ءاية ومعنى (1)

قوله تعالى ( وهو القاهر فوق عباده ) معناه فوقهم بالقهر والغلبة وليس بالحيز والمكان كما ذكر القرطبي في تفسيره فالله تعالى منزه عن التحيز في المكان والجهة.

》كتاب تفسير القرطبي، طبع دار الكتب العلمية ط٢

﴿وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾: "الْقَهْرُ الْغَلَبَةُ، وَالْقَاهِرُ الْغَالِبُ".

》ثم قال: "وَمَعْنَى ﴿فَوْقَ عِبادِهِ﴾ فَوْقِيَّةُ الِاسْتِعْلَاءِ بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ عَلَيْهِمْ، أَيْ هُمْ تَحْتَ تَسْخِيرِهِ لَا فَوْقِيَّةَ مَكَانٍ، كَمَا تَقُولُ: السُّلْطَانُ فَوْقَ رَعِيَّتِهِ أَيْ بِالْمَنْزِلَةِ وَالرِّفْعَةِ".

قال الامام الطبري في جامع البيان " وقد بينا ان كل شيء عال بقهر وغلبة على شيء ، فإن العرب تقول (وهو فوقه)

وهذا في قوله تعالى " وهو القاهر فوق عباده "

قرن الفوقية بصفة القهر والغلبة وليس الفوقية الجهوية .

لان الله كان متصفا بعلو القدر والعظمة قبل خلق العرش ولما خلق العرش لم يزد العرش في كمال علو الله شيئا لان علوه تعالى لم يكن ناقصا واكتمل بوجود العرش ..

فالعرش مخلوق اوجده الله من الماء وهو يشبه السرير الحسي الملموس عظيم الحجم وهو سقف الجنة كما قال الامام احمد كما ثبت عنده من الحديث وفوق العرش حقيقة كتاب مكتوب فيه ان رحمتي سبقت غضبي .. وقال بعض العلماء فوق العرش ايضا اللوح المحفوظ .. فهذا العلو المكاني الملموس الحسي مخلوق وهو عال جدا بالمناسبة اعلى العالم ...

فلا يجوز ان يكون علو العرش او علو الكتاب الذي فوق العرش شبيها بعلو الله بأي وجه من الوجوه

فالله ليس له شريك من خلقه في صفاته .. لا العرش شريك لله في العلو ولا الكتاب ولا الملائكة ولا غيرهم

ولا يقال لمن خلق الاين اين

لان الاين بالمعنى المكاني لا تليق بالله لانه غني عنها قبل ان يخلقها وبعد ان خلقها

قال تعالى وخلق كل شيء

و قال عليه السلام كان الله ولم يكن شيء غيره

كلمة فوق في لغة العرب لها معنيان، إما أن تكون بمعنى ارتفاع المكان والجهة وإما أن تكون باعتبار الدرجة والقدرة والعلم، على حسب ما يفهم الشخص من كلمة الله فوق. إن كان يفهم منه أن الله متحيز في هذه الجهة، جهة فوق، فهو كفر. السماء في جهة فوق والعرش والملائكة أكثرهم في جهة فوق والنجم والشمس والقمر والجنة في جهة فوق، الله لا يقال فيه على هذا المعنى الله فوق، لا يقال. بالنسبة إلى الله فوق وتحت على حد سواء، بالنسبة إلى ذات الله العرش والأرض السفلى الأرض السابعة على حد سواء، ليس متحيزًا على العرش بحيث يكون بعيدًا عن الأرض، بل الأرض والعرش بالنسبة إلى ذات الله على حد سواء، لأنه موجود بلا مكان ولا جهة هذا هو عقيدة أهل الحق الذي عليه علماء الإسلام في الشرق والغرب.

أما من يقول الله فوق ويفهم منه أنه أقدر من كل شىء وأعلم من كل عالم وأنه خالق كل شىء فلا يضر العقيدة. ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ معناه الله تعالى قاهر فوق عباده أي بالقدرة والعلم، معناه قادر عليهم، لا يخرج شىء عن قدرة الله وعن علم الله، هذا معنى ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ أي قهر كل شىء، أعلى من عباده، أي بالقدرة والعلم، على هذا المعنى من قال الله فوق لا يكفر.

أما الذي يعتقد أن الله متحيز في جهة فوق كما أن العرش والسموات والجنة في جهة فوق، الذي يقول على هذا المعنى الله فوق كافر. كلمة فوق تقال لشىء في جهة فوق كما إذا قلنا السماء فوق والعرش فوق والجنة فوق ويقال أيضًا السلطان فوق الأمير والخليفة فوق السلطان معناه بالحكم والقوة والتدبير. الذي يقول الله فوق، إن كان يفهم من هذا أن الله في هذه الجهة، متحيز، كما أن النجوم والعرش والسموات والجنة متحيزون فوق في جهة فوق، من يعتقد أن الله أيضًا متحيز في جهة فوق على العرش أو على الكرسي، هذا كافر، ما عرف الله.

الله تعالى كان قبل الفوق والتحت واليمين والشمال والأمام والخلف، قبل العرش، قبل الجهات الست، قبل الضوء وقبل الظلام، قبل المكان، قبل الزمان كان موجودًا، لا ابتداء لوجوده. ثم خلق المكان، خلق الجهات الست، خلق الشمس والقمر، وخلق الضوء والظلام والملائكة فهو كما كان قبل أن يخلق العالم، لم يتغير، لم يتخذ مكانًا. بعد أن خلق العرش لم يتخذ العرش مكانًا، هو كما كان قبل أن يخلق العرش لا يتغير. كل شىء يتحول من حال إلى حال مخلوق، الخالق لا يتحول من حال إلى حال، لذلك أي لأنه موجود بلا مكان ولا جهة وليس حجمًا كبيرًا ولا حجمًا صغيرًا ولا بأي حجم، لذلك لا يمكن تصور الله في النفس، لا يمكن. أما المخلوق بما أن له حجمًا كبيرًا أو صغيرًا لو لم نره نتصوره في عقولنا.

ءاية ومعنى (2)

قوله تعالى ( الرحمن على العرش استوى )

معناه الله تعالى قهر العرش وليس معنى استوى هنا جلس لأن الجلوس صفة المخلوق والله تعالى لا يوصف بذلك كما ذكر مثل هذا الرازي في تفسيره.

فَسَّرَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِالْقَهْرِ لَكِنْ لا يُقْطَعُ بِأَنَّ مُرَادَ اللَّهِ بِالِاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ الْقَهْرُ إِنَّمَا يُظَنُّ ظَنًّا رَاجِحًا. وَمَعْنَى قَهْرِ اللَّهِ لِلْعَرْشِ الَّذِى هُوَ أَكْبَرُ الْمَخْلُوقَاتِ حَجْمًا أَنَّ الْعَرْشَ تَحْتَ تَصَرُّفِ اللَّهِ هُوَ أَوْجَدَهُ وَحَفِظَهُ وَأَبْقَاهُ، حَفِظَهُ مِنَ الْهُوِىِّ وَالسُّقُوطِ وَلَوْلا حِفْظُ اللَّهِ لَهُ لَهَوَى وَتَحَطَّمَ. أَمَّا مَنْ يُفَسِّرُ الِاسْتِوَاءَ بِالْجُلُوسِ أَوِ الِاسْتِقْرَارِ فَيَقُولُ إِنَّ اللَّهَ جَالِسٌ عَلَى الْعَرْشِ أَوْ مُسْتَقِرٌّ عَلَيْهِ أَوْ مُحَاذٍ لَهُ بِوُجُودِ فَرَاغٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَرْشِ فَهُوَ كَافِرٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفِ اللَّهَ.

فَتُحْمَلُ الآيَةُ عَلَى الْقَهْرِ أَوْ يُقَالُ اسْتَوَى اسْتِوَاءً يَلِيقُ بِهِ أَوِ اسْتَوَى بِلا كَيْفٍ. وَالْكَيْفُ الْمَنْفِىُّ عَنِ اللَّهِ هُوَ مَا كَانَ مِنْ صِفَاتِ الْخَلْقِ كَالْجُلُوسِ وَالِاسْتِقْرَارِ وَالْمُحَاذَاةِ أَىْ كَوْنِ الشَّىْءٍ فِى مُقَابِلِ شَىْءٍ وَالتَّحَيُّزِ فِى الْمَكَانِ وَالْجِهَةِ. وَهَذِهِ الآيَةُ ﴿الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ مِنَ الآيَاتِ الْمُتَشَابِهَةِ وَقَدْ وَرَدَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ اعْمَلُوا بِمُحْكَمِهِ (أَىِ الْقُرْءَانِ) وَءَامِنُوا بِمُتَشَابِهِهِ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِى صَحِيحِهِ.

وَءَامِنُوا بِمُتَشَابِهِهِ أَىْ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَتَوَهَّمُوا أَنَّ مَعَانِيَهُ مِنْ صِفَاتِ الأَجْسَامِ فَقَدْ نَقَلَ الْبَيْهَقِىُّ فِى كِتَابِ الْمُعْتَقَدِ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الأَوْزَاعِىِّ وَمَالِكٍ وَسُفْيَانَ وَاللَّيْثِ بنِ سَعْدٍ أَنَّهُمْ سُئِلُوا عَنِ الآيَاتِ الْمُتَشَابِهَةِ فَقَالُوا أَمِّرُوهَا كَمَا جَاءَتْ بِلا كَيْفِيَّةٍ، أَىْ ءَامِنُوا بِهَا وَلا تُفَسِّرُوهَا تَفْسِيرًا فَاسِدًا بِنِسْبَةِ الْكَيْفِيَّةِ إِلَى اللَّهِ. وَلْيُعْلَمْ أَنَّ الِاسْتِوَاءَ فِى لُغَةِ الْعَرَبِ لَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ مَعْنًى مِنْهَا مَا لا يَلِيقُ بِاللَّهِ كَالْجُلُوسِ وَالِاسْتِقْرَارِ وَمِنْهَا مَا يَلِيقُ بِاللَّهِ كَالْقَهْرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾.

ءاية ومعنى (3)

قوله تعالى ( والفتنة أشد من القتل )

معناه الفتنة في الدين أي الكفر أشد من القتل وليس معنى الفتنة هنا النميمة فالقتل أعظم وأشد من النميمة ولا يجوز اعتقاد أن النميمة ذنبها أكبر من القتل

قال الطَّبَرِي:القَولُ فِي تَأوِيلِ قَولِه تَعَالَى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾

يَعنِي وَالشِّركُ باللهِ أشَدُّ مِنَ القَتلِ.

وَأصلُ الفِتنَةِ الابتِلَاءُ وَالاختِبَارُ، فَتَأوِيلُ الكَلَامِ: وَابتِلاءُ المُؤمِنِ فِي دِينِه حَتَّى يَرجِعَ عنهُ فَيَصِيرَ مُشرِكًا باللهِ مِن بَعدِ إسلَامِهِ أَشَدُّ عَلَيهِ وَأَضَرُّ مِن أَن يَقتُل مُقِيمًا عَلَى دِينِه مُتَمَسِّكًا بِمِلَّتِهِ مُحِقًّا فِيهِ.

وَقَال مُجَاهِدٌ فِي قَولِه تَعَالَى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾

ارتِدَادُ المُؤمِنِ إِلَى الوَثَن أَشَدُّ عَلَيهِ مِن أَن يَقتُلَ.

ءاية ومعنى (4)

قوله تعالى عن سفينة نوح ( تجري بأعيننا )

معناه تجري بحفظنا فالعين هنا معناها الحفظ وليس معناها العين الجارحة لأن الله تعالى منزه عن ذلك فسفينة نوح كانت تجري وسط الموج بحفظ الله تعالى.

الله تعالى يقول إن سفينةَ نوح تجري بإذني لا يُصيبُها غرَقٌ (1) هذا مراد الآية،*

*{أعينُنا} لفظُ الجمعِ، القرءانُ عبَّر بالجمعِ لتعظيمِ عينِ الله ليس معناه أن الله له عيونٌ مركبة على هذا الوجه، الذي يَنظُرُ إلى ظاهرِ اللفظ يقول "إن الله لهُ عين هنا وعين هنا" وصَفَ الله بأبشعِ صورة،*

*الذين يقولون "الله له عين حدقة ووجه جسم" هؤلاء شتموا الله.*

*سفينة نوح عليه السلام صارت تدورُ على الماءِ ستةَ أشهر، ذهبت إلى عرفةَ ومكةَ ومزدلفةَ ومنى إلى الأماكن التي يُعمَلُ فيها أعمالُ الحج،*

*جرت بحفظِ الله، هذا معنى {بأعيننا} *

ءاية ومعنى (5)

قوله تعالى ( وهو معكم أينما كنتم )

معناه بعلمه وليس معناه أن الله تعالى متحيز في كل مكان كما يقول بعض الناس ( الله موجود في كل مكان ) بل هذا الكلام لا يجوز لأن الله تعالى هو خالق الأمكنة ولا يحتاجها.

تفسير قول الله تعالى : { وهو معكم أين ما كنتم } [4: سورةالحديد] أي بالعلم والقدرة (أي الله عالم بكم أينما كنتم). قال الثوري: المعنى علمه معكم.

وهذه الآية أجمعت الأمّة على هذا التأويل فيها، وأنها لا تحمل على ظاهرها من المعية بالذات.

وهي حجة على من منع التأويل في غيرها مما يُجرى مجراها من استحالة الحمل على ظاهرها.

10/ 101 من البحر المحيط في التفسير للحافظ أثير الدين أبو حيان محمد بن يوسف الأندلسي المتوفى سنة 745 هجرية رحمه الله

معنى قولِه تعالى { وهو معكم أينما كنتم } الإحاطةُ بالعلم وتأتي المَعِيّةُ أيضًا بمعنى النُّصرةِ والكِلاءةِ كقولِه تعالى { إنّ الله معَ الذين اتّقَوا } أي ينصرُهم ، يُؤَيِّدُهم بنصرِه

ليس معناه أنّ الله مع المتّقين بالذات لأنّ هؤلاء المتّقين هم بشرٌ خلقٌ مِن خلقِ الله لهم مكان لهم جهة فلا يجوزُ أنْ يكونَ المعنى أنّ الله بذاتِه معهم.

وليس المَعنِيَّ بها الحُلولَ والاتّصالَ، ويكفُرُ مَن يعتقدُ ذلك لأنه سبحانه وتعالى مُنَزَّهٌ عن الاتصالِ والانفصالِ بالمسافة.

فلا يقالُ إنه متّصلٌ بالعالم ولا مُنفصِلٌ عنه بالمسافة لأنّ هذه الأمورَ مِن صفاتِ الحجم والحجمُ هو الذي يقبَلُ الأمرين والله عز وجل ليس بحادث ، نفَى ذلك عن نفسِه بقولِه { ليس كمثلِه شىء }

ءاية ومعنى (6)

قوله تعالى ( يوم يكشف عن ساق )

معناه يكشف عن شدة من الأمر وأهوال وليس معنى الساق هنا الساق الذي هو العضو الجارح لأن الله تعالى منزه عن الأعضاء والجوارح، فمن الضلال ما يقوله البعض أن الله يكشف عن ساقه التي هي العضو.

- تأويل الضحاك وقتادة وسعيد بن جبير للفظ الساق فقد جاء في تفسير الطبري 29 / 38 – 39 عند قوله تعالى {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} قال الضحاك "هو أمر شديد"، وقال قتادة "أمر فظيع وشدّة الأمر"، وقال سعيد "شدة الأمر". وقال الإمام الطبري قبل هذا بأسطر "قال جماعة من الصحابة والتابعين من أهل التأويل: يبدو عن أمر شديد" اهـ.

ءاية ومعنى (7)

قوله تعالى

( ما منعك أن تسجد لما خلقت بيديّ )

يجوز أن يكون المراد باليدين الحفظ والعناية أي أن ءادم عليه السلام خلقه الله بعنايته وحفظه لأنه مشرف عند الله ولا يجوز أن نفسر اليدين بالعضو الجارح لأن الله منزه عن ذلك.

قوله تعالى في توبيخ إبليس الذي استكبر عن السجود لنبيّ الله آدم ‏سجود تحية بعدما أمره الله بذلك فكفر والعياذ بالله لاستكباره وتعنّته: ‌‏"ما منعكَ أن تسجدَ لِما خلقتُ بِيَدَيَّ" (الآية 75 من سورة صاد)، قال ‏فيه العلامة أبو حيان الأندلسي في البحر المحيط إن ذلك عبارة عن ‏القدرة والقوة، ومعلوم لمن مارس شيئاً من علم النحو واللغة والتفسير ‏أن أبا حيان من كبار اللغويين والنحاة فلا يُعترض على مثله في ذلك، ‏ومن أين لمعترض على تأويل أبي حيان أن يجاريه علماً وفقهاً.‏

وقال الماوردي في تفسيره "بيديّ" فيه أوجه منها بقدرتي ومنه قول ‏الشاعر‎:‌‏ تحملت من عفراء ما ليس لي به.. ولا للجبال الراسيات يدان ‌‏(هي بمعنى القدرة وإن جاءت من حيث اللفظ بالتثنية "يدان")‌‎.‌‏

ويجوز ‏أن يقال المراد باليَدين هنا العناية والحفظ، ويدلّ قوله تعالى: "بيديَّ" ‏على أن آدم خُلِق مُشرّفا مُكرّماً بخلاف إبليس خلقه الله للإهانة، ‏وكلاهما بل وسائر المخلوقات خلقها الله بقدرته كما يقول السادة ‏الأشاعرة‎.

ولا يجوز أن تحمل كلمة بيدَيَّ على معنى الجارحة أي العضو لأنه لو ‏كانت لله جارحة لكان شبيهاً لنا، ولجاز عليه التعب كما يجوز علينا، ‏ولو كان مِثلنا لَما استطاع أن يخلقنا، فلذلك قال العلماء "بيديّ" معناه ‏أن نبيّ الله آدم خُلق بقدرة الله على وجه الإكرام والتعظيم، أما إبليس ‏فما خلقه الله تعالى بعنايته لأن الله عالم في الأزل بأن إبليس خبيث، ‏فهذا هو الفرق هنا بين سيدنا آدم نبي الله وإبليس عدو الله‎.

وقال بعض العلماء بالتأويل الإجمالي فقالوا يصح أن يقال لله يد بلا ‏كيف بمعنى الصفة لا على معنى الجارحة، قالوا يد لا كأيدينا على ‏معنى الصفة لا على معنى الجسمية، لأن الله مستحيل عليه الحجم ‏والجسمية والكيفية والهيئة والصورة والجهة والمكان سبحانه ليس ‏كمثله شىء.‏

وأما الوقوف بين يدي الله للحساب يوم القيامة فمعناه حساب العباد عند ‏عرض أعمالهم عليهم، وليس المعنى أن الله تعالى يكون في موقف ‏القيامة ويكون الناس حوله لأن الله تعالى ليس جسماً يَتحيّز في مكان‎.‌‏ ‏الله منزه عن صفات المخلوقين، مهما تصورتَ ببالك فالله بخلاف ‏ذلك.‏

ءاية ومعنى (8)

قوله تعالى ( فنفخنا فيه من روحنا )

معناه أن الله تعالى أمر جبريل عليه السلام أن ينفخ في مريم الروح التي هي مخلوقة لله وملك له ومشرفة عنده ولا يجوز أن يقال إن لله روحا وعيسى جزء منها فالله منزه عن ذلك.

مَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُّوحِنَا﴾.

اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ خَالِقُ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ فَلَيْسَ رُوحًا وَلا جَسَدًا لَكِنَّهُ أَضَافَ رُوحَ عِيسَى إِلَى نَفْسِهِ عَلَى مَعْنَى الْمِلْكِ وَالتَّشْرِيفِ أَىِ التَّعْظِيمِ لِلدِّلالَةِ عَلَى شَرَفِ رُوحِ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ لا عَلَى مَعْنَى الْجُزْئِيَّةِ فَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُّوحِنَا﴾ أَمَرْنَا جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أَنْ يَنْفُخَ فِى مَرْيَمَ الرُّوحَ الَّتِى هِىَ مِلْكٌ لَنَا وَمُشَرَّفَةٌ عِنْدَنَا لِأَنَّ الأَرْوَاحَ قِسْمَانِ أَرْوَاحٌ مُشَرَّفَةٌ لَهَا مَنْزِلَةٌ عَظِيمَةٌ عِنْدَ اللَّهِ كَأَرْوَاحِ الأَنْبِيَاءِ وَالأَوْلِيَاءِ وَالْمَلائِكَةِ وَأَرْوَاحٌ خَبِيثَةٌ لا يُحِبُّهَا اللَّهُ وَهِىَ أَرْوَاحُ الْكُفَّارِ. أَمَّا الَّذِى يَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ رُوحٌ وَأَنَّهُ اقْتَطَعَ مِنْ ذَاتِهِ الَّذِى هُوَ رُوحٌ قِطْعَةً فَنَفَخَهَا فِى عِيسَى بِوَاسِطَةِ النَّفَسِ كَمَا يَنْفُخُ الإِنْسَانُ فَقَدْ شَبَّهَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ

ءاية ومعنى (9)

قوله تعالى ( أن طهّرا بيتي للطائفين )

معناه البيت الذي هو مشرف عند الله وليس معناه أن الله تعالى يسكن الكعبة لأن الله تعالى منزه عن التحيز في المكان فإضافة البيت لله تعالى إضافة تشريف.

قال الله تعالى: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي} [سورة البقرة]

قول الله تعالى في الكعبة {بَيْتِي} إضافة ملك للتشريف لا إضافة صفة أو ملابسة لاستحالة الملامسة أو المماسة بين الله والكعبة. قال البغوي في تفسيره :{أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي} يعني: الكعبة أضافه إليه تخصيصًا وتفضيلا» اهـ. قال الله تعالى عن الكعبة لإبراهيم وإسماعيل {أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي} ليفهمنا أن للكعبة عنده مقاما عاليا وأنها مشرفة عنده .

ءاية ومعنى (10)

قوله تعالى ( وجاء ربك والملك صفا صفا )

معناه جاء أمر ربك أي أثر من ءاثار ربك كما ثبت عن الإمام أحمد أنه قال جاءت قدرته، وليس معناه مجىء الحركة والانتقال لأن الله تعالى منزه عن الحركة والسكون لأنهما من خلق الله تعالى وهما من صفات المخلوقين.

تفسير قول الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾

كتاب "تفسير القرطبي"، المعروف كذلك باسم "الجامع لأحكام القرءان" طبعة دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية سنة ١٤٢٤هـ وفي المجلد العاشر، في الجزء العشرين، في الصحيفة ۳٧،

يقول القرطبي في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ "قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ أي أَمْرُهُ وَقَضاؤُهُ".

ثم يقول: وَقيلَ: جَاءَهُمُ الرَّبُّ بِالآياتِ الْعَظيمَةِ.

ثم يقول: "وَاللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَا يُوصَفُ بِالتَّحَوُّلِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ، وَأَنَّى لَهُ التَّحَوُّلُ وَالِانْتِقَالُ، وَلَا مَكَانَ لَهُ وَلَا أَوَانَ، وَلَا يَجْرِي عَلَيْهِ وَقْتٌ وَلَا زَمَانٌ ". اهـ.

ءاية ومعنى (11)

قوله تعالى ( أقرب إليه من حبل الوريد )

معناه أن الله تعالى أعلم بالعبد من نفسه، وليس معناه أن الله قريب منا حسا فالله منزه عن المكان، والوريد عِرقان في الإنسان من جانبي الرقبة ينزلان من الرأس ويتصلان بعِرق القلب.

قال اللهُ تعالى: "وَنَحْنُ أَقرَبُ إلَيهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيْد". أي أنَّ اللهَ أعلم بالعبد من نفسه، هو سبحانه أعلم بنا من أنفسنا، إذْ هو خالقنا وخالق أعمالنا وحركاتنا. أما الوريد فعرقان في الإنسان من جانبي الرّقبة. وليس المعنى أنَّ اللهَ داخلٌ فينا أو حالٌّ فينا نعوذ بالله من اعتقاد أهل الكفر والحلول.

قال الإمام أبو حنيفة في الفقه الأكبر: (وليس قرب الله تعالى من طريق المسافة "لأن المسافة للمخلوق" وأما الخالق فموجود بلا كيف ولا مكان ولا جهة، لا يكون بينه وبين خلقه مسافة).

قال الحافظ محمّد مرتضى الزبيدي في كتابه إتحاف السّادة المتّقين في شرح أسرار إحياء علوم الدين 2/25: "وهذا معنى قوله تعالى: "ونحن أقرب إليه من حبل الوريد" أيْ أعلم منه بنفسه.

وقال الطبري "فلا شىء أقرب إلى شىء منه،

كما قال ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (16) [سورة ق]" انتهى. [ :جامع البيان (مجلد 13/ جزء 27/ ص 215]

ليس المراد به القرب الجسماني والعياذ بالله من الكفر لأن الله ليس جسمًا والجسم من صفات المخلوقات، فاللهُ تبارك وتعالى يستحيل عليه القرب المسافي .

ءاية ومعنى (12)

قوله تعالى ( فأينما تولوا فثَمّ وجه الله )

معناه أينما وجهتم وجوهكم في صلاة النفل في السفر فتلك الوجهة التي توجهتم لها هي قبلة لكم، ولا يراد بالوجه العضو الجارح لأن الله منزه عن ذلك.

قال الله تعالى: *{وَللهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ}* [سورة البقرة115] فما معناها؟

فقول الله تعالى *{فأيْنَمَا تُوَلُّوا}* أي أيَّ جهة تستقبلوا وتتوجهوا في السفر، كصلاة النفل في السفر كالوتر وأنتم على ظهور الدواب أو مشاة *{فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ}* أي في الجهة التي تتوجهون إليها وجه الله أي قِبلة الله.

القِبلة في السفر للمسافر الذي يريد السُّنة هي الوجهة التي هو سائر إليها، إن كنت مغرّباً فقبلتك المغرب، وإن كنت سائراً إلى الجنوب فقبلتك الجنوب، وإن كنت سائراً إلى الشمال فقبلتك الشمال، في نفل السفر إذا الإنسان كان على دابّة أو ماشياً خارج البلد أراد أن يصلّي الوتر أو الضحى أو سنّة الظهر أو سنّة العصر أو غير ذلك من الصلوات النّافلة غير الفرض فقبلته الجهة التي هو قاصدها ليس عليه أن يستقبل الكعبة الشريفة بل يستقبل في تكبيرة الاحرام تخفيفاً من الله تبارك وتعالى أما الفرض فلا يصلّى إلا باستقبال الكعبة الشريفة، وجه الله معناه قبلة الله في هذه الآية.

الوجه في لغة العرب له أكثر من معنى، ليس معناه هذا الجزء الذي نعلمه من أنفسنا فقط، لغة العرب واسعة.

ءاية ومعنى (13)

قوله تعالى ( الله نور السموات والأرض )

معناه أن الله تعالى هادي أهل السموات ومن شاء من أهل الأرض لنور الإيمان كما قال ابن عباس ولا يجوز تفسير النور بالضوء لأن الله تعالى ليس نورا بمعنى الضوء فالله هو خالق الضوء.

*مَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ النُّورِ ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾.*

اعْلَمْ أَنَّ النُّورَ يُطْلَقُ عَلَى اللَّهِ بِمَعْنَى الْهَادِى فَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هَادِى أَهْلِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لِنُورِ الإِيمَانِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِىُّ فِى الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَىْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْطَى الإِيمَانَ لِأَهْلِ السَّمَوَاتِ وَهُمُ الْمَلائِكَةُ وَلِمَنْ شَاءَ لَهُ الإِيمَانَ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ مِنَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ وَقَالَ قَتَادَةُ ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أَىْ مُنِيرُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ذَكَرَهُ ابْنُ السَّمْعَانِىِّ فِى تَفْسِيرِهِ.

وَحُكْمُ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ نُورٌ بِمَعْنَى الضَّوْءِ التَّكْفِيرُ قَطْعًا لِأَنَّ الضَّوْءَ مَخْلُوقٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فِى سُورَةِ الأَنْعَامِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ أَمَّا إِذَا قَالَ قَائِلٌ اللَّهُ نُورٌ بِمَعْنَى الْهَادِى فَلا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى نَفْسَهُ بِهَذَا الِاسْمِ قَالَ تَعَالَى فِى سُورَةِ النُّورِ ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ وَوَرَدَ هَذَا الِاسْمُ فِى تَعْدَادِ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى عِنْدَ الْبَيْهَقِىِّ وَغَيْرِهِ.

ءاية ومعنى( 14)

قوله تعالى ( أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون )

معناه أن الله تعالى يوجد الأشياء بدون تعب ومشقة وليس معناه أن الله كلما أراد أن يخلق شيئا يقول هذان الحرفان ( كن ) لأن كلام الله ليس حرفا وكلامه لا يشبه كلامنا ..

تفسير قوله تعالى "إنّما أمْرُه إذا أراد شيئا أن يقول له كُنْ فيكون":

اعلم أخي المسلم أن معنى هذه الآية أن الله يُوجِد الأشياء بدون تعب ولا مشقّة ولا مُمانعة أحد له أي أنه يخلق الأشياء التي شاء أن يخلقها بسرعة بلا تأخر عن الوقت الذي شاء وجودها فيه فمعنى "كُنْ فَيَكُونُ" يدل على سرعة الإيجاد وليس المعنى أن الله ينطق بلفظ كُن المُركّب من الكاف والنون بعدد مخلوقاته وإلا لكان معنى ذلك أن الله كل الوقت يقول كُن كُن كُن وهذا مُحال لأن الله عز وجل يخلق في اللحظة الواحدة ما لا يدخل تحت الحصر والله تعالى مُنَزَّه عن أن يتكلّم بكلام هو حرف وصوت كما نحن نتكلّم وإنما نزل هذا في القرءان بهذه العبارة لتقريب المعنى إلى عباده وذلك أن كلمة كُنْ أسهل شىء بالنسبة للعباد فيكون المعنى أن الله هيِّن عليه إيجاد ما أراد وجوده كما يهون على العباد النطق بهذه الكلمة.

وإنما امتنع تفسير الآية على الظاهر الذي هو نسبة إثبات النطق بالحرف إلى الله لأنه لو كان الله ينطق بهذه الكلمة لَلَزِمَ تشبيه الله بخلقه ولو كان الله يتكلّم بهذه الكلمة بالحرف والصوت لكان مثل عباده فلو كان يجوز هذا على الله لكان يجوز عليه كل صفات البشر وذلك يُنافي التوحيد لأن التوحيد عَدَم تشبيه الله بشىء من خلقه ثم "كُنْ" لغة عربية والله تعالى كان قبل اللغات كلها وقبل أصناف المخلوقات فعلى قول الوهابية أدعياء السلفيّة يلزم أن يكون الله ساكتا قَبْلُ ثم صار مُتكلِّما وهذا مُحال لأن هذا شأن البشر وغيرهم.

والله اعلم واحكم

ءاية ومعنى (15)

قوله تعالى ( ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين )

معناه أن الله تعالى أقوى في إيصال الضرر إلى الماكرين من كل ماكر جزاء لهم على مكرهم ولا يجوز وصف الله تعالى بالمكر الذي هو الاحتيال لأنه مستحيل على الله.

قال تعالى ﴿ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين﴾ أي أن الله أقوى في إيصال الضرر إليهم من حيث لا يشعرون

قال أبو حيان الأندلسي في تفسيره البحر المحيط: قوله تعالى: {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللهُ} الضمير في مكروا عائد على من عاد عليه الضمير في: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسىَ مِنْهُمُ الكُفْرَ} وهم بنو إسرائيل، ومكرهم هو احتيالهم في قتل عيسى بأن وكلوا به من يقتله غيلة، ومَكْرُ الله مجازتهم على مكرهم، سمى ذلك مكرًا لأن المجازاة لهم ناشئة عن المكر كقوله: {وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} [سورة الشورى]. وقوله: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْه} [سورة البقرة].