ وبليةٍ فمن جزاء عملك، أعمالُ الشر التي عملتها نجازيكَ بها بهذه المصائب والبلايا، وليس المعنى أنكَ أنتَ أيها الإنسان تخلقُ الشر، فالعبد لا يخلقُ شيئًا لكن يكتسبُ الخيرَ ويكتسبُ الشر والله خالقهما في العبدِ. وهذا التقريرُ معروفٌ عندَ كثيرين، وهناكَ تقريرٌ ءاخر للآية ينبغي أن يؤخذ به ويُتركَ التقريرُ السابقُ وهو أن معنى قوله تعالى: {ما أصابكَ من حسنةٍ} محكيٌّ عن المشركينَ بتقدير محذوفٍ وهو: "يقولون أو قالوا" فيكون التقديرُ: يقولونَ أو قالوا لمحمد ما أصابكَ من حسنةٍ أي نعمةٍ فمنَ الله وما أصابك من سيئةٍ أي مصيبةٍ فمنك يا محمدُ أي من شؤمك، وهذا التقريرُ خالٍ عن الإشكالِ بخلافِ الأولِ فإن فيه إشكالاً، وقد قال هذا التقرير علماءُ منهم السيوطي الشافعي والقونوي الحنفي.
(25) أخرجه أبو نُعيم عن جابر رضي الله عنه في "الحلية" [3/73] وقال: "هذا حديث غريب من حديث الثوري والأوزاعي وابن جريج تفرد به إسماعيل بن يحيى وهو التيمي وعنه سعدان بن زكريا" اهـ، وأخرجه أبو داود بنحوه عن أنس بن مالك رضي الله عنه في سننه: كتاب الجهاد: باب في الغزو مع أئمة الجَوْر [2532]، وقال الحافظ المنذري في "مختصر سنن أبي داود" [3/380 رقم 2421]: "الراوي عن أنس بن أبي نُشبة وهو في معنى المجهول" اهـ، وأخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" [9/156].
