السادس والعشرون: الجِهادُ لقولهِ تعالى: {وجاهِدوا في اللهِ حَقَّ جِهادِهِ} [1] [سورة الحج/78]، {يُجاهِدونَ في سبيلِ اللهِ ولا يخافُونَ لوْمَةَ لائمٍ} [سورة المائدة/54]، {قاتِلُوا الذينَ يَلُونَكُم منَ الكُفارِ ولْيَجِدوا فيكُم غِلظَةً} [سورة التوبة/123]، {يا أيُّها النبيُّ حَرِّضِ المُؤمِنينَ على القتالِ} [2] [سورة الأنفال/65]. ولحديثِ أبي هُريرةَ في الصحيحَينِ [3]: "سُئلَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أيُّ الأعمالِ أفضلُ؟

قالَ: " الإيمانُ باللهِ ورسولِهِ"، فقيلَ: ثُمَّ ماذا؟ قالَ: "الجهادُ في سبيلِ الله"، قيلَ: ثمَّ ماذا؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] أي كما أمركم. [2] هذه الآيةُ دليل على مشروعيةِ الجهاد، والمعنى أنه كان فرضًا على النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فغزا سبعَ عشرةَ مرة بنفسهِ في ظرفِ تسعِ سنين، خرجَ مِن بلدهِ إلى جهةِ الكفارِ ليقاتلهم، وقتلَ شخصًا واحدًا بيدهِ وهذا الذي قتلهُ النبيُّ مِن أشدِ الكفار كفرًا، الكافر الذي يقتلهُ نبي مِن الأنبياء عذابهُ شديد،

وأما ما يقولُ بعضُ الجهال: "الذي يقتلهُ النبيُّ يدخل الجنة" كذب، المسلمُ الذي يقتلهُ النبيِّ حدًّا هذا يدخل الجنة. [3] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الإيمان: باب من قال إن الإيمان هو العمل. وأخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان: باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال.

قالَ: "حجٌّ مبرورٌ" [1]. وحديثِ عبدِ اللهِ بن أبي أوفى رضي الله عنهُ في صحيحِ البخاريِّ [2]: " لا تَتَمَنُّوا لقاءَ العدوِّ وسلُوا اللهَ العافيةَ فإذا لَقيتُموهُم فاصبِروا واعلَموا أنَّ الجنةَ تحتَ ظِلالِ السيوفِ [3]". السابع والعشرون: المُرابطةُ فِي سبيلِ اللهِ عزَّ وجل لقولهِ تعالى: {يا أيُّها الذينَ ءامنُوا اصْبِروا وصابِروا ورابِطوا واتَّقوا اللهَ} [سورة ءال عمران/200]. ولحديثِ سهل بنِ سعد الساعديِّ رضيَ اللهُ عنه في صحيحِ البخاريِّ [4]:

"رِباطُ يوم في سبيلِ الله خيرٌ مِنَ الدنيا وما فيها، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] الحج المبرور هو الذي لم يُعص الله فيه من وقت أن دخل في الإحرام إلى أن يتحلل هذا على قولِ بعضِ العلماء، وبعضهم قال: هوَ الذي يحفظُ فيه الشخصُ لسانهُ مِن أذى الناس، ويطعمُ الطعام، ويُلينُ الكلامَ. [2] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الإيمان: باب كراهية تمني لقاء العدو. [3] "الجنة تحت ظلال السيوف" معناهُ أن الجهاد يقرّب إلى الجنة، أي سببٌ لدخول الجنة. [4] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الجهاد: باب فضل رباط يوم في سبيل الله.

وَمَوضِعُ سَوطِ أحدِكُم مِنَ الجنةِ خيرٌ مِنَ الدنيا وما عليها". والمُرابطةُ تُنَزَّلُ مِن الجهادِ والقتالِ منزلةَ الاعتكافِ فِي المساجدِ مِنَ الصلاةِ، لأنَّ المُرابِطَ يُقيمُ في وجهِ العدوِّ مثلَ قيامِهِ مُستعِدًّا لَهُ. الثامن والعشرون: الثَّباتُ للعدوِّ وتركُ الفِرارِ مِنَ الزَّحفِ لقولهِ تعالى: {إذا لَقيتُمْ فئةً فاثْبُتوا} [سورة الأنفال/45]، {إذا لقيتُمُ الذينَ كفروا زَحْفًا فلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ* ومَن يُوَلِّهِمْ يومَئذٍ دُبُرَهُ إلا مُتَحَرِّفًا لقتالٍ أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فئةٍ باءَ بِغَضَبٍ منَ اللهِ ومأواهُ جهنَّمَ وبِئسَ المصيرُ} [سورة الأنفال/15-16]، {يا أيُّها النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلَى القِتَالِ إِن يَكُن مِنكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِاْئَتَيْنِ} [1] [سورة الأنفال/65].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] معناهُ ليصبروا وليقاوموا، عشرونَ مِن المسلمين ليقاوموا مائتينِ مِن الكفار، كان هذا واجبًا عليهم، فلا يجوزُ أن يفرَ هذا العددُ مِن هذا العدد مِن الكفارِ هذا قبلَ التخفيف، ثم خُففَ عنهم فصار ثباتُ واحد لاثنينِ فرضًا فإن زاد عدد الكفارِ على الضعف يجوزُ أن يفروا.

ولِحَديثِ عبدِ الله بن أبي أوفى رَضِيَ اللهُ عنهما فِي صحيحِ البخاريِّ: " لا تَتَمَنَّوا لقاءَ العدوِّ وسلُوا اللهَ العافيةَ فإذا لقيتُموهُم فاصبِروا واعلموا أنَّ الجنةَ تحتَ ظلالِ السيوفِ". التاسع والعشرون: أداءُ الخُمسِ مِن المَغنَمِ إلى الإمامِ أو عامِلِهِ على الغانِمينَ لقولهِ تعالى: {واعلَموا أنَّما غَنِمْتُم من شىءٍ فأنَّ للهِ خُمسَهُ وللرسولِ ولذي القُربى واليتامى والمَساكينِ وابنِ السبيلِ إن كُنتُمْ ءامنتُم باللهِ وما أنزَلنا} [سورة الأنفال/41] الآية.

وقولهِ: {وما كانَ لنبيٍّ أن يَغُلَّ ومَن يَغْلُلْ يأتِ بما غلَّ يومَ القيامةِ} [1] [سورة ءال عمران/161]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] الذي يسرقُ مِن الغنيمةِ قبل القسمة يأتي يوم القيامة وهو حاملهُ ليفضحَ به إن كانَ ذهبًا أو كان غير ذلك كالثياب، حتى ولو كانَ مشاركًا في القتالِ لا يجوز له أن يأخذَ قبلَ القسمةِ أي قبل أن يقسم السلطانُ أو نائبهُ على حسبِ الشرعِ، أحدهم سرق شملة أي نوعًا مِن الثياب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنهُ في النار".

ولِحَديثِ ابنِ عباس رَضِيَ اللهُ عنهُما فِي الصحيحينِ [1] عن وفدِ عبدِ القيسِ [2]: "ءامُرُكُم بأربعِ وأنهاكُم عن أربع: ءامُرُكم بالإيمانِ باللهِ وحدَهُ، أتَدرونَ ما الإيمانُ باللهِ وحدهُ؟ قالوا: اللهُ ورسولهُ أعلمُ، قال: شهادةُ أن لا إله إلا الله وأنّ محمدًا رسولُ الله، وإقامُ الصلاةِ وإيتاءُ الزكاةِ وصيامُ رمضانَ وحجُّ البيتِ، وأن تُعطُوا مِنَ المغنَمِ الخُمسَ، وأنهاكُم عنِ الحَنتَم [3]، والدُّبَّاءِ [4] والنقِيرِ [5] والمُزَفَتِ [6]، قال:

احفَظُوهُنَّ وأخبِروا بهِنَّ مَن وراءَكُم". الثلاثون: العِتقُ بوَجهِ التقربِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ بِهِ لقولِهِ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى: {واللهُ خلَقَكُمْ وما تَعمَلونَ} [سورة الصافات/96]. وأخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان: باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وشرائع الدين والدعاء إليه والسؤال عنه وتبليغه من لم يبلغه.

[2] وفد عبد القيس جاءوا من بعيد ليتعلموا الدين. [3] الحَنتم: هو الجرةُ الخضراءُ يضعونَ فيها الشراب فيُسرعُ التخمِّرُ إليه، فنهاهم عن هذا حتى لا يشربوا النبيذَ الذي صارَ فيهِ بعد أن صارَ مسكرًا. [4] الدباء: هي القرعُ كانوا يُخرجونَ ما فيهِ أي حشوَهُ ويجففونهُ ويعملونهُ أواني للشرابِ منه ما يسكر فيشربهُ الناسِ بعد إسكارهِ، ومنهُ ما قبلَ ذلكَ. [5] النقير: هو أصلُ النخلةُ يُنقرُ ثم يوضعُ فيه الشرابُ التمرُ أو الزبيبُ مع الماء ثم إذا ترك طويلاً يتخمرُ فيصيرُ خمرًا، فنهاهم عن الانتباذِ في هذا. [6] المُزَفَت: الذي طلي بالزفتِ.

تعالى: {فلا اقْتَحَمَ العَقبةَ* وما أدراكَ ما العقبةُ* فَكُّ رقبةٍ} [سورة البلد/11-12-13]. ولحديثِ أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي الصحيحينِ [1]: "مَن أعتقَ رقبةً أعتقَ اللهُ بِكُلِّ عُضوٍ منها عُضوًا مِن أعضائِهِ مِنَ النارِ حتى فرجَهُ بفرجِهِ"[2]. الحادي والثلاثون: الكفَّاراتُ الواجِباتُ بالجِناياتِ وهِيَ بالكتابِ والسنةِ أربعُ كفَّاراتٍ: كفارةُ القتلِ، وكفارةُ الظِّهارِ، وكفارةُ اليَمينِ، وكفارةُ المسِيسِ في صومِ رمضانَ. وممَّا يُقرِّبُ منها ما يجبُ باسمِ الفديةِ لأنها إمَّا عنْ ذنبٍ سبقَ أو يُرادُ بِهِ التقربُ إلى اللهِ تعالى بشىءٍ يَعني إثرَ أمرٍ قد وقعَ ذنبًا كانَ أو غيرَ ذنبٍ.

الثاني والثلاثون: الإيفاءُ بالعُقُودِ لقولهِ تعالى: {أَوْفُوا بالعُقودِ} [3] [سورة المائدة/1]، قال ابنُ عباسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يعني ما أحلَّ اللهُ وما حرَّمَ وما فرضَ وما حَدَّ في ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب كفارات الأيمان: باب قول الله تعالى: {أوْ تحريرُ رقبةٍ} [سورة المائدة/89]، وأخرجه مسلم في صحيحه: كتاب العتق: باب فضل العتق. [2] الاسترقاق والعتقُ فيهما خير. [3] أي التكاليف الشرعية.

القُرءانِ كُلِّهِ، وقولِهِ: {يُوفُونَ بالنَّذرِ} [سورة الإنسان/7]، {وَلْيُوفوا نُذورَهُم} [سورة الحج/29]، {ومِنهُم من عاهَدَ اللهَ} [سورة التوبة/75]، {وأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إذا عاهَدتُمْ ولا تَنْقُضُوا الأيمانَ بعدَ تَوْكيدِها} [سورة النحل/91]. ولحديثِ عبدِ الله بنِ مَسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ فِي صحيحِ البخاريِّ [1]: "لِكُلِّ غادِرٍ لواءٌ يومَ القيامةِ يُقالُ هذهِ غَدرةُ فُلانٍ[2]". وحديثِ عبدِ الله بن عمرو رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي الصحيحينِ [3]:

"أربعٌ من كُنَّ فِيْهِ كانَ مُنافقًا خالِصًا ومَن ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الجزية والموادعة: باب إثم الغادر للبرّ والفاجر. [2] معناهُ يوضعُ يومَ القيامةِ علامة عِندَ مؤخرهِ يُعرفُ بِهِ أن هذا غدرَ في الدنيا. الغدرُ أنواع كالذي يبايعُ إمامًا خليفة مثلُ بعضُ الناسِ الذين بايعوا عليًّا ثم نقضوا.

أما معاويةُ فلم يبايع عليًّا بالمرة، هوَ لما قُتلَ عثمان جاءهُ هذا الخاطرُ أنه يَحلُّ محلهُ لكن أخفى قالَ نطالبُ بدمِ عثمان، قال له علي: بايع، قال: لا أبايعُ حتى تُسلمنا قتلةَ عثمان، سيدنا علي لا يعرفُهم بأعيانهم. ثم أبناءُ عثمانَ كانوا هم يطلبون ليس معاوية. إنما همهُ هو التوصلُ للدنيا للملكِ {مِنكُم مَن يريدُ الدنيا ومِنكُم من يُريدُ الآخرةَ} [سورة ءال عمران/152] اللهُ تعالى قالَ هذا للصحابة، ما كلُّ صحابي قلبهُ متعلق بالآخرةِ خالصًا. [3] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الإيمان: باب علامة المنافق.=

كانتْ فيهِ خَصلةٌ مِنهُنَّ كانت فيهِ خصلةٌ مِنَ النفاقِ حتى يَدعَها: إذا حَدَّثَ كذَب، وإذا عاهَدَ غَدَرَ، وإذا وعدَ أخلفَ، وإذا خاصَمَ فَجَرَ".[1] وحديثِ عبدِ الله بن عامرٍ الجُهَنيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي صحيحِ مسلم [2]: " إنَّ أحقَّ الشُّروطِ أن يُوفَّى بِهِ ما استَحْلَلتُم بِهِ الفُروجَ" [3]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ = وأخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان: باب بيان خصال المنافق.

[1] هذا المنافقُ هو المنافقُ في العمل لأن النفاقَ نوعان: نفاق في العمل ونفاق في الإيمان، النفاقُ في العمل هو المسلمُ الذي يرائي ويخلفُ في الوعدِ وإذا ائتمنَ يخونُ وإذا خاصم يفتري على الشخصِ الذي يخاصمهُ، هذا يقالُ لهُ منافق في العمل هذا ما خرجَ مِن الإسلام،

أما المنافق في الإيمان فهو الذي يُظهر الإيمان وهو كافر قلبهُ لا يحبُ الإسلامَ لا يصدق الرسول تمامًا، هذا يقال له منافق في الإيمان، هذا الذي قال اللهُ فِيهِ: {إنَّ المُنافقينَ في الدَّرْكِ الأسفلِ منَ النارِ}. [2] أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب النكاح: باب الوفاء بالشروط في النكاح. [3] المهرُ أمانة، الذي يتزوج المرأةَ وليس في نيتهِ أن يدفعَ هذا له عقوبة عند الله، لكن في بعضِ المذاهبِ إذا طُلِّقت أو ماتَ الشخصُ تستحقُ أن تستلم،

أما قبلَ ذلكَ ليس لها أن تطالب بالمؤجلِ أي بالمؤخر، أما عندَ الجمهورِ إذا كان المهر مؤجلاً إلى سنة أو سنتينِ أو عشرة أو أكثرَ أو أقلَ متى ما حلَ الأجلُ صارَ دفعهُ واجبًا، أما إذا كان حالاً فلها أن تطالبَ متى ما شاءت. مثلاً وليُها قالَ: زوجتكَ ابنتي=

الثالث والثلاثون: تعدُّدُ نِعَمِ الله عزَّ وجلّ وما يجبُ من شُكرها لقوله تعالى: {قُلِ الحمدُ للهِ وسلامٌ على عبادِهِ الذينَ اصْطَفى ءَاللهُ خيرٌ أمَّا يُشرِكونَ} [سورة النمل والعنكبوت ولقمان/59]، {وإن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها} [سورة إبراهيم والنحل/34]، {وأمَّا بِنِعمةِ ربِّكَ فحَدِّثْ} [سورة الضحى/11]، {فاذْكُروني أذْكُرْكُمْ واشكُروا لي ولا تَكفُرونِ} [سورة البقرة/152] وغيرِ ذلكَ مما مَنَّ اللهُ تعالى على عِبادِهِ وذكَّرَهُم بها فِي كِتابِهِ.

ولحديثِ أبي ذَرّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي صحيحِ البخاريِّ [1] قالَ: "كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أخذَ مَضْجَعهُ مِنَ الليلِ قال: باسمِكَ أموتُ وأحيا، وإذا استيقطَ قالَ: الحمدُ للهِ الذي أحياني بعدَ ما أماتَني وإليهِ النُّشورُ". وحديثِ صُهيبٍ رضيَ الله عنهُ فِي صحيحِ مسلمٍ [2]: " عَجَبًا لأمرِ المؤمنِ إنَّ أمرَهُ كُلَّهُ خيرٌ، وليسَ ذاكَ لأحدٍ إلا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ = على مهر قدره ألف درهم، فقال:

قبلت زواجها على ذلكَ، فهذه الألف درهم صارت حقًا عليه، المرأةُ تطالبهُ متى شاءت لأنها ما أجّلَت، هي حَالّة ليست مؤجلة (هذا كلام الشيخ). [1] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الدعوات: باب ما يقول إذا أصبح. [2] أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الزهد والرقائق: باب المؤمن أمره كله خير.

للمُؤمنِ إنْ أصابَتْهُ سرَّاءُ شكرَ فكانَ خيرًا لَهُ وإن أصابتهُ ضرَّاءُ صبرَ فكانَ خيرَا لهُ" [1]. وبِهِ قالَ البيهقيُّ قالَ: أنبأنا الحافِظُ أبو عبدِ اللهِ قالَ: أنشَدَني أبو عبدِ اللهِ بنُ أبي ذُهلٍ قالَ: أنشدَ أبو الحسنِ الكِنديُّ القاضي:

إذا كُنتَ في نِعمةٍ فارْعَها *** فإنَّ المعاصي تُزيلُ النِّعَم

قال أخبرَنا أبو عبد الرحمنِ السُّلميُّ قالَ سمِعتُ الحُسَينَ بنَ يوسُفَ القَزويني قالَ سمِعتُ أبا بكرٍ أحمدَ بنَ إسحاقَ قالَ سمعتُ الجُنيدَ قالَ سمعتُ السَّريَّ يقولُ: الشُّكرُ نعمةٌ والشُّكرُ على النِّعَمِ نعمةٌ إلى أن لا يتَناهى الشُّكرُ إلى قرار [2]. وقدْ قالَ الإمامُ الشافعيُّ رحِمَهُ الله في أولِ كِتابِ الرسالةِ: الحمدُ للهِ الذي لا يُؤَدَّى شُكرُ نعمةٍ مِن نِعَمِهِ إلا بنعمةٍ منهُ تُوجِبُ على مُؤدِّي ذلكَ الشكرَ. وبِهِ أنبأنا البيهقيُّ قالَ:

أنبأنا أبو القاسمِ، أنبأنا أحمدُ بنُ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] هذا للمؤمن الكامل. [2] المعنى أنه كلما شكر العبدُ فهذا الشكرُ يحتاجُ إلى شكر ءاخر وهكذا، النعمةُ فضل من الله وهذا الشكرُ فضل مِن الله، الله تعالى قدّرهُ لولا أن الله قدرهُ ما استطاع أن يشكر، وهكذا كلُّ شكر.

سُليمانَ، أنبأنا ابنُ أبي الدنيا إلخ. وبهِ أنبأنا البيهقيُّ قالَ: فأنشَدنا محمودٌ الورّاقُ:

لَئِن كانَ شُكري نعمةَ الله نعمةٌ *** عليَّ لهُ في مِثلِها يَجبُ الشُّكرُ فكيفَ يَصِحُّ الشكرُ إلا بفَضلِهِ *** وإن طالتِ الأيامُ واتَّصلَ العُمرُ إذا مُسَّ بالسَّراءِ عمَّ سُرورها *** وإن مُسَّ بالضَّرَّاءِ أعقبها الأجرُ وما مِنهُماة إلا لهُ فيهِ مِنَّةٌ *** يضيقُ بها الأوهامُ والبَرُّ والبحرُ

وأخبرنا مِن غيرِ روايةِ البيهقيِّ جماعةٌ بَيتينِ فقط:

إذا كانَ شُكري نعمةَ اللهِ نِعمةٌ *** عليَّ لهُ في مِثلها يجبُ الشكرُ فمالي عُذرٌ غيرَ أنّي مُقصّرٌ *** وعُذري إقراري بأنْ ليسَ لي عُذرُ

الرابع والثلاثون: حِفظُ اللسانِ عمَّا لا يُحتاجُ إليهِ ويَدخلُ فِيهِ الكذبُ والغيبةُ والنَّميمةُ والفُحشُ، إذ القرءانُ والسنَّةُ مَشْحونانِ بذلكَ كقولهِ تعالى: {والصَّادِقينَ والصادِقاتِ} [سورة الأحزاب/35]، وقولهِ تعالى: {يا أيُّها الذينَ ءامنوا اتَّقوا اللهَ وكونُوا معَ الصادِقين} [سورة التوبة/119]، وقولهِ تعالى: {ولا تَقْفُ ما ليسَ لكَ بهِ عِلمٌ} [1] [سورة الإسراء/36]، وقولهِ: {فَمَنْ أظلَمُ مِمَّن كَذَبَ على اللهِ وكذَّبَ بالصدقِ إذْ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] فيه دلالة على ترك القول بما لا علم له به.

جاءَهُ أليسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى للكافرينَ} [سورة الزمر/32]، وقولهِ تعالى: {والذي جاءَ بالصدقِ وصَدَّقَ بهِ أولئكَ همُ المُتَّقونَ} [سورة الزمر/33]، وقولهِ: {إنَّ الذينَ يَفْتَرونَ على اللهِ الكذِبَ لا يُفلِحونَ} ]1] ] سورة يونس/69]. ولحديثِ عبدِ الله بنِ مسعودٍ رضيَ الله عنه في الصحيحينِ [2]: "إنَّ الصدقَ يَهدي إلى البِرّ وإنّ البرَّ يهدي إلى الجنةِ وإنَّ الرجُلَ ليَصْدُقُ حتى يُكتَبَ عندَ اللهِ صدِّيقًا، وإنَّ الكذِبَ يهدي إلى الفُجورِ وإنَّ الفجورَ يهدي إلى النارِ وإن الرجلَ ليَكذبُ حتى يُكتَبَ عِندَ اللهِ كذَّابًا".

وحديثِ سهلِ بنِ سعدٍ رضيَ اللهُ عنه في صحيحِ البخاري [3]: "مَن يَضمَنُ لي ما بينَ لَحيَيْهِ وما بينَ فَخِذَيهِ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] لما ذم الله الكذب كان ذلك مدحًا للصدق. [2] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الأدب: باب قول الله تعالى: {يا أيُّها الذينَ ءامنوا اتَّقوا اللهَ وكونوا معَ الصادقينَ} [سورة التوبة/119]. وأخرجه مسلم في صحيحه: كتاب البر والصلة والآداب: باب قبح الكذب وحسن الصدق وفضله. [3] كان في الأصل المطبوع: صحيح مسلم، والصواب ما أوردناه كما في شعب الإيمان [4/235]، والحديث أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الرقاق: باب حفظ اللسان، وقوله في الحديث التالي: "فيه أيضًا" دليل على أن الصواب صحيح البخاري.

أضْمَنُ لهُ الجنةَ [1]". وحديثِ أبي شُرَيح الخُزاعيِّ فِيهِ أيضًا [2]: "مَن كانَ يُؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فليَقُل خيرًا أو لِيَصمُت". الخامس والثلاثون: الأماناتُ وما يجبُ فيها من أدائِها إلى أهلِها لقولهِ تعالى: {إنَّ اللهَ يأمُرُكُم أن تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهلِها} [سورة النساء/58]، وقوله تعالى: {فَلْيُؤَدِّ الذي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ} [سورة البقرة/283]. ولحديثِ أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ: "أدِّ الأمانةَ إلى مَنِ ائتَمَنَك، ولا تَخُن مَن خانَكَ".

ولحديثِهِ في الصحيحينِ [3]: "ثلاثٌ مَن كُنَّ فيهِ فَهُوَ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] اللحيان هما العظمان اللذان يلتقيان أي عظم الخدين والذقن، والمراد به في هذا الحديث اللسان. فمن حفظ لسانه وما بين فخذيه أي فرجه الرسول قال: "أضمن له الجنة" لأن هذين اللسان والفرج يرميان إلى كثير من الفواحشِ والمهالك. فمن حفظهما حفظَ ما سواهما. [2] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الأدب: باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره. [3] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الإيمان: باب علامة المنافق بلفظ: ءاية المنافق ثلاث، فذكره. وأخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان: باب بيان خصال المنافق: بلفظ: ءاية المنافق ثلاث، وبلفظ: من علامات المنافق ثلاث، فذكره. وقد مضى من حديث عبد الله=

مُنافقٌ وإن صامَ وصلَّى وزعمَ أنهُ مُسلمٌ: إذا حدَّثَ كذَبَ، وإذا وعدَ أخلفَ، وإذا اؤتُمِنَ خانَ [1]". السادس والثلاثون: تَحريمُ قَتلِ النفوسِ والجِناياتِ عليها لقولهِ تعالى: {ومَن يقتُلْ مُؤمِنًا مُتعَمِّدًا فجَزاؤُهُ جَهَنَّمَ خالِدًا فيها وغَضِبَ اللهُ عليهِ} [2] [سورة النساء/93] الآية. ولقولهِ تعالى: {ولا تَقتُلوا أنفُسَكُمْ} الآيات [سورة النساء/29]. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ = ابن عمرو بن العاص.

[1] إذا غلب عليه هذا فهو منافق، أما إذا كان يحصل منه بنُدرة فإنه لا يكون كذلك، ثم إن هذا النفاق نفاق في العمل ليس نفاقًا في الإيمان لأن النفاق في الإيمان كفر كالكفر العلني. لأن الكافرَ على وجهين، كافر معلن لا يدعي الإسلام وكافر يتظاهرُ بالإسلام ويبطن كفره كالذي يشكُ في صحة الإسلام لكن لا يظهر ذلك. [2] هذهِ الآيةُ فسرها العلماء بمن يستحل قتل المؤمنِ وهذا كفر، أما الذي لا يستحلُ اللهُ تعالى إن شاء يغفرُ لهُ، وفي قصةِ الإسرائيليِّ الذي قتل مائة نفس ثم تاب أخبرنا الرسولُ صلى الله عليه وسلم عنه بقولهِ: "غفر اللهُ لهُ".

ولِحديثِ عبدِ اللهِ بن مَسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ في الصحيحينِ [1]: " قِتالُ المُسلمِ كُفرٌ وسِبابُهُ فُسوقٌ" [2]. وحديثِهِ في صحيحِ البخاريِّ [3]: "أولُ ما يُقضى بينَ الناسِ يومَ القيامةِ في الدِّماءِ [4]". ولحديثِ ابنِ عُمر رضيَ الله عنهمُا في صحيحِ البخاريِّ [5]: "لا يزالُ المُسلِمُ في فَسحَةٍ مِن دينِهِ ما لم يُصِب دمًا حرامًا". السابعُ والثلاثون: تحريمُ الفُروجِ وما يجِبُ فيها مِنَ التَّعفُّفِ لقولهِ تعالى: {ويَحْفَظُوا فُروجَهُمْ} [سورة النور/30]، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] أخرجه البخاري في صحيحه:

كتاب الإيمان: باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر، بتقديم اللفظة الأولى على الثانية. وأخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان: باب بيان قول النبي صلى الله عليه وسلم: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر"، ذكره كما أشرنا للفظ البخاري. [2] معناه كفر دون كفر ليس كفرًا يُخرجُ مِن الإسلام بل ذنب كبير يشبهُ الكفرَ. [3] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الرقاق: باب القصاص يوم القيامة. [4] أي في القتلِ والجرحِ. [5] في الأصل "في الصحيحين"، والصواب: في صحيح البخاري كما في شعب الإيمان [4/344] وكما في تحفة الأشراف [5/431] والحديث أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الديات: باب قول الله تعالى: {ومَن يقتُلْ مُؤمِنًا مُتَعمِّدًا فجزاؤُهُ جهنَّمُ} [سورة النساء/93].

وقولِهِ تعالى: {ويَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} [سورة النور/31]، {والذينَ هُمْ لِفُروجِهِم حافِظونَ} [سورة المؤمنون/5]، {ولا تَقْرَبوا الزِّنى إنَّهُ كانَ فاحِشَةً وساءَ سبيلاً} [سورة الإسراء/32]. ولحَديثِ أبي هُريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ في الصحيحينِ [1]: " لا يَزني الزاني حينَ يزني وهُوَ مُؤمنٌ، ولا يَسرقُ السارِقُ حينَ يسرِقُ وهوَ مؤمنٌ، ولا يشربُ الخمرَ حينَ يشربُ وهوَ مؤمنٌ، ولا يَنتَهِبُ نُهبةً ذاتَ شَرَفٍ يرفَعُ المُؤمِنونَ إليهِ فيها أبصارَهُم حينَ يَنتَهِبُها وهُوَ مُؤمِنٌ [2]".

الثامن والثلاثون: قبضُ اليدِ عنِ الأموالِ ويدخُلُ فيها تَحريمُ السرقةِ وقطعُ الطريقِ وأكلُ الرِّشا وأكلُ ما لا يَسْتَحِقُّهُ شرعًا لقولهِ تعالى: {ولا تأكُلُوا أموالَكُم بينَكُم بالباطِلِ} [سورة البقرة/188]، وقولهِ تعالى: {فَبِظُلْمٍ منَ الذينَ هادُوا حَرَّمنا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب اللقطة: باب النهبى بغير إذن صاحبه. وأخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان: باب بيان نقصان الإيمان بالمعاصي ونفيه عن المتلبس بالمعصية على إرادة نفي الكمال. [2] معناهُ المؤمن لا يفعلُ هذهِ الأشياء وهو مؤمن لا تليقُ به، معنى الحديث النهيُ عن هذهِ الخصالِ الأربع، وقال بعضهم: المسلمُ لما يعملُ واحدًا مِن هذهِ الأشياءِ نور الإيمان يذهب ويبقى أصلهُ ثم إذا تركَ هذهِ الأشياء يعودُ إليهِ نور الإيمان.

عَليهِمْ طَيّباتٍ أُحِلَّتْ لهُمْ} إلى قوله: {وأكْلِهِمْ أموالَ الناسِ بالباطِلِ} [سورة النساء/161]، وقولهِ: {ويلٌ للمُطَفِّفينَ} [سورة المطففين/1]، وقولهِ: {وأَوْفُوا الكَيْلَ إذا كِلتُمْ وزِنوا بالقِسْطاسِ المُسْتَقيمِ} [سورة الإسراء/35]. ولحديثِ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي بَكرَةَ فِي الصحيحينِ عن أبيهِ رَضِيَ اللهُ عنهما قالَ: خَطَبَنا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بمِنى فقالَ: "إنَّ دِماءَكُم وأموالَكم وأعرَاضَكُم عليكم حرامٌ" الحديث. التاسعُ والثلاثون:

وجُوبُ التَّوَرُّعِ فِي المَطاعِمِ والمَشارِبِ والاجتِنابِ عمَّا لا يَحِلُّ منها لقولهِ تعالى: {حُرِّمَتْ عليكُمُ المَيتَةُ والدَّمُ ولحمُ الخِنزيرِ وما أُهِلَّ لغيرِ اللهِ بهِ والمُنْخَنِقَةُ} [سورة المائدة/3]. وقولِهِ تعالى: {قُل لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إليَّ مُحَرَّمًا على طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أن يكونَ مَيْتَةً أوْ دمًا مَسْفوحًا أوْ لحمَ خِنزيرٍ فإنَّهُ رِجْسٌ أوْ فِسْقًا أُهِلَّ لغيرِ اللهِ بهِ} [سورة الأنعام/145]، وقولهِ تعالى: {إنَّما الخمرُ والمَيْسِرُ والأنصابُ والأزلامُ رِجْسٌ منْ عَمَلِ الشيطانِ فاجْتَنِبوهُ} [1] [سورة المائدة/90] وقولهِ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] الأزلام هي السهامُ التي كانوا يستعملونها ليعرفوا الحظَ أي حظهم=