ترجمة عمر بن عبد العزيز (1)
- اسمه ونسبه وكنيته وولادته:
هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أُميّة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قُصي بن كِلاب، أمير المؤمنين حقًّا، ويكنى أبا حفص، القُرشي الأموي المدني الزاهد العابد والخليفة الراشد أشجُّ بني أمية.
ولد بالمدينة المنورة سنة 61هـ أو 63هـ، وذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من تابعي أهل المدينة.
- أمه أم عاصم:
هي أم عاصم ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأمها امرأة من بني هلال كان سيدنا عمر بن الخطاب اختارها زوجة لابنه عاصم لما رأى منها من التزام شرع الله تعالى، وتزوّج عبد العزيز بن مروان من أم عاصم فولدت له الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، فجدُّه لأمه ليلى هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وولدت له أيضًا عاصمًا وأبا بكر ومحمدًا.
- زوجته وأولاده:
لما مات والده عبد العزيز بن مروان بعث إليه عمّه الخليفة عبد الملك بن مروان (2) وخلطه بأولاده وقدّمه على كثير منهم وزوّجه بابنته فاطمة التي قيل فيها:
بنتُ الخليفةِ والخليفةُ جدُّها *** أختُ الخلائفِ والخليفةُ زوجُها
وولدت له: إسحاق ويعقوب وموسى.
ولعمر بن عبد العزيز غير هؤلاء من الاولاد من أمهات غير فاطمة وهم كما ذكرهم ابن سعد في طبقاته:
عبد الله وقد ولي العراق وبكر وأم عمّار، وأمّهم: لميس بنت علي بن الحارث.
وإبراهيم وأمه: أم عثمان بنت شعيب بن زبّان.
وعبد الملك الذي توفي قبله والوليد وعاصم ويزيد وعبيه الله وعبد العزيز الذي ولي الحرمين وزبّان وأمينة وأم عبد الله، وأمهم: أم ولد. وزاد الذهبي في "السير" أربعة وهم: حفص وإسماعيل وإصبغ وءادم.
- صفته الخِلقية:
كان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أبيض رقيق الوجه مليحًا جميلاً مهيبًا نحيف الجسم حسن اللحية غائر العينين قد خطّه الشيب بجبهته شجة، وكان سبب ذلك أنه دخل إلى إصطبل أبيه وهو غلام فضربه فرس فشجّه فجعل أبوه يمسح عنه الدم ويقول: إن كنتَ أشجّ بني أمية إنك إذًا لسعيد.
- بشارة عمر بن الخطاب بعمر بن عبد العزيز:
روى ابن سعد في "الطبقات" أن عمر بن الخطاب قال: "ليتَ شعري مَن ذو الشين من ولدي الذي يملؤها عدلاً كما ملئت جَورًا".
وروى أيضًا عن نافع قال: "كنتُ أسمع ابن عمر كثيرًا يقول: ليت شعري مَن هذا الذي مِن ولد عمر في وجهه علامة يملأ الأرض علامة".
وروى عن عبد الله بن دينار قال: "قال ابن عمر: إنّا كنّا نتحدث أن هذا الامر لا ينقضي حتى يلي هذه الأمة رجلٌ من ولد عمر يسير فيها بسيرة عمر بوجهه شامة، قال: فكنا نقول هو بلال بن عبد الله بن عمر وكانت بوجهه شامة قال: حتى جاء الله بعمر بن عبد العزيز وأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب".
- نشأته:
كان من توفيق الله تعالى لعمر بن عبد العزيز أن حبب إليه العلم منذ الصغر وتطلّعت نفسه إلى منارات العلم ومجالس العلماء، فكان رضي الله عنه يقول: "لقد رأيتني وأنا بالمدينة فلام مع الغلمان، ثم تاقت نفسي إلى العلم، إلى العربية فالشعر، فأصبت منه حاجتي".
وكان يقعد مع مشايخ قريش ويتجنب شبابهم، وما زال ذلك دأبه حتى اشتهر بالعلم والعقل مع حداثة سنّه.
وكان من تعلقه بطلب العلم أن قال لوالده: "ترحّلني إلى المدينة فأقعد إلى فقهاء أهلها وأتأدب بآدابهم". فبعث به والده إلى المدينة يتأدب بها وكتب إلى صالح بن كيسان يتعاهده وكان يلزمه الصلوات، فأبطأ يومًا عن الصلاة فقال: ما حَبَسك؟ قال: كنت مُرَجَّلتي تُسَكِّن شعري، فقال: بلغ من تسكين شعرك أن تؤثره على الصلاة، وكتب بذلك إلى والده، فبعث عبد العزيز رسولاً إليه فما كلّمه حتى حلق شعره.
- مشايخه:
من أعيان مشايخ عمر بن عبد العزيز الذي تلقى عنهم العلم والاخلاق الحميدة واقتضى ءاثارهم وتأثّر بهم:
- الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنه الذي شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاح فقال فيه: "عبد الله رجل صالح" رواه البخاري.
وقد تأثر بتقواه وصلاحه وتحرّيه للحق وظهر ذلك على شخصيته فقال عمر بن عبد العزيز يومًا لأمه: "أنا أحب أن أكون مثل خالي ابن عمر".
- الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
- العالم الثقة المأمون عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود رحمه الله تعالى، أحد فقهاء التابعين في المدينة المنورة، كان جامعًا للعلم كثير الحديث والعلم بالشعر، وقد أكثر عمر بن عبد العزيز الاخذ عنه حتى قال بعض العلماء عن عبيد الله: "هو معلّم عمر بن عبد العزيز".
- الإمام الزاهد سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رحمه الله تعالى، أحد فقهاء التابعين في المدينة المنورة الذين جمعوا بين العلم والعمل، كثير الرواية عن أبيه الصحابي الجليل عبد الله بن عمر.
- الإمام الثقة صالح بن كيسان رحمه الله تعالى، أحد فقهاء المدينة من التابعين الجامعين للحديث والفقه من ذوي الهيئة والمروءة.
وله مشايخ غير هؤلاء أخذ عنهم وتتلمذ على أيديهم.
- من روى عنه:
حدث عنه كثير منهم أبو سلمة وهو أحد شيوخه ورجاء بن حيوة وابن المنكدر والزهري وعنبسة بن سعيد وحميد الطويل وابناه عبد الله وعبد العزيز وأخوه زبّان بن عبد العزيز وكاتبه ليث بن أبي رُقية، وخلق سواهم.
- ثناء العلماء عليه:
أطبقت ءاراء الأئمة وشهاداتهم على أن عمر بن عبد العزيز أحد الأفراد من العلماء الراسخين، وهذه شذارت من أقوالهم: قال أستاذه عبيد الله بن عبد الله: "كانت العلماء عند عمر بن عبد العزيز تلامذة".
وقال مجاهد تلميذ ابن عباس: "أتينا عمر بن عبد العزيز ونحن نرى أنه سيحتاج إلينا، فما خرجنا من عنده حتى احتجنا إليه"، وقال أيضًا: "أتينا عمر نعلّمه فما برحنا حتى تعلمنا منه".
وقال الإمام مالك وابن عيينة: "عمر بن عبد العزيز إمام".
- نشره العلم في الأمصار:
لم يكن ليخفى على عمر بن عبد العزيزك أهمية نشر العلم بين المسلمين فلذلك قام بإرسال العلماء إلى مختلف البلدان والبوادي ليعلموا أهلها شرع الله ويفقهوهم فيه. فبعث إلى مصر نافعًا مولى ابن عمر وراويته إلى مصر يعلّمهم السنن.
وأرسل عشرة من فقهاء مصر من رجال التابعين إلى إفريقية ليفقهوا أهلها ويعلموا وينشروا بينهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم: أبو ثمامة بكر بن سوادة وعبد الرحمن بن رافع التنوخي وعبد الله بن يزيد المعافري وطلق بن جعبان وسعد بن مسعود وإسماعيل بن عبيد الله الأنصاري وإسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر وأبو سعيد جعثل بن هاعان الرعيني، بعثه إلى المغرب ليقرئهم القرءان وحبان بن أبي جبلة القرشي وموهب بن حي المعافري.
وأرسل الفقهاء إلى البدو ليعلموا الناس ويفقهوهم في دينهم.
وكذلك كان يرسل الرسائل إلى الأمصار الإسلامية في دولته الكبيرة يعلمهم فيها السنن والفقه ويأمرهم بإحياء ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته والالتزام بالشرع وترك ما خالفه.
وكان يأمر بإفشاء العلم وذم كتمانه وذلك واضح في كتابه إلى أبي بكر بن حزم: "ولتفشوا العلم ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرًا".
- زهده وعبادته:
كان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه تقيًا ورعًا زاهدًا عادلاً متواضعًا لا يخاف في الله لومة لائم، يقوم الليل ويواظب على قراءة القرءان ويكثر من ذكر ربه وتسبيحه وتمجيده.
روى ابن الجوزي فقال: "لمّا رفع عمر بن عبد العزيز رأسه من السجود خلف المقام نظروا إلى موضع سجوده مبتلاً من دموعه".
وعن المغيرة بن حكيم قال: قالت لي فاطمة بنت عبد الملك امرأة عمر بن عبد العزيز: "يا مغيرة، إنه يكون في الناس مَن هو أكثر صلاة وصيامًا من عمر بن عبد العزيز، وما رأيت أحدًا قد أشد فَرَقًا من ربه من عمر، كان إذا صلى العشاء قعد في مسجده ثم يرفع يديه فلم يزل يبكي حتى تغلبه عينه ثم ينتبه فلا يزال يدعو رافعًا يديه يبكي حتى تغلبه عينه، يفعل ذلك ليله أجمع".
وروى كاتبه إسماعيل بن أبي حكيم فقال: "كان عمر بن عبد العزيز لا يدع النظر في المصحف كل يوم ولكنه لا يكثر".
وروى ابن الجوزي عن مقاتل بن حيان قال: "صليت خلف عمر بن عبد العزيز فقرأ: {وَقِفُوهُمْ إنَّهُم مسئولون} [سورة الصافات/24] فجعل يكررها لا يستطيع أن يجاوزها –يعني من البكاء-".
وكان يكثر أن يقول: اللهم سلِّم سلِّم.
وكان يصوم الاثنين والخميس والعشر وعاشوراء وعرفة.
وفي خلافته "كان يجمع كل ليلة الفقهاء فيتذاكرون الموت والقيامة والآخرة ثم يبكون حتى كأن بين أيديهم جنازة".
- إمرته على الحرمين:
لما كثرت شكاوى أهل المدينة المنورة في عهد الخليفة الوليد بن عبد الملك من ظلم وإليهم قام الوليد بعزله وولى عليهم ابن عمه وزوج أخته فاطمة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه الذي ساس أهلها بالعدل والرأفة والرحمة، فولى عمر المدينة سنة 87هـ (3)، فنزل دار جده مروان بن الحكم التي اتخذها مقرًا لإمارته وبقي أميرًا عليها حتى سنة 93هـ، وفرح أهل المدينة بهذا الخبر فأقبلوا عليه في داره يسلّمون عليه.
ولم يكد عمر يفرغ من تهنئة الناس له وترحيبهم به وسلامهم عليه حتى قام باختيار عشرة من فقهاء المدينة ليعاونوه بعد أن حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله: إني دعوتكم لأمر تؤجرون عليه وتكونون فيه أعوانًا على الحق، ما أريد أن أقطع أمرًا إلا برأيكم أو برأي من حضر منكم، فإن رأيتم أحدًا يتعدى أو بلغكم من عامل لي ظُلامة فأُجرِّج بالله على أحدٍ بلغه ذلك إلا أبلغني، وولى قضاء المدينة أبا بكر بن حزم أحد العلماء الثقات.
واستمر عمر بن عبد العزيز في نشر العدل بين الناس واتسعت رقعة سلطانه حيث ضم الخليفة إليه والطائف فأصبح واليًا على الحجاز كله، فانتشر العدل في الحجاز وحلّ الأمن والسكينة مما جعل عددًا من العلماء وبعض من وقع عليهم عَسف الحجاج وظلمه يفرون هاربين من العراق إلى المدينة لينعوا بعدل أميرها عمر بن عبد العزيز الذي أكرمهم وأحسن إليهم. ولم يكن الحجاج يرضى بذلك فكتب إلى الوليد يؤلبه على عمر وعزله، فاستجاب الوليد لذلك وعزل عمر عن إمرة الحجاز سنة 93هـ، وغادر المدينة النبوية بعد أن لبث في ولايتها زهاء سبع سنين، فقدم الشام ثم دمشق عاصمة الدولة الأموية، ولم يمنع ذلك عمر من استمراره في نشر الحق والعدل بل كان دأبه مناصحة الخلفاء وإرشادهم للخير.
- استخلافه:
كان الخليفة سليمان بن عبد الملك معجبًا بعمر بن عبد العزيز ومنهجه القويم المستقيم، وكانت تراوده فكرة وتطوف بمخيلته بين الحين والآخر أن يكون عمرُ هذا خليفة المسلمين من بعده، وكان عمر يشعر بهذا الهاجس من مواقف سليمان الذي كان يقول له: "يا عمر ما أهمني أمر قط إلا خطرتَ فيه على بالي"، وكما كان عمر يريد الابتعاد عن الخلافة فإنها أمانة يسأل عنها المرء يوم القيامة، فلذلك كان يقول لرجاء بن حيوة العالم الصالح ووزير سليمان: "يا رجاء، أُذَكِّرُكَ الله والإسلام أن تذكرني لأمير المؤمنين أو تشير بي، فوالله ما أقوى على هذا الأمر".
وفي الوقت نفسه كان سليمان يتخوّف من تولية عمر أن تقع فتنة بين عمر وأولاد عبد الملك كهشام ويزيد وغيرهما، ولما اجتمع سليمان في أيام مرضه برجاء سأله عن رأيه فيمن يكون أهلاً للخلافة فقال: رأيك يا أمير المؤمنين، وهو في قرارة نفسه يريد أن يستخلف عمر لهذا الأمر، فقال: كيف ترى في عمر بن عبد العزيز؟ فقال رجاء: أعلمه والله فاضلاً خيّارًا مسلمًا، فقال: هو على ذلك، والله لئن ولّيته ولم أُوَلّ أحدًا من ولد عبد الملك لتكوننَّ فتنة ولا يتركونه أبدًا يلي عليهم إلا أن أجعل أحدهم بعده، قال:
فيزيد بن عبد الملك أجعله بعده فإن ذلك مما يسكنّهم ويرضون به، وكان يزيد يومئذ غائبًا على الموسم، فقال رجاء: رأيك. فكتب سليمان بيده: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من عبد الله سليمان أمير المؤمنين لعمر بن عبد العزيز، إني وليته الخلافة من بعدي ومن بعده يزيد بن عبد الملك، فاسمعوا له وأطيعوا واتقوا الله ولا تختلفوا فيُطمَعَ فيكم، وختم الكتاب. وتوفي سليمان يوم الجمعة من شهر صفر سنة 99هـ عن خمس وأربعين سنة، وكانت خلافته سنتين وثمانية أشهر وصلى عليه عمر بن عبد العزيز واستخلف في ذلك اليوم وبايعه المسلمون بعد أن قُرئ عليهم كتاب سليمان الذي عهد فيه بالخلافة إلى عمر، ثم خطب فيهم عمر وحثهم على التقوى والتزام الكتاب والسنة وعلى التعاون معه فيما فيه مصلحة الأمة.
- عدله مع الرعية ومجمل سيرته:
لم يتوان عمر بن عبد العزيز منذ استلامه الخلافة عن التزام الحق وتطبيق الشرع واتباع السنة والاهتداء بهدي الخلفاء الراشدين والعمل بالشورى ونشر العدل والمساواة بين المسلمين. وأقام القضاة العلماء وحثهم على الحكم بين الناس بالقسط وعدم المحاباة. وصان الدماء وأقام الحدود، ودأب على رد المظالم ولم يخف في ذلك أحدًا واهتم بالتعليم وأصلح سياسة الدولة المالية فلا يدخل بيت المال إلا الحلال ولا ينفق منه إلا في وجه مشروع فيه مصلحة للأمة، وخرج في الطرقات مع مولاه مزاحم يتحسس أخبار الرعية ويسأل الركبان عن سيرة الولاة في الأمصار.
واعتنى بالتجارة والزراعة والاقتصاد والبناء والعمران، وألغى المكوس والضرائب، وناظر أرباب الطوائف والمذاهب الضالة كالقدرية والخوارج وأكثر من الرسائل إليهم في الرد عليهم ومقابلة وفودهم حتى رد كثيرًا منهم إلى الصواب ومن شذ منهم حاربه وأراح البلاد من شره.
وتابع الفتوحات وحركة الجهاد مع الرفق بالجيش وعدم إلقائه إلى المهالك، ودعا الملوك والزعماء والناس من غير المسلمين إلى الدخول في دين الله وأمر ولاته أن يهتموا بذلك، فدخل الناس في الإسلام أفواجًا في بلاد المغرب والهند والسند.
كل هذه الأعمال الكبيرة وغيرها حققها الخليفة الباهر في أيام خلافته القصيرة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
- محافظته على أموال المسلمين:
كان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه حريصًا جدًا على أموال المسلمين، فيرى أنها أمانة ووديعة يجب الحفاظ عليها وعدم هدر أي فلس منها، والدولة مسؤولية عن ذلك وعلى رأسهم أمير المؤمنين، وكان يقول: "أنا حجيج المسلمين في أموالهم".
وكتب إليه أبو بكر بن حزم ثلاث حاجات في ثلاثة كتب، فردّ عليها أمير المؤمنين في صحيفة واحدة، جاء في ءاخرها: "أن أَدِقَّ قلمك وقارب بين سطورك واجمع حوائجك، فإني أكره أن أخرج من أموال المسلمين ما لا ينتفعون به، والسلام"، هنا بيت القصيد: "ما لا ينتفعون به"، فهو يكره أن يبدّد أي شئ من مال مهما قلّ شأنه لأنه ليس فيه نفع للمسلمين، فليست القضية قضية قرطاس يوفّر على الخزيمة أو ثمن قلم بل هي عدم صرف المال ولو قلّ فيما لا حاجة فيه.
وكتب إلى الآفاق في دولته العريضة: "أن لا يكتبن في طومار –أي الصحيفة- بقلم جليل ولا يمدّن فيه"، فكانت كتبه إنما هي شبر أو نحوه.
وقال لكاتبه: "أَدِقَّ القلم فإنه أبقى للقرطاس وأوجز للحروف".
ومما يدل على حفاظه على مال المسلمين أنه كان له سرجان: سراج من ماله يكتب عليه حوائجه وسراج لبيت المال يكتب عليه في مصالح المسلمين ولا يكتب على ضوئه لنفسه حرفًا واحدًا، فكان إذا فرغ من حاجات المسلمين أطفأ السراج ثم أسرج سراجه لقضاء حوائج نفسه.
ومرة أمر مولاه مزاحمًا أن يشتري به "رَحْلاً" لمصحفه، فأتاه برَحل فأعجبه فقال لمولاه: من أين أصبتَ هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين دخلتُ بعض الخزائن فوجدت هذه الخشبة فاتخذت منها رحلاً، قال: انطلقْ فقوّمه في السوق، فانطلق فقوَّموه نصف دينار، فرجع إلى عمر فأخبره قال: تُرانا إن وضعنا في بيت المال أنسلم منه؟ قال: إنما قوَّموه نصف دينار، قال: ضعْ في بيت المال دينارين.
تلك هي نظرة عمر رضي الله عنه لأموال الأمة ونهجه في المحافظة عليها مهما قلَّ مقدارها وتضاءلت قيمتها، قلّما كانت أو قرطاسًا أو شمعة أو خشبة، فأين هؤلاء الولاة اليوم من سيرة عمر بن عبد العزيز، فهل حافظوا على حقوق المسلمين وأموالهم؟
- رده الحقوق إلى أهلها:
كان الخلفاء من بني أمية من قبل عمر يعطون الأعطيات الجزيلة لأقاربهم وذويهم وغيرهم من الناس ولقد نال عمر من ذلك نصيبًا وافرًا، فلما صار عمر خليفة المسلمين أول عمل قام به هو ردّ هذه الأموال إلى بيت مال المسلمين فابتدأ بنفسه وثنَّى بأهله وعشيرته.
يقول سليمان بن موسى: "ما زال عمر بن عبد العزيز يردّ المظالم منذ يوم استخلف إلى يوم مات".
وأخذ يعمم ذلك في طول البلاد وعرضها ويأمر الولاة بذلك، وكان له في ذلك صولات وجولات مع أعيان عشيرته من بني أمية فما وجدوا منه إلا الصلابة في الحق ولم يخف في الله لومة لائم لأن همه كان مرضاة الله تعالى.
- وفاته رضي الله عنه:
توفي عمر بن عبد العزيز في شهر رجب سنة إحدى ومائة وله تسع وثلاثون سنة ونصف ودفن بدَيْر سِمعان وصلى عليه مسلمة بن عبد الملك، وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر، فملأ الأرض قسطًا وعدلاً وسن السنن الحسنة وأمات الطرائق السيئة.
وكان سبب وافته بسُمّ دسّ له في الطعام، فلقد تآمر عليه نفر من بني أمية لكونه شدد عليهم وانتزع كثيرًا مما في أيديهم مما قد غصبوه، وكان هو قد أهمل التحرُّز فأغروا به غلامًا له فدسّ السمّ في طعامه، وعندما جاءه الطبيب قال له: "هل أحسست بذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم، قد عرفتُ حين وقع في بطني، ثم دعا غلامه فقال له: "ويحك ما حملك على أن سقيتني السم؟ قال: ألف دينار أعطيتُها، وعلى أن أُعتق، قال: هاتها فجاء بها فألقاها في بيت المال، وقال: اذهب حيت لا يراك أحد".
وعندما حان وقت أجله جاءته ملائكة الرحمة، قالت زوجته: فجعلت أسمعه يقول: مرحبًا بهذه الوجوه التي ليست بوجوه إنس ولا جان، ثم قرأ: {تلكَ الدارُ الآخرةُ نجعلُها للذينَ لا يُريدون عُلُوًّا في الأرضِ ولا فسادًا والعاقبةُ للمتقين} [سورة القصص/83] مرارًا ثم أطرق، فلبثتُ طويلاً لا يسمع له حس، فقلت لوصيف: ويحك انظر، فلما دخل –أي غرفة عمر- صاح فدخلتُ فوجدته ميتًا قد أقبل بوجهه على القبلة ووضع إحدى يديه على فيه والأخرى على عينه رضي الله عنه.
(1) من مصادر ترجمته: "سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز" لابن الجوزي، "سير عمر بن عبد العزيز" لابن عبد الحكم، "الطبقات الكبرى" [5/253]، سير أعلام النبلاء [5/114]، "حلية الأولياء" [5/253].
(2) هو أبو الوليد عبد الملك بن مروان خامس خلفاء بني أمية، ولد سنة 26هـ وتوفي سنة 86هـ.
(3) وفي بعض المصادر سنة 86هـ.
