إختصَار الشيخ أبي القَاسِم عمَر بن عبد الرَّحمن القَزوينيّ الشَّافِعيّ

ملتزم الطبع دار المشاريع للطباعة والنشر والتوزيع الطبعة الثانية 1418هـ/1997ر

مختصر شعب الإيمان للحافظ البيهقي إختصره أبو القاسم عمر بن عبد الرحمن القزويني الشافعي المتوفى سنة 699هـ

مقدمة الناشر

الحمد لله الذي تنزه عن الكيف والزمان، الذي لا يحويه جهة ولا يحدّه مكان، والصلاة والسلام على النبي العالي القدر الرفيع الشأن، محمد خير البرايا من أنس وجان، وعلى ءاله وصحابته الأحياء الذين نشروا الدين في الفيافي والبلدان. وبعد فإن لعلم الحديث أهمية كبيرة، وفضل كبير، وقد اعتنى العلماء به وأقبلوا عليه بالحفظ والتدوين، والتدريس والإقراء، والشرح والتعليق، ولأهميته يسر دار المشاريع للطباعة والنشر في جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية أن تقدم للباحثين والطلاب هذا الكتاب وهو اختصار كتاب "شعب الإيمان" للحافظ البيهقي، وقد اختصره وهذبه الشيخ عمر بن عبد الرحمن القزويني، فجاء الكتاب مختصرًا مفيدًا، وقد أحلنا الأحاديث المذكورة في الكتاب إلى مصادرها وذلك تتميمًا للفائدة. ونسأل المولى عز وجل أن يوفقنا لنشر العلم الشرعي، وللذبّ عن الشريعة المكرمة.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله ربّ العالمينَ، [والصلاةُ] والسلامُ على سيدِ المُرسلينَ، وخَاتَمِ النَّبيينَ، وقائدِ الغُرّ المُحَجَّلينَ، مُحمدٍ المَبعوثِ إلى الخلقِ أجمعينَ، وعلى ءالهِ الطيبينَ، وصَحبِهِ الطاهرينَ، وأُمَّتِهِ المُتَّقينَ، وأزواجِهِ أمَّهاتِ المُؤمنينَ. [وبعدُ] فقد تكررَ مِن سيدنا ومولانا نادِرِ بلادِهِ، وناصِحِ عِبادِهِ، وعلاّمةِ زمانهِ، وأعجُوبةِ أوانهِ، شمسِ المِلَّةِ والدينِ محمد بنِ القاسمِ بن أبي البدرِ بنِ المُلحِيّ المِزيِّ الفقيهِ المُحدِّثِ الواعظِ، أدامَ اللهُ توفيقَهُ، وجعلَ السَّعادَتَينِ صاحبَهُ ورفيقهُ، عِدَّةُ مكتوباتٍ مِن واسِطَ إلى بغدادَ فِي السؤالِ عن عددِ شُعَبِ الإيمانِ حيثُ وردَ في صحيحِ البُخاريِّ [1] ومسلم [2] مِن حديثِ أبي هريرةَ عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنهُ قالَ:

" الإيمانُ بِضعٌ وسِتونَ أو بِضعٌ وسبعونَ شُعبةً ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الإيمان: باب أمور الإيمان. [2] أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان: باب بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها وفضيلة الحياء وكونه من الإيمان.

أعلاها أو فأرفَعُها أو فأفْضَلُها" على اختِلافِ الرواياتِ "قولُ: لا إلهَ إلا الله، وأدناها إماطةُ الأذى عنِ الطريقِ، والحياءُ [1] شعبةٌ مِنَ الإيمانِ" وأنَّهُ بِصَدَدِ إحاطةِ علمِهِ بتفصيلِها عددًا، وتأخَّرَ الجوابُ لأسبابٍ وعوارِضَ. فحِينَ طالَ الزمانُ، وكثُرَ التكرارُ، أُحضِرَ "كتابُ شعبِ الإيمانِ" للإمامِ الحافظِ الفقيهِ أبي بكرٍ أحمدَ بنِ الحُسينِ البيهقيِّ سِتَّ مُجلداتٍ لنَقلِها بذاتِها فوَجَدتُها مُتفرقةً فِي جميعِها لم يَجمعها أوَّلاً فِي الخُطبةِ ولا فِي المجلدِ الأولِ، ثمَّ اعتنى بتفاصيلِ شُروحها، لكن فرَّقها فِي جميعِ الكتابِ، فدَعتهُ الضرورةُ إلى أن يجمعها مِن مَجموعِها ويَجعَلها مُختصرةً كـرُءوسِ المسائلِ،

ويُقنَعَ باستِدلالِ ءايةٍ مِن كتابِ اللهِ أو بحديثٍ مِن أصَحِّ ما رُوِيَ فِيْهِ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ورُبَّما زادَ فِي بعضِ الشُّعبِ ءايةً أو ءاياتٍ، أو حديثًا أو كلِماتٍ، أو حكايةً أو حكاياتٍ، أو بيتًا أو أبيات لم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] الحياءُ الممدوحُ هو الذي يبعثُ على تجنبِ الرذائلِ وسفاسفِ الأموِر أما الاستحياءُ مِن قولِ الحقِّ هذا ليس محمودًا عندَ الله،

أما الحياءُ الذي ورد في الحديث مدحهُ فهو أن يكفَّ الشخصُ عن الرذالاتِ وسفاسفِ الأمور، وكذلكَ يبعثُ على مكارمِ الأخلاقِ كتركِ التشديدِ في استيفاءِ الدينِ والمطالبةِ بِهِ مِن دونِ إزعاج للمديونِ، فإن طلب فلا يلحُ بالطلبِ، هذا الحياءُ الذي يُعدُ مِن الإيمان.

يَذكُرها، وقد بَوَّبَها سبعةً وسبعينَ بابًا. أنبأنا بِجَميعها وجميعِ الكتابِ المَنقولِ هذا مِنهُ جماعةٌ، مِنهُم الشيخُ العالِمُ مُسنَدُ العراقِ رشيدُ الدينِ أبو عبدِ اللهِ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ المُقريُّ البغداديُّ بها، والقاضي أبو الفضلِ سُليمانُ بنُ حمزةَ بنِ أحمدَ المَقدسيُّ مِن دمشقَ، قالوا جميعًا أنبأَ الشيوخُ الرواةُ أبو محمدٍ الأنجَيُ ابنُ أبي السعاداتِ بنِ محمد بنِ عبدِ الرحمنِ الجَاميُّ، وأبو العباسِ أحمدُ بنُ يعقوبَ بنِ عبدِ اللهِ المارِستانيُّ، وأبو القاسم عليُّ بنُ الحافظِ أبي الفرجِ عبدِ الرحمنِ بنِ عليّ بنِ محمدٍ الجَوزيُّ، قالوا جميعًا أنبأ أبو حفص عمرُ بنُ أحمدَ بنِ عمرَ الزَّنجانيُّ في صفرَ سنةَ اثنتينِ وستينَ وخمسمائة،

قالَ أخبرني الشيخُ أبو الحسنِ عُبيدُ اللهِ بنُ محمدِ ابنِ الإمامِ الحافظِ أبي بكر أحمدَ بنِ الحُسين بنِ عليّ البيهقيُّ قالَ: أخبرَني جَدِّي الإمامُ أبو بكر. [ح] وأخبرناها عاليًا عددًا مُسنَدُ الوَقتِ أبو الحسنِ عليُّ بنُ أحمدَ بنِ عبدِ الواحدِ المقدسيُّ إجازةً عامَّةً إن لم يكُ خاصَّةً، قالَ أخبرَنا حافِظُ بغدادَ أبو الفرجِ عبدُ الرحمنِ بنُ عليّ بن محمد الجَوزيُّ ومُفتي خُراسانَ أبو سعد عبدُ اللهِ

ابنُ أحمدَ بنِ عمرَ الصَّفَّارُ النيسابوريُّ إجازةً خاصّةً، قالا أنبأنا أبو القاسمِ زاهرُ بنُ طاهرِ بنِ محمدٍ الشَّحَّاميُّ وجماعةٌ، قالوا أنبأنا الإمامُ الحافِظُ أبو بكرٍ أحمدُ بنُ الحُسينِ البيهقيُّ رحمةُ اللهِ عليهم أجمعينَ. قال: الأول: الإيمانُ باللهِ عزَّ وجلّ لقولهِ تعالى: {والمُؤمِنونَ كلٌّ ءامَنَ باللهِ} [سورة البقرة/285] ولقولِهِ: {يا أيُّها الذينَ ءامَنوا ءامِنوا باللهِ} [سورة النساء/136]. ثُمَّ ساقَ فِيهِ حديثَ أبي هُريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ المُتَّفَقَ عليهِ فِي الصَّحيحَينِ [1]:

" أُمِرتُ أن أُقاتِلَ الناسَ حتى يقولوا لا إله إلا الله. فمن قالَ لا إله إلا الله فقد عَصَمَ مِنِّي نفسَهُ ومالَهُ إلا بِحَقِّهِ وحِسابِهُ على الله"، وحديثَ عُثمانَ بن عفّان رضيَ الله عنه في صحيح مُسلم [2]: "مَن ماتَ وهُوَ يعلمُ أن لا إله إلا الله دخلَ الجنةَ". الثاني: الإيمانُ برُسُلِ اللهِ عزَّ وجل صلَّى الله عليهم أجمعينَ وسلّمَ لقولهِ تعالى: {والمُؤمِنونَ كلٌّ ءامَنَ باللهِ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] أخرجه البخاري في صحيحه:

كتاب الاعتصام: باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان: باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله. [2] أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان: باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا.

ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ} [سورة البقرة/285]. ولحديثِ عمرَ بنِ الخطاب رضي الله عنهُ في الصحيحينِ [1] في سُؤالِ جَبرائيلَ: "الإيمانُ أن تُؤمِنَ باللهِ وملائِكَتِهِ وكُتُبهِ ورُسلهِ" الحديث. الثالثُ: الإيمانُ بالملائكةِ للآيةِ والحديثِ المَذكورَينِ. الرابعُ: الإيمانُ بالقرءانِ وجميعِ الكُتُب المُنزّلةِ قبلَهُ لقولهِ تعالى: {يا أيُّها الذينَ ءامنوا ءامِنوا باللهِ ورسولِهِ والكتابِ الذي نزَّلَ على رسولهِ والكتابِ الذي أنزَلَ مِن قبلُ} [سورة النساء/136] وللآيةِ والحديثِ المَذكورَينِ أيضًا.

الخامسُ: الإيمانُ بأنَّ القدرَ خَيرَهُ وشرَّهُ منَ الله عزَّ وجلَّ لقولهِ تعالى: {قُلْ كُلٌّ مِنْ عندِ اللهِ} [سورة النساء/78] ولحديثِ أبي هُريرةَ في الصحيحينِ [2]: " احتجَّ ءادمُ ومُوسى ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الإيمان: باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة وبيان النبي صلى الله عليه وسلم له. وأخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان:

باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ووجوب الإيمان بإثبات قدر الله سبحانه وتعالى وبيان الدليل على التبري ممن لا يؤمن بالقدر وإغلاظ القول في حقه. [2] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب أحاديث الأنبياء: باب وفاة موسى. وأخرجه مسلم في صحيحه: كتاب القدر: باب حجاج ءادم وموسى عليهما السلام.

فقالَ موسى: يا ءادَمُ أنتَ أبونا خيَّبتَنا وأخرَجتنا مِنَ الجنةِ، فقالَ لَهُ ءادمُ: يا مُوسى اصطَفاكَ اللهُ بكلامِهِ وخَطَّ لكَ التوراةَ بيدِهِ [1]، أتَلُومُني على أمرٍ قدَّرهُ اللهُ عليَّ قبلَ أن يَخلقني بأربعينَ سنةً [2]، قالَ: فحجَّ ءادمُ موسى". وبالإسنادِ المَذكورِ أنشَدَنا الإمامُ أبو بكرٍ البيهقيُّ قالَ: أنشَدَني أبو الفوارسِ جُنَيدُ بنُ أحمدَ الطَّبريُّ: العَبدُ ذو ضجرٍ والرَّبُّ ذو قَدَرٍ *** والدهرُ ذو دُوَلٍ والرِّزقُ مَقسومُ والخَيرُ أجمَعُ فيما اختارَ خالِقُنا *** وفِي اختيارِ سِواهُ اللَّومُ والشُومُ السادسُ: الإيمانُ باليومِ الآخرِ لقولِ اللهِ تعالى: {قاتِلوا الذينَ لا يُؤمِنونَ باللهِ ولا باليومِ الآخِرِ} [سورة التوبة/29]. قالَ الحَليمِيُّ: ومَعناهُ التَّصديقُ بأنَّ لأيامِ الدُّنيا ءاخِرًا، وأنَّها مُنقَضيةٌ، وهذا العالَمُ مُنقَضٍ يومًا ما، ففي الاعترافِ بانتِفائِهِ اعترافٌ بابتدائِهِ إذِ القديمُ لا يَفنى ولا يَتَغيَّرُ. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] ليس المرادُ باليد هنا الجارحة لاستحالتها على اللهِ تعالى. [2] المعنى كتابةُ ذلكَ وليس المرادُ بِهِ التقدير الأزلي، فإن صفات الله تعالى أزلية بأزلية الذات. والحديث أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب أحاديث الأنبياء: باب وفاة موسى. وأخرجه مسلم في صحيحه: كتاب القدر: باب حجاج ءادم وموسى عليهما السلام.

وفِي الصَّحيحَينِ [1] مِن حديثِ أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: " والذي نَفسُ مُحمدٍ بيدِهِ لَتَقُومَنَّ الساعةُ وقدْ نشرَ الرجُلانِ ثوبَهُما بينَهُما لا يَتَبايَعانِهِ ولا يَطويَانِهِ ولَتقُومَنَّ الساعةُ وهوَ يَليطُ حَوضَهُ لا يَسقيهِ ولَتقومَنَّ الساعةُ وقد انصرفَ الرجلُ بِلَبَنِ لِقحَتِهِ مِن تحتِها وقدْ رفعَ أكلَتَهُ إلى فِيهِ لا يَطعَمُها" الحديثَ. السابعُ: الإيمانُ بالبَعثِ بعدَ الموتِ لقولهِ تعالى: {زَعَمَ الذينَ كَفروا أن لن يُبْعَثوا قُلْ بلى وربي لَتُبْعَثُنَّ} [سورة التغابن/7]، ولقولهِ تعالى:

{قُلِ اللهُ يُحييكُمْ ثمَّ يُميتُكُمْ ثمَّ يَجْمَعُكُمْ إلى يومِ القيامَةِ لا ريْبَ فيهِ} [سورة الجاثية/26]. ولحديثِ عمرَ بنِ الخطابِ رضي الله عنهُ في الصحيحِ في حديثِ الإيمانِ: "الإيمانُ أن تُؤمِنَ باللهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ وبالبعثِ مِن بعدِ الموتِ وبالقدرِ كُلّهِ". الثامنُ: الإيمانُ بحَشرِ الناسِ بعدَما يُبعَثونَ مِن قُبورِهم إلى المَوقِفِ لقولهِ تعالى: {ألا يَظُنُّ أولَئكَ أنَّهُم مَبعُوثونَ* ليومٍ عَظيمٍ* يومَ يقومُ الناسُ لرَبِّ العالَمينَ} [سورة المطففين/4-5-6]. ولِحَديثِ عبدِ الله بنِ عمرَ رضي الله عنهُما فِي ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الفتن: باب يلي باب خروج النار. وأخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفتن: باب قرب الساعة.

صحيحِ مُسلمٍ [1]: " يقُومُ الناسُ يومَ القيامةِ لِرَبِّ العالَمينَ حتى يَغيبَ أحَدُهُم فِي رَشحِهِ إلى أنصافِ أذُنَيهِ". رشحهِ: يعني فِي عرقهِ. التاسع: الإيمانُ بأنَّ دارَ المؤمنينَ ومَأواهُمُ الجنةُ، ودارَ الكافِرينَ ومأواهُمُ النارُ لقولهِ تعالى: {بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئةً وأحاطَتْ بهِ خَطيئَتُهُ فأولَئِكَ أصحابُ النارِ هُمْ فيها خالِدونَ* والذينَ ءامنوا وعَمِلوا الصالحاتِ أولئكَ أصحابُ الجنةِ هُمْ فيها خالِدونَ} [سورة البقرة/81-82]. ولحديثِ ابنِ عمرَ رَضِيَ اللهُ عنهما فِي الصحيحينِ [2]:

" إنَّ أحدَكُم إذا ماتَ عُرِضَ عليهِ مِقعدَهُ بالغَداةِ والعَشيِّ، إن كانَ مِن أهلِ الجنةِ فمِن أهلِ الجنةِ، وإن كانَ مِن أهلِ النارِ فمِن أهلِ النارِ، يُقالُ هذا مقعدُكَ حتى يبعَثَكَ اللهُ تعالى إليهِ يومَ القيامةِ". العاشرُ: الإيمانُ بوُجوبِ مَحبةِ اللهِ عزَّ وجلَّ لقولهِ تعالى: {ومِنَ الناسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دونِ اللهِ أندادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ والذينَ ءامنوا أشدُّ حُبًّا للهِ} [سورة البقرة/165]. ولحديثِ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها: باب في صفة يوم القيامة أعاننا الله على أهوالها. [2] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الجنائز: باب الميت يعرض عليه مقعده بالغداة والعشي.

أنَسِ بنِ مالِك فِي الصحيحَينِ [1]: " ثلاثٌ مَن كُنَّ فيهِ وَجَدَ بِهنَّ حلاوَةَ الإيمانِ: أن يكونَ اللهُ ورسولُهُ أحَبَّ إليهِ مما سِواهُما، وأن يُحبَّ المرءَ لا يُحِبُّهُ إلا لله، وأن يكرهَ أن يعُودَ فِي الكُفرِ كما يكرهُ أن تُوقَدَ لَهُ نارٌ فيُقذَفَ فيها". وبهِ أنبَأنا البيهقيُّ قالَ: سمِعتُ أبا عبدِ الرحمنِ السَّلمِيَّ يقولُ: سَمِعتُ أبا نصرٍ الطُّوسيَّ يقولُ: سمِعتُ جعفرًا الخُلديَّ يقولُ: سمِعتُ الجُنَيدَ يقولُ: قالَ رجلٌ لِسريّ السَّقطيِّ: كيفَ أنتَ؟ فأنشأَ يقولُ:

مَن لم يَبِت والحُبُّ حَشوُ فُؤادِهِ *** لَم يَدرِ كيفَ تُفَتَّتُ الأكبادُ

وبهِ أنبأنا أبو عبدِ الرحمنِ السلميُّ قالَ: سمِعتُ أبا نَصر محمدَ بنَ محمدِ بنِ اسماعيلَ قالَ: سمعتُ أبا القاسِمِ الشِّيرازيَّ الواعِظَ قالَ: سمِعتُ أبا دُجانَةَ يقولُ: كانت رابِعَةُ (يعني العراقيَّ) إذا غلبَ عليها حالُ الحُبِّ تقولُ:

تَعصي الإلهَ وأنتَ تُظهِرُ حُبَّهُ *** هذا مُحال في الفِعالِ شنيعُ لو كانَ حُبُّكَ صادقًا لأطَعتهُ *** إنَّ المُحِبَّ لِمَن يُحِبُّ مُطيعُ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الإيمان: باب حلاوة الإيمان، وأخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان: باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان.

الحادي عشر: الإيمانُ بوُجوبِ الخَوفِ مِنَ اللهِ عزَّ وجلّ لِقولهِ تعالى: {فلا تَخافُوهُمْ وخَافُونِ إن كُنتُم مؤمِنينَ} [سورة ءال عمران/175]، {فلا تَخْشَوا الناسَ واخْشَونِ} [سورة المائدة/44]، {وإيَّايَ فارْهَبونِ} [سورة البقرة/40]، {وهُم منْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقونَ} [سورة الأنبياء/28] {ويَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا وكانوا لنا خاشِعينَ} [سورة الأنبياء/90]، {ويَخْشَونَ ربَّهُمْ ويخافونَ سُوءَ الحِسابِ} [سورة الرعد/21]، {ولِمَنْ خافَ مقامَ ربِّهِ جَنَّتانِ} [سورة الرحمن/46]، {ذلكَ لِمَنْ خافَ مقامي وخافَ وعيدِ} [سورة إبراهيم/14].

ولِحَديثِ عَدِيّ بنِ حاتِم رَضِيَ اللهُ عنهُ في الصحيحينِ [1]: " اتَّقوا النارَ ولو بِشِقِّ تمرة" ولحديثِ أنس [2] رَضِيَ اللهُ عنهُ فيهما: "لو تَعلَمونَ ما أعلمُ لضَحِكتُم قليلاً ولَبكيتم كثيرًا". ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الزكاة: باب اتقوا النار ولو بشق تمرة. وأخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الزكاة: باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة وأنها حجاب من النار.

[2] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الرقاق: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا". وأخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفضائل: باب توقيره صلى الله عليه وسلم وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه وما لا يتعلق به تكليف وما لا يقع ونحو ذلك.

وعاتَبَ رجُلٌ بعضَ إخوانِهِ على طُولِ بُكائِهِ فبَكى ثُمَّ قالَ:

بَكيتُ على الذُّنوبِ لِعُظمِ جُرمي *** وحُقَّ لكُلِّ من يَعصي البُكاءُ ولو كانَ البكاءُ يَرُدُّ هَمِّي *** لأسعَدَتِ الدُّموعَ معًا دِماءُ

وكانَ عُمرُ بنُ عبد العزيزِ رضيَ اللهُ عنهُ لا يَجِفُّ فُوهُ مِن هذا البيت:

ولا خيرَ في عيشِ امرئٍ لم يكُن لَهُ *** مِنَ اللهِ فِي دارِ القرارِ نَصيبُ

وسَمِعَ أبو الفتحِ البغداديُّ هاتِفًا يَهتِفُ بالشُّونيزيَّةِ [1]:

وكيفَ تنامُ العينُ وهيَ قريرةٌ *** ولمْ تَدرِ فِي أيِّ المَحَلَّينِ تَنزلُ

فذَهَبَ عنهُ النومُ. الثاني عشر: الإيمانُ بوُجوبِ الرَّجاءِ مِنَ اللهِ عزَّ وجل لقولهِ تعالى: {ويَرْجونَ رَحْمَتهُ ويخافونَ عذابَهُ} [سورة الإسراء/57]، {إنَّ رَحْمَتَ اللهِ قريبٌ منَ المُحْسِنينَ} [2] [سورة الأعراف/56]، {قُلْ يا عِباديَ الذينَ أسْرَفوا على أنفُسِهِم لا تَقْنَطوا مِن رحمةِ اللهِ إنَّ اللهَ يغفرُ الذنوبَ جميعًا إنَّهُ هوَ الغفورُ الرحيمُ} [سورة الزمر/53]، {إنَّ اللهَ لا يغفرُ أن يُشْرَكَ بهِ ويغفرُ ما دونَ ذلكَ لِمَنْ يشاءُ} [سورة النساء/48]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] مقبرة للصالحين ببغداد. [2] المرادُ بالمحسنين هنا: الأتقياء.

ولِحَديثِ أبي هُريرةَ فِي الصحيحينِ [1]: "لو يعلمُ المُؤمنُ ما عِندَ اللهِ مِنَ العُقوبةِ ما طَمِعَ بجنَّتِهِ أحدٌ، ولو يعلمُ الكافرُ ما عِندَ اللهِ مِنَ الرحمةِ ما قَنِطَ مِن جنَّتِهِ أحدٌ" ولحديثِ جابر في صحيحِ مُسلم [2]: "لا يَمُوتَنَّ أحدُكُم إلا وهُوَ يُحْسنُ [3] الظَنَّ بالله"، وحديثِ أبي هريرةَ فِي الصحيحينِ [4] يقول اللهُ عزَّ وجل: "أنا عِندَ ظنِّ عبدي بي وأنا معهُ حينَ يذكُرُني" وذكَرَ الحديثَ. وأنشدَ أبو عثمانَ سعيدُ بنُ إسماعيلَ:

ما بالُ دينِكَ ترضى أنْ تَدَنِّسَهُ *** وإنَّ ثوبَكَ مَغسولٌ مِنَ الدَّنَسِ ترجُو النجاةَ ولمْ تَسلُك مسالِكَها *** إنَّ السفينةَ لا تَجري على اليَبَسِ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الرقاق: باب الرجاء مع الخوف بلفظ: "فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة، ولو يعلم المؤمن بكل الذي عند الله من العذاب لم يأمن من النار"، وأخرجه مسلم في صحيحه: كتاب التوبة: باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه. [2] أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها: باب الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت. [3] ويجوز بشدة "يُحسّنُ". [4] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى: {ويُحَذّرَكُمُ اللهُ نَفسَهُ}. وأخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار: باب الحث على ذكر الله تعالى.

الثالث عشر: الإيمانُ بوجوبِ التوَكّلِ على الله عزَّ وجل لقولهِ تعالى: {وعلى اللهِ فلْيَتَوكَّلِ المُؤمِنونَ} [سورة المائدة وءال عمران/11]، {حسبُنا اللهُ ونِعمَ الوكيلُ} [سورة ءال عمران/173]، {وعلى اللهِ فتَوَكَّلوا إن كُنتُمْ مُؤمِنينَ} [سورة المائدة/23]، {ومَنْ يَتَوكَّلْ على اللهِ فهُوَ حسبُهُ إنَّ اللهَ بالِغُ أمرِهِ} [سورة الطلاق/3]. ولِحَديثِ ابنِ عباسَ رَضِيَ اللهُ عنهما فِي الصحيحينِ [1] فِي سُؤالِ أصحابِهِ لَهُ عن السَّبعينَ ألفًا الذينَ يَدخُلونَ الجنةَ يُرزَقونَ فيها بغيرِ حسابٍ فِي حديثٍ طويلٍ، فقالَ:

قالَ رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: "هُمُ الذينَ لا يَكتَوُونَ ولا يَستَرْقُونَ ولا يَتَطيَّرون [2] وعلى ربِّهم يَتَوكَّلونَ" فقامَ عُكاشةُ بنُ محصنٍ الأَسديُّ فقالَ: أنا مِنهُم يا رسول الله، فقالَ: "أنتَ مِنهُم"، ثُمَّ قامَ رجلٌ ءاخرُ فقالَ: أنا مِنهُم يا رسولَ الله، فقالَ: "سَبَقَكَ بها عُكاشةُ". وجُملةُ التَّوَكُّلِ تَفويضُ الأمرِ إلى اللهِ تعالى والثقةُ بِهِ معَ ما ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] أخرجه البخاري في صحيحه:

كتاب الطب: باب من اكتوى أو كوى غيره وفضل من لم يكتو، وكتاب الرقاق: باب يدخل الجنة سبعون ألفًا بغير حساب. وأخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان: باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب. [2] أي يتجنبون الكيّ للتداوي والرقية الفاسدة، ويتجنبون الطيرة أي التشاؤم بنحو مرور الطير من اليمين إلى اليسار إذا خرج لحاجته.

قُدِّرَ لهُ مِنَ التَّسَبُّبِ، ففي الصحيحينِ [1] أيضًا مِن حديثِ الزُّبيرِ رضي الله عنه: "لأن يأخُذَ أحدُكُم حَبلَهُ ثُمَّ يأتيَ الجبلَ فيأتيَ بحزمةٍ مِن حطبٍ على ظهرِهِ فيَبيعَها فيستغني بها خيرٌ لَهُ من أن يسألَ الناسَ أعطوهُ أو مَنَعوهُ". وفِي صحيحِ [2] البخاريِّ مِن حديثِ المِقدامِ بنِ مَعدِي كَرب رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: "ما أكلَ أحدٌ طعامًا قطُّ خيرًا مِن أن يأكُلَ مِن عملِ يديهِ، قال: وكانَ داودُ لا يأكلُ إلا مِن عملِ يدَيهِ". وبِهِ أنبأنا البيهقيُّ قالَ:

أنبأنا أبو عبدُ اللهِ الحافظُ قالَ: أخبرَني جعفرُ بنُ محمدِ بنِ نُصير قالَ: حدَّثَني الجُنيدُ قالَ: سَمِعتُ السرَّ يَذمُّ الجُلوسَ فِي المسجدِ الجامِعِ ويقولُ: جَعَلوا المسجدَ الجامِعَ حوانيتَ ليسَ لها أبوابٌ. وبِهِ أنبأنا البيهقيُّ بإسنادِهِ عن أبي بكرٍ الصديقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ: دينُكَ لمعَادِكَ ودرهَمُكَ لمَعاشِكَ ولا خيرَ فِي امرئ بلا دِرهمٍ. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الزكاة: باب الاستعفاف عن المسألة. وأخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الزكاة: باب كراهة المسألة للناس. [2] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب البيوع: باب كسب الرجل وعمله بيده.

وبهِ أنبَأنا البيهقيُّ قالَ: أنبأنا أبو عبدِ اللهِ الحافِظُ قال أخبَرَني جعفرُ بنُ محمدٍ الخَوَّاصُ قالَ: أنبأنا إبراهيمُ بنُ نَصرٍ المَنصوريُّ قالَ: سمِعتُ إبراهيمَ بنَ بشارٍ خادِمَ إبراهيمَ بنِ أدهمَ قالَ سمعتُ أبا عليّ الفُضيلَ بنَ عياضٍ يقولُ لابنِ المُباركِ: أنتَ تأمُرنا بالزُّهدِ والتَّقَلُّلِ والبُلغَةِ ونراكَ تأتي بالبضائِعِ مِن بلادِ خُراسانَ إلى البلدِ الحرامِ، كيفَ ذا وأنتَ تأمُرُنا بخلافِ ذا، فقالَ ابنُ المُباركِ: يا أبا عليِّ أنا أفعلُ ذا لأصونَ بها وَجهي وأُكرِمَ بها عرضي، وأستَعينَ بها على طاعةِ ربي، لا أرى للهِ حقًّا إلا سارعتُ إليهِ حتى أقومَ بِهِ، فقالَ لهُ الفُضَيل:

يا ابنَ المباركِ ما أحسنَ ذا إن تَمَّ ذا. الرابعَ عشر: الإيمانُ بوُجوبِ مَحبةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لحديثِ أنس المُتّفقِ على صِحَّتِهِ: "لا يُؤمِنَ أحدُكُم حتى أكونَ أحبَّ إليهِ مِن والدِهِ وولدِهِ والناسِ أجمعينَ". ولحديثِ أنس في الصحيحينِ: "ثلاثٌ مَن كُنَّ فِيْهِ وجدَ بهنَّ حلاوةَ الإيمانِ: أن يكونَ اللهُ ورسولُهُ أحبَّ إليهِ مما سِواهُما"، الحديثَ ولحديثهِ فيهما أيضًا [1] قالَ: "جاءَ رجلٌ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الأدب: باب علامة حب الله عز وجل.

إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقالَ: يا رسولَ الله متى الساعةُ؟ فقالَ: "ما أعدَدتَ لها"، فقالَ: يا رسولَ الله ما أعددتُ لها كثيرَ صيام ولا صدقةٍ إلا أنّي أحِبُّ اللهَ ورسولهُ، قال: " أنتَ مَع مَن أحبَبتَ". الخامس عشر: الإيمانُ بوُجوبِ تعظيمِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وتَبجيلِهِ وتَوقيرِهِ لقولهِ تعالى: {وَتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّروهُ} [سورة الفتح/9] وقولهِ: {فالذينَ ءامنُوا بهِ وعَزَّروهُ ونَصَروهُ} [سورة الأعراف/157]، والتعزيرُ ههُنا التعظيمُ بلا خِلافٍ، وقولهِ:

{لا تَجعَلوا دُعاءَ الرسولِ بينَكُم كدُعاءِ بَعضِكُم بَعضًا} [سورة النور/63]، أي لا تقولوا لهُ يا محمدُ يا أبا القاسِم بل يا رسولَ الله يا نبيَّ الله، ولقولهِ: {لا تُقَدِّمُوا بينَ يدي اللهِ ورَسُولِهِ} [سورة الحجرات/1]، وقولهِ: {لا تَرْفَعوا أصواتَكُم فوقَ صوتِ النَّبيّ} [سورة الحجرات/2]. وبِهِ أنبأنا البيهقيُّ قالَ: وهذهِ منزلةٌ فوقَ منزلةِ المحبةِ إذ ليسَ كُلُّ مُحِبٍّ مُعَظَّمًا، كمحبةِ الأبِ لوَلَدِهِ والسيدِ لعبدِهِ مِن غيرِ تعظيمٍ بخلافِ العكسِ.

السادسَ عشر: شُحُّ المَرءِ بدينِهِ حتى يكونَ القذفُ فِي النارِ أحبَّ إليهِ مِنَ الكُفرِ لحديثِ أنس المُتفقِ عليهِ: " ثلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ وجدَ بهنَّ حلاوةَ الإيمانِ، ثمَّ قالَ: وأن يُلقى فِي النارِ أحبَّ إليهِ مِن أن يرجعَ إلى الكفرِ بعدَ أن أنقَذَهُ اللهُ منهُ". ولحديثِهِ أيضًا في صحيحِ [1] مسلمٍ أنَّ رجُلاً سألَ النبيَّ صلى الله عليه وسلمَ فأعطاهُ غنمًا بينَ جَبلَينِ فأتى قومَهُ فقالَ: أسلِموا فواللهِ إنَّ مُحمدًا ليُعطي عطاءَ رجلٍ لا يخافُ الفاقةَ.

وإن كانَ الرجلُ يَجِيءُ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم ما يُريدُ إلا الدُّنيا فما يُمسي حتى يكونَ دينُهُ أحبَّ إليهِ وأعزُّ مِنَ الدنيا بما فيها. السابعَ عشر: طلبُ العلمِ وهُوَ معرفةُ البارِئ تعالى وما جاءَ مِن عِندِ اللهِ وعلمُ النُّبوةِ وما تَمَيَّزَ بِهِ النبيُّ عن غَيرهِ وعِلمُ أحكامِ اللهِ تعالى وأقضِيَتِهِ ومعرفةُ ما تُطلبُ الأحكامُ مِنهُ كالكتابِ والسُّنةِ وشُروطِ الاجتِهادِ. والقُرءانُ والحديثُ مشحونانِ بفضيلةِ العلمِ والعُلماءِ قالَ اللهُ تعالى:

{إنَّما يَخشى اللهَ مِنْ عبادِهِ العُلماءُ} [سورة فاطر/28]، {شَهِدَ اللهُ أنهُ لا إلهَ إلا هُوَ والملائكةُ وأُولواْ العِلمِ قائِمًا بالقِسطِ} [سورة ءال عمران/18]، {وعَلَّمَكَ ما لمْ تَكُنْ تعلمُ وكانَ فضلُ اللهِ عليكَ عظيمًا} [سورة النساء/113]، {يرفعِ اللهُ الذينَ ءامنُوا مِنكُم والذينَ أُوتُوا العلمَ درجاتٍ واللهُ بِما تعملُونَ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفضائل: باب ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا قط فقال: لا، وكثرة عطائه.