وتروي السيدّة الجليلة عائشة زوجُ النبيّ صلى الله عليه وسلم قصة مرضه الشديد عليه الصلاة والسلام ثم خروجه إلى الصحابة ليصلي بهم بعد أن خفَّ عنه المرض، فقالت رضي الله عنها: ثقُل النَّبيّ صلى الله عليه وسلم (أي اشتد به الوجع والمرض) فقال:" أصلَّـى النَّاسُ؟" قُلنا : لا وهم ينتظرونكَ يا رسول الله قال:" ضعُوا لي ماء في المِخْضَبِ" (وعاء) ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لِيَنُوء ( أي لينهض) فأُغْمي عليه ثم أفاقَ، فقال:" أصلَّى النّاس؟ " قلنا: لا، وهم ينتظرونك يا رسول الله، قالت (عائشة رضي الله عنها) :

والنَّاس عُكوفٌ في المسجد ينتظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة العشاء والآخرةِ ، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر أن يُصليَ بالناس فأتاه الرسول ( اي جاء من أرسله الرسول إلى أبي بكر) فقال: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمُرُك أن تصلي بالنَّاس ، فقال أبو بكر رضي الله عنه، وكان رجُلاً رقيقًا : يا عُمرُ صلِّ بالنّاس، فقال عُمَرُ رضي الله عنه: أنت أحقُّ بذلك. فصلّى بهم أبو بكر رضي الله عنه تلك الأيام ، ثم أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وجَدَ في نفسه خِفَّة( أي خفّ عنه المرض) فخرج بين رجُلينِ أحدهما العبّاسُ لصلاة الظهر، وأبو بكرٍ رضي الله عنه ليُصلي بالنّاسِ ، فلما رأه أبو بكرٍ رضي الله عنه ذهب ليتأخرَ ( أي ليرجِعَ عن الإمامة في الصلاة بوجود رسول الله صلى الله عليه وسلم) فأومَأ إليه ( أي أشار) النبيّ صلى الله عليه وسلم أن لا يتأخّر وقال لهما:

أجلساني إلى جنبهِ فأجلساه إلى جنبِ أبي بكرٍ رضي الله عنه ، فجعل أبو بكرٍ رضي الله عنه يصلي قائمًا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من شدَّة مرضه يصلي قاعدًا. وبذلك يتبيّن لنا أن أوّل مرضه صلى الله عليه وسلم كان صداع الرأس، والظاهر أنه كان مع حمّى ، فإن الحمّى اشتدّت به صلى الله عليه وسلم في مرضه ، فكان عليه الصلاة والسلام يجلس في مِخضبٍ ( شبه الوعاء الكبير الذي تغسل فيه الثياب) وكان يُصبّ عليه صلى الله عليه وسلم من سبع قِربٍ لم تُحلَّل أوكيتُهُنَّ ( الوكاء رباط القربة التي يُشدُّ به رأسها والقِربة من الأساقي) ، يتبّرد صلى الله عليه وسلم بذلك ، وكان عليه قطيفة ، فكانت حرارة الحمّى تُصيب من وضعَ يده عليه من فوقها ،

فقيل له في ذلك فقال:" إنَّ (أي الأنبياء) كذلك يٌشدَّد علينا البلاء ويُضاعف لنا الأجر " . وقال عليه الصلاة والسلام:" إنّي أوعَكُ كما يوعَكُ رجُلين منكم" ( الوعكُ مغثُ الحمّى وهو إيلامها وما يكون منها في البدن). وكان النبيّ! المصطفى صلى الله عليه وسلم من شدّة وجعه يغمى عليه في مرضه ، ثم يفيق وحصل له صلى الله عليه وسلم ذلك غير مرة.

فضل الصّديقِ أبي بكرٍ على غيره من الصّحابة ومما ورد في أخر وصياه عليه الصلاة والسلام ما أخبرت به السيدة الجليلة عائشة رضي الله عنها أنها قالت:لما استعزّ ( أي اشتد المرض) برسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" مروا أبا بكرٍ فليصلي بالناس" قالت عائشة: قلتُ : يا نبيّ الله إن أبا بكرٍ رجلٌ رقيقٌ ضعيفُ الصوتِ كثيرُ البكاءِ إذا قرأ القرءان قال صلى الله عليه وسلم:" مروه فليصلي بالنّاس". والمقصود من هذه الوصيّة في أخر أيامه عليه الصلاة والسلام التنويه والتنبيه على فضلِ أبي بكرٍ الصّديق رضي الله عنه الذي هو أفضل الصحابة وأفضل أولياء الأمّةِ بإجماعِ علماء الإسلام ثم الإشارة منه صلى الله عليه وسلم على أن أبا بكرٍ رضي الله عنه أولى من يصلحُ بخلافته صلى الله عليه وسلم وإمامة المسلمين من بعده.

فلقد حرص الرسول العظيم عليه الصلاة والسلام على تقديم الصّديق أبي بكرٍ رضي الله عنه إمامًا للصحابة كلهم في الصلاة التي هي أكبر أركانِ الإسلام العمليّة وأفضل الأعمال بعد الإيمان بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. فائدة: صرّح الإمام الشافعي بأنّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلي بالنّاس في مرض موته بالمسجد إلا مرةً واحدة، وهي هذه المرّة التي صلّى فيها قاعدًا، وكان أبو بكر الصّيق رضي الله عنه أولاً إمامًا ثم صار مأمومًا يُسمع النّاس التكبير . عن عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد، قال لما استُعيزَ برسول الله صلى الله عليه وسلم( أي اشتدّ عليه المرض) وأنا عنده في نفرٍ من المسلمين قال:

دعاه بلالٌ إلى الصلاة فقال( أي النبي صلى الله عليه وسلم مروا من يصلي بالنّاس) . قال: فخرجت فإذا عمرُ بالنّاس ، وكان أبا بكرٍ غائبًا ، فقلتُ: قُم يا عمر فصلي بالناس، قال : فقام ( أي عمر رضي الله عنه) فلما كبّر سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوتهُ وكان عمرُ رجلاً مجهرًا ، قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فأين أبو بكر ؟ يأبى الله ذلك والمسلمون، يأبى الله ذلك والمسلمون" قال فبعث إلى أبي بكرٍ فجاء بعد أن صلّى عمر تلك الصلاة فصلّى بالنّاس. قال عبد الله بن زمعة :

قال لي عمرُ ويحكَ ، ماذا صنعتَ بي با ابن زمعةَ والله ما ظننت حين أمرتني إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرك بذلك ولولا ذلك ما صليتُ بالنّاس. قال: ( أي عبد الله بن زمعة) قلت: والله ما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكني حين لم أرى أبا بكرٍ رأيتك أحقّ من حضر بالصلاةِ بالنّاسِ . رواه أحمد. وعن ابي سعيدِ الخدري قال: خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه وهو معصوب الرأس فقام عن المنبر فقال:" إن عبدًا عُرضت عليه الدنيا وزينتها فاختار الآخرة" قال:

فلم يفطن لها أحدٌ من القوم إلا أبو بكرٍ فقال: بأبي وأمي نفديك بأموالنا وأنفسنا وأولادنا. قال: ثم هبط عن المنبر فما رُئيَ عليه حتى الساعة، رواه أحمد في المسند وابن حبان في صحيحه. وفي المسند عن ابي مويْهِبةَ أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ليلةً إلى البقيع فاستغفر لأهل البقيع وقال :" ليهْنِكُم ما أصبحتم فيه مما أصبح فيه النّاس , أقبلت الفتنُ كقطع الليل المظلم ليتبع بعضه بعضا ، ليتبع أخرها أولّها ، الآخرة شرٌ من الأولى " ثم قال:" يا أبا مويْهبةَ إني قد أُعطيتُ خزائن الدنيا والخُلدِ ثم الجنّة، فخُيّرتُ بين ذلك وبين لقاء ربّي فاخترتُ لقاء ربّي والجنّة " ثم انصرف فابتدأهُ وجعهُ الذي قبضهُ الله فيه.

رواه أحمد في المسند. فائدة: ولما عرَّضَ الرسول صلى الله عليه وسلم على المنبر باختياره اللقاء على البقاء ولم يُصرّحَ ، خفِيَ المعنى على كثيرٍ ممن سمع ولم يفهم المقصود غيرُ صاحبهِ أبو بكرٍ الخصيصِ به " ثانيَ اثنينِ إذْ هما في الغار " (40) < سورة التوبة> وكان أعلم الأمةِ بمقاصد الرسول صلى الله عليه وسلم فلما فهم المقصود من هذه الإشارة بكى وقال: بل نفديكَ بأموالنا وأنفسنا وأولادنا فسكّنَ الرسول صلى الله عليه وسلم جزعهُ وأخذ في مدحه والثناء عليه على المنبر ليعلمَ النّاس كلهم فضلهُ فلا يقع عليه اختلافٌ في خلافتهِ ، فقال صلى الله عليه وسلم:" إنّ من أمَنِّ الناس عليَّ في صحبته ومالهِ أبو بكرٍ" .

وفي روايةٍ أخرى أنه قال :" ما لأاحدٍ عندنا يد إلا وقد كافيناهُ ما خلى أبا بكرٍ فإنَّ له عندنا يدًا يكافئهُ الله يوم القيامة بها، وما نفعني مالُ أحدٍ قطُّ ما نفعني مال أبي بكرٍ" أخرجه الترمذي، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" لو كنتُ متخذًا من أهل الأرض خليلاً لاتخذتُ أبا بكرٍ خليلا ولكن أُخُوّة الإسلام" رواه الترمذي. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سُدّوا هذه الأبواب الشارعة في المسجد إلا باب أبي بكرٍ. وفي هذا الإشارة إلى أن أبا بكرٍ هو الإمام بعده فإن الإمام يحتاج إلى سكنى المسجد والإستطراق فيه بخلاف غيره وذلك من مصالح المسلمين المصلّين في المسجد ثم أكّد هذا المعنى بأمره صريحًا أن يُصلّيَ بالناسِ أبو بكرٍ فروجِع في ذلك فغضب ،

وقال: مروا أبا بكرٍ فليصلي بالنّاس" فولاه إمامة الصلاة دون غيرهِ وأبقَى استطراقهُ " مروه" من داره إلى مكان الصلاةِ وسدّ استطراق غيرهِ ، وفي هذا إشارةٌ واضحةٌ إلى أولوية وأحقيّة استخلافهِ على الأمةِ من بعدهِ صلى الله عليه وسلم دون غيرهِ ولهذا قالت الصحابةُ عند بيعة أبي بكرٍ رضيَهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا أفلا نرضاهُ لدُنيانا. وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم قد عزم على أن يكتبَ لأبي بكرٍ كتابًا لئلاّ يختلف عليه ثم أعرض عن ذلك لعلمهِ أنه لا يقع غيره ، وقال عليه الصلاة والسلام:" يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكرٍ " رواه البخاري ومسلم .

شدّة وجعه صلى الله عليه وسلم في مرضه إنَّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم أشدُّ الناس بلاءً ومصائب في الدنيا، والحكمة في ذلك ليضاعف لهم الأجر وليقتدي بهم أتباعهم المؤمنون في الدنيا عند هجوم البلايا والمصائب عليهم، ثم لتعلو درجاتهم ويكثر ثوابهم في الآخرة. وليعلم أنه ليس نزول المصائب في جميع الأحيان علامة هوان عند الله تبارك وتعالى بل قد يكون ذلك علامة خير لأنَّ فيها تكفير سيئات ورفع درجات، يقول النبيّ العظيم صلى الله عليه وسلم:" من يُرد الله به خيرًا يُصب منه" أي يبتليه بالمصائب، ويقول صلى الله عليه وسلم :" ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله تعالى وما عليه خطيئة" رواه الترمذي.

ويقول ايضًا عليه الصلاة والسلام:" إنَّ عِظم الجزاء مع عِظم البلاء وإنَّ الله تعالى إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرّضا ومن سخِط فله السُّخط" رواه الترمذي. ولذلك كان أنبياء الله تعالى والصالحون هم أشدّ الناس بلاءً في الدنيا، لأن كثرة نزول المصائب الشديدة على الأنبياء والصالحين فيها رفع درجات لهم عند الله تبارك وتعالى. يقول النبيّ الأعظم صلى الله عليه وسلم ": أشدُّ الناس بلاءً الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل" ولقد كان النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو اشرف وافضل الأنبياء والمرسلين وإمام المتقين وسيد الأولين والآخرين أشدّ الأنبياء بلاءً، لذلك لما دخل الصحابي الجليل ابو سعيدٍ الخُدريّ رضي اله عنه على النبيّ الأعظم عليه الصلاة والسلام وكان عليه الصلاة والسلام قطيفٌ وهي كساء له خمل فوضع يدهُ عليه فوجد حرارتها فوق هذه القطيفة,

فقال رضي الله عنه :ما اشدّ حُمَّاكَ ، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم :" أنَّـا معاشر الأنبياء يُضاعف لنا البلاء كما يضاعف لنا الأجرُ. ويقول الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يُوعك وعكًا شديدًا( أي يتوجع صلى الله عليه وسلم من شدة الحمى) فمسستهُ بيدي فقلت: يا رسول الله إنك لتُوعَكُ وعكا شديدًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أجل إني أُوعَكُ كما يوعَكُ رجُلانِ منكم"، فقلت : ذلك أنَّ لك أجرين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أجل"، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" ما من مسلم يُصيبه أذى ، مرضٌ فما سواه إلا حطَّ الله له سيئاتهِ كما تحُطُّ الشجرة ورقها" رواه البخاري ومسلم.

ولقد ورد أنه لما ثقُل النبيّ صلى الله عليه وسلم واشتد عليه مرضه الذي تُوفي منه جعل يتغشاه الكرب صلى الله عليه وسلم فلما رأت ابنته فاطمة رضي الله عنها ما ينتاب أباها النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم من الكرب الشديد وشدة المرض قالت رضي الله عنها حزينة مكروبة:" واكربَ ابتاه، فقال لها عليه الصلاة والسلام وكله ثقة وتوكل على الله تبارك وتعالى خالقه ومولاه:" ليس على أبيكِ كربٌ بعد اليوم"رواه البخاري. وعن السيدة الجليلة عائشة رضي الله عنها:" ما رايت الوجع على أحد اشدّ منه على النبي صلى الله عليه وسلم" رواه البخاري.

بركة يدي النبي صلى الله عليه وسلم أخبرت السيدة الجليلة عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى نفَثَ على نفسه بالمعوذات ومسح عنه بيده( والنَّفْثُ نفخٌ لطيف بلا ريق) فلما اشتكى وجعه الذي تُوفي فيه طفِفْتُ لأنفِثُ على نفسه بالمعوذات التي كان ينفِثُ وأمسحُ بيد النبيّ صلى الله عليه وسلم عنه. رواه البخاري ومسلم. وفي رواية مالك" وأمسحُ بيده رجاء بركتها". وفي رواية لمسلم أيضًا :" فلما مرض مرضَهُ الذي مات فيه جعلتُ أنفُثُ عليه وأمسحُ بيد نفسه لأنها كانت أعظم بركة من يدي

فائدة في التبرك بالرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم كله بركة وكل أجزائه يتبرك بها كما يقول الأئمة الأعلام، وافضالُهُ وبركاته ومنافعه صلى الله عليه وسلم على أمته في حياته وبعد مماته كثيرة جدًا لا تُحصى، وقد ثبت أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يتبركون بآثار النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد مماته. وقد قسّم النبيّ المصطفى صلى الله عليه وسلم شعره وأظفاره بين صحابته الكرام ليتبركوا بآثاره صلى الله عليه وسلم بعد موته وليكون بركة باقيةً بينهم في حياتهم وتذكرة لهم على مرّ الأيام والعصور، وقد تبع الصحابة رضوان الله عليهم في طريقتهم المباركة الميمونة في التبرك بآثاره صلى الله عليه وسلم من أسعده الله تبارك وتعالى،

وتوارث ذلك الخلف عن السلف الصالح إلى يومنا هذا، ولا ينكر هذه الحقيقة الثابتة إلا من أعمى الله قلبه وبصيرته فأنكر بركته صلى الله عليه وسلم وبركة أجزائه في حياته أو بعد وفاته. وما أحسن قول أحدهم في مدح شعرة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم: هي شعرة المختار فاحتْ بالشَّذا== فبِطيبها تتعطّر النّسمات فادعُ الإله بسرها متوسلا== فعسى تُجاب بسرها الدعوات

شعرة النبيّ المصطفى صلى الله عليه وسلم يا شعرة من وجه أحمد نسمي==بنسائمٍ من فوحِك المعطارِ وبدتْ كتاجٍ للشموس ودُرها ==فانعم "هديت" بلُجَّةِ الأنوارِ وهي التي جمعت بآنٍ واحد == شمسَ الضحى مع طلَّـةِ الأقمـارِ إن كنت تنشد في الحياة مباهجًـا == فهي البهاء ومجمعُ الأسرارِ أو كنت تُنشِدُ في مقامِك نغمة ==فاطرَبْ بحضرةِ شعرةِ المختارِ فيها الشفاء مـن النوازلِ كلَها == وهي الضياءُ بظلمتي ومناري

اليومُ الأخير من حياته صلى الله عليه وسلم قال الصحابي الجليل أنسُ بن مالك رضي الله عنه الذي كان خادم رسول الله :" إنَّ المسلمين بينما هم في صلاة الفجر من يوم الاثنين (وهو اليوم الذي تُوفي فيه الرسول صلى الله عليه وسلم) وأبو بكر يُصلي لهم لم يفاجأهم إلا رسول صلى الله عليه وسلم قد كشف سِتر حُجرة عائشة فنظر إليهم وهم في صفوف الصلاة ثم تبسم يضحك فنكص أبو بكر على عقبيه (أي رجع) ليصِل الصف وظنّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يخرج إلى الصلاة فقال أنس:

وهم المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم فرحًا برسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده أن أتموا صلاتكم ثم دخل الحجرة وأرخى الستر، فتُوفي في يومه. رواه البخاري وفي رواية يقول أنس بن مالك رضي الله عنه:" لما كان يوم الإثنين الذي قبض الله رسوله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الناس (أي إلى الصحابة) وهم يصلون الصبح فرفع الستر وفتح الباب فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام على باب عائشة فكاد المسلمون يُفتنُون في صلاتهم برسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأوه فرحًا به وتفرّجوا، فاشار إليهم صلى الله عليه وسلم سرورًا لما رأى من هيئتهم في صلاتهم، وما رايت رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن هيئة منه تلك الساعة، قال( اي أنس) : ثم رجع وانصرف الناس وهم يرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد افرقَ (برىء) من وجعه فرجعَ أبو بكرٍ إلى أهله بالسُّنح ( وهو من منازل بني الحارث من الخزرج، ومنازل بني الحارث كانت في الشمال والشمال الشرقي من المسجد النبوي الشريف.

أما عن كيفية حالة وفاته صلى الله عليه وسلم فقد قالت السيدة الجليلة عائشة زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم : إن من نِعم الله عليّ أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم تُوفّيَ في بيتي وفي يومي وبين سحْري ونحْري ( والمراد أنه صلى الله عليه وسلم مات ورأسه بين حَنَكها وصدرها رضي الله عنها) ثم تابعت السيدة الجليلة عائشة كلامها فقالت رضي الله عنها: دخل عليّ عبد الرحمن (أخو عائشة) وبيده السواك وأنا مُسندةٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيته ينظر إليه وعرفتُ أنه يُحب السواك، فقلتءاخذه لك فأشار برأسه أن نعم ، فتناولته فاشتدّ عليه وقلت:

أُليّنُهُ لك، فأشار برأسه أن نعم، فلينتهُ فأمرّه وبين يديه ركوة أو عُلبةٌ فيها ماء، فجعل عليه الصلاة والسلام يدخِل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه ويقول:" لا إله إلا الله إنّ للموت سكرات" ، ويقول صلى الله عليه وسلم:" اللهم أعني على سكرات الموت" ثم نَصبَ يده صلى الله عليه وسلم وجعل يقول " في الرّفيق الأعلى" ( أي جبريل وميكائيل) حتى قبض( اي مات صلى الله عليه وسلم وقُبضت روحه الشريفة) ومالت يدهُ عليه الصلاة والسلام. وأخبرت السيدة الجليلة عائشة رضي الله عنها أنها:

سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصْغت إليه قبل أن يموت وهو مسندُ ظهره يقول: اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرّفيق" رواه البخاري ومسلم. وعن عائشة رضي الله عنها أيضا قالت: كنت اسمع أنه لا يموت نبيّ حتى يُخَيّر بين الدنيا والأخرة، فسمعت النّبي صلى الله عليه وسلم يقول في مرضه الذي مات فيه وأخذته بُحّةٌ يقول:" مع الذّين أنعمَ اللهُ عليهِم مِنَ النّّبيين والصّديقين والشُّهداءِ والصَّلحينَ وحَسُنَ أُولئكَ رفيقَا" سورة النساء. فظننت أنهُ خُيّـر ، رواه البخاري ومسلم. ورفي رواية صحّحها ابن حبان : فقال_ أي النبي صلى الله عليه وسلم_:" أسأل الله الرّفيق الأعلى الأسعد مع جبريل وميكائيل وإسرافيل".

فائدة: الرفيق الأعلى جبريل وميكائيل عليهما السلام وليس الله تعالى، وقد فسره بذلك الرسول نفسه صلى الله عليه وسلم فقال:" الرفيقُ الأعلى جبريل وميكائيل" وبعض الناس يظنون أن الرفيق الأعلى معناه الله وهذا غلط وإن فهموا منه معنى الصحبة فهذا كفر والعياذ بالله،

وأما إن فهموا من كلمة الرفيق الأعلى الله الرحيم فهذا ما فيه كفر، فالله تبارك وتعالى لا يوصف بأوصاف المخلوقات. فائدة: ما يقوله بعض الناس أن جبريل عليه السلام لما جاء للرسول صلى الله عليه وسلم قُبيل وفاته وقال له : هذا ءاخر عهدك بالدنيا وءاخر عهدي بها فهو كلام غير صحيح، بل قد ينزل جبريل عليه السلام على بعض الأولياء ليس للوحي بل للنفحة والتبريك والتنشيط على العبادة. ولما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلمتْ بنباْ موته ابنته الجليلة فاطمة الزهراء أم الحسنين رضي الله عنهم قالت والحزن يعتصر فؤادها:" يا أبتاه أجابَ ربًّا دعاه، يا أبتاه من جنّة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه".وعن مصباح التوحيد علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

لما رُمِسَ (أي دفن) رسول الله صلى الله عليه وسلم جائت فاطمة رضي الله عنها فوقفت على قبره صلى الله عليه وسلم وأخذت قبضةً من تراب القبر ووضعت على عينيها وبكتْ، وأنشأت تقول: ماذا على من شمَّ تربةَ أحمدِ == أن لا يشمّ مدى الزمان غواليا(1) صُبَّت عليَّ مصائبٌ لو أنّها == صُبَّت على الأيام عُدنَ لياليّا رواه ابن عساكر في التحفة. فائدة: افضل نساء العالمين مريم ابنة عمران أمّ النبيّ عيسى المسيح عليه السلام، ثم فاطمة عليها السلام بنت النبيّ المصطفى صلى الله عليه وسلم ثم خديجة بنت خويلد زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم ثم ءاسية بنت مزاحم زوجة فرعون موسى، ثم السيدة الجليلة عائشة بنت أبي بكر الصديق زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهن. قال أبو سعيد البزار بسندٍ جيّد:" وما نفضنَا أيدينا من دفنه حتّى أنكرنا قلوبنا"، يريد أنّهم وجدوها تغيّرت عمّا عهدوه في حياته من الالفة والصّفاء والرّقّة لفقدان ما كان يمُدّهم به من التعليم والتأديب

مدّة مرضه صلى الله عليه وسلم وزمان وفاته وعمره حين مات اختلف العلماء في مدة مرضه عليه الصلاة والسلام وأكثر العلماء قالوا إن مدة مرض وفاته صلى الله عليه وسلم كانت ثلاثة عشر يومًا. وكانت وفاته صلى الله عليه وسلم في ضُحى يوم الإثنين في الثاني عشر من شهر ربيع الاول. وقد أخبرت السيدة الجليلة عائشة رضي الله عنها زوجُ النبي صلى الله عليه وسلم والتي هي من أحبّ نسائه إليه، وهي رضي الله عنها أفقه نساء هذه الأمة بل هي أعلم النساء على الإطلاق:" أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم تُوفيَ وهو ابن ثلاث وستين سنة" رواه البخاري ومسلم، وصحّ مثله عن ترجمان القرءان عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فيما رواه البخاري.

تعزيةُ الخَضِر عليه السلام بوفاةِ النبيّ الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم لقد كانت مصيبة أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم بموت الرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام كبيرة جدا، أثّرت تأثيرًا بليغًا على نفوسهم وقلوبهم، وقد ورد أن أهل بيته صلى الله عليه وسلم سمعوا لما مات الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم وكان مُسجّى بينهم قائلاً يقول:" السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا أهل البيت، إن في الله عِوضًا من كل تالِف وخلفًا من كلّ هالك وعزاء من كل مصيبة فاصبروا واحتسبوا، إن الله مع الصابرين وهو حسبنا ونعم الوكيل".

فكانوا يرون أنه الخضر صلى الله على نبيّنا وعليه وعلى جميع إخوانه النّبيين والمرسلين. وورد في رواية: وجاءت التعزية يسمعون الشخص: السلام عليكم يا أهل البيت ورحمة الله وبركاته " كل نفسٍ ذائقةُ الموت وإنّما تُوفّون أُجورَكُم يوم القيَمة" سورة ءال عمران، إنّ في الله عزاء من كل مصيبة وخلفًا من كل هالِك ودركًا من كل فائت، فبالله ثقوا وإياه فارجوا، إنما المُصاب مَن حُرِم الثواب ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

ما تركه النبيُّ صلى الله عليه وسلم يومَ وفاته عن عمرو بن الحارث قال: ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارًا ولا درهمًا ولا عبدًا ولا أمةً إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها وسلاحه وأرضًا جعلها لابن السّبيل صدقة. رواه البخاري وقالت السيدة الجليلة عائشة رضي الله عنها :" تُوفيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ودِرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير". رواه البخاري وغيره.

وصايا النبيّ صلى الله عليه وسلم في مرض وفاته لا ريب أن اقوال النبيّ العظيم جميعها موضعٌ للعبرة والعِظة والفائدة لكنه عليه الصلاة والسلام اختصّ أمّته ببعض النصح والوصايا وهو في مرض وفاته صلى الله عليه وسلم وهو مقبلٌ على الآخرة مُدبرٌ عن هذه الدنيا الفانية ، ونذكر بعضا من نصائحه ووصاياه صلى الله عليه وسلم للإعتبار والعظة: _ الوصية بالأنصار: فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم (أي في مرض موته) وعليه مِلحفة ( وهو اللباس فوق سائر اللباس) مُتعطّفًا بها ( أي مُتوشّحًا مرتديًا) على منكبيه وعليه عِصابةٌ ( أي ما يشد به الرأس) دَسمَاءُ ( أي سوداء ليست خالصة السواد) جلس على المنبر وكان ءاخر مجلس جلسه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:" أما بعد،

أيها النّاس فإنّ النّاس يَكثُرون وتَقِلّ الأنصار حتى يكونوا كالملح في الطّعام فمن ولِي منكم أمرًا يضُرُّ فيه أحدًا أو ينفعه فليقبَل من مُحسِنِهم ويتجاوز عن مُسِيئِهِم" رواه البخاري. وهذه الوصية من الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم تدل على عظيم فضل الأنصار وهم أهل المدينة المنورة الذين ناصروا النبيّ صلى الله عليه وسلم ودعوته وءاوَوْا المهاجرين واحتضنوا دعوة النبيّ صلى الله عليه وسلم ونصروها، وهذه الوصية من النبيّ عليه الصلاة والسلام بالأنصار تدل على عظيم أخلاق النبيّ المصطفى صلى الله عليه وسلم ومقابلته المعروف والإحسان بالمثل فجزَى الله تعالى نبيّنا محمدًا عن أمته خيرًا على ما نصح ووصّى وعلّم وأرشد.

ومن نصائح ووصايا الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم ما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : كشف رسول الله صلى الله عليه وسلم السّتارة والنّاس صفوفٌ خلف ابي بكر(أي في مرض وفاته صلى الله عليه وسلم) فقال: أيّها النّاس إنّه لم يبق من مُبشّرات النّبوّة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له، ألا وإنّي نُهيتُ أن أقرأ القرءان راكعًا أو ساجدًا فأما الركوع فعظّموا فيه الرّبَّ عزّ وجلّ وأمّا السّجود فاجتهدوا في الدّعاء فقمِنٌ ( أي حقيقٌ وجدير) أن يُستجاب لكم" رواه مسلم.

الوصية بالصلاة وحقوق مِلك اليمين وعن عليّ بن ابي طالب رضي الله عنه قال: كان ءاخر كلام النبيّ صلى الله عليه وسلم " الصلاة وما ملكت أيمانكم" رواه ابن ماجه. كذلك ورد عن أم المؤمنين أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في مرضه الذي تُوفي فيه:" الصلاة وما ملكت ايمانكم" فما زال يقولها حتى ما يفيضُ بها لسانهُ, رواه ابن ماجه. وعن أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كانت عامّةُ وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حضرته الوفاة وهو يُغرغِر بنفسه:" الصلاة وما ملكت أيمانكم" رواه ابن ماجه.

ومعنى وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه التي حضّ عليها أمته حضًّا بليغًا لعظم أهميتها ، المحافظة على الصلوات بأدائها كما أمر الله تعالى وعدم تضييعها، والمحافظة على حقوق ما ملكت أيمانكم وهم الرقيقُ والعبيدُ الذين لهم في الشريعة الإسلامية أحكام خاصة. فائدة في أهمية الصلوات الخمس: ومما ورد عن النبيّ العظيم صلى الله عليه وسلم في فضل الصلاة قوله عليه الصلاة والسلام:" خمسُ صلوات كتبهن الله على العباد من أتى بهنّ بتمامهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهنّ فليس له عند الله عهد أن يدخله الجنة إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة" رواه الإمام أحمد.

وقد ورد في وعيد تارك الصلاة أنه لا نور ولا نجاة ولا برهان يوم القيامة وأنه يكون مع فرعون وهامان وقارون وأبيّ بن خلف. ومع ذلك فتاركها كسلاً ليس بخارج من الإسلام بل هو مسلم عاصٍ يستحق العذاب يوم القيامة للحديث المذكور ءانفًا . ومما ورد عن النبيّ الأعظم صلى الله عليه وسلم في وصيّة مالك العبيد بعبيده الأرقاء قوله عليه الصلاة والسلام :" إخوانكم خوَلُكم( أي حشمكم) ملّكَكُم الله إياهم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسهُ مما يلبَس ولا يكلفهُ من العمل ما يغلبهُ فإن كلفتموهم فأعينوهم" رواه البخاري.