وفاة النبيّ الأعظم صلى الله عليه وسلم وعظيمُ حُزن الصحابة على فقده صلى الله عليه وسلم كانت ساعة وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي هو خيرُ مولود وقائد عرفه هذا العالم فجيعة ومصيبة كبرى نزلت على الصحابة الكرام عليهم السلام، وذلك لفقد نبيهم وحبيبهم محمد صلى الله عليه وسلم ، فقد اضطربوا اضطرابا عظيمًا, فمنهم من دُهش وذُهل في عقله ومنهم من أُقعد فلم يطق الكلام ومنهم من بسبب قوة دهشه وذهوله أنكر موته لظنه أنه يعيش بعدهم زمنًا طويلاً وليس على معنى أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يموت لكنّ حزن الصحابة وعظيم مصابهم بفقد نبيهم وحبيبهم محمد صلى الله عليه وسلم لم يخرجهم عن الصبر إلى النياحة والندب والجزع، ولم يعصِ الله تبارك وتعالى واحد منهم مع عُظم مصابهم ومصيبتهم بوفاة نبيهم الأعظم عليه الصلاة والسلام التي هي مصيبة الأولين والآخرين ومصيبة المسلمين أجمعين.

موقف الصحابيين الجليلين أبي بكر وعمر عند موت النبيّ صلى الله عليه وسلم عندما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم قائد عرفه التاريخ ذُهل الصحابة ودهشوا أيّ دهشة وذهول، فقد قام عمر الفاروق رضي الله عنه يقول من دهشته وذهوله:" والله ما ماتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال:" إنَّ رجالا يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تُوفيَّ وإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما مات" ثم قال: ليبعثنَّه الله فليقطعنَّ ايديَ رجالٍ وأرجلهم". وأما الصديقُ ابو بكر رضي الله عنه فعندما أُخبرَ بموت حبيبه وصاحبه النبيّ الأعظم صلى الله عليه وسلم أقبل مسرعًا على فرسه من مسكنه فدخل المسجد فلم يُكلم أحدًا من الناس حتى دخل حُجرة ابنته السيدة الجليلة عائشة رضي الله عنها وقصدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدَ الرسولَ الأعظم ونبيّ هذه الأمة وخير رجل وإنسان عرفته الإنسانية والتاريخ صلوات ربي وسلامه عليه مُسجّى في ناحية البيت وهو مُغشَّى ببُردة يَمنِية جميلة،

فكشف رضي الله عنه عن وجهه المشرق الجميل صلى الله عليه وسلم ، ثم وبحرارة الشوق ولهيب المحبة المُفعمتين أكبَّ على حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم يُقبلهُ بين عينيه الشريفتين وصار يبكي ويقول وكله شوق للنبيّ المصطفى صلى الله عليه وسلم: بابي أنت وأمي، والله لا يجْمَعُ الله عليك مَوْتَتَين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد مُتّها. وعن عائشة أن ابا بكر دخل على النبيّ صلى الله عليه وسلم بعد وفاته فوضع فمه بين عينيه ووضع يديه على صدعيه وقال:" وانبيّاه واخليلاه واصفيّاه. رواه أحمد.

ثم أن ابا بكر رضي الله عنه من رباطة جأشه وقوة صبره وثباته ويقينه خرج إلى الصحابة الذين كانوا لموت نبيهم عليه الصلاة والسلام في غاية الاضطراب، وكان الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه بينهم مضطربًا اضطرابًا شديدًا يحلفُ لهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما مات، فلما خرج أبو بكر رضي الله عنه إلى الناس قال لعمر رضي الله عنه : ايها الحالفُ على رٍسلكَ( أي هِينتِك ولا تستعجل) وأمره بالجلوس ، ولكن عمر رضي الله عنه لذهوله ودهشته أبى إلا أن يتلكم ولم يجلس، عندها أقبل ابو بكر رضي الله عنه وجلس واقبل الصحابة إلى أبي بكر رضي الله عنه وهو يكلمهم، فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال قولته المشهورة:" ايها الناس إنه مَن كان يعبد محمدًا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإنَّ الله حيٌّ لا يموت".

ثم تلا قول الله تعالى:" وما محمدٌ إلاّ رسولٌ قد خلت مِن قبلهِ الرُّسُل افأِين ماتَ أو قُتِل انقلبتُم على أعقَبِكُم ومَن ينقلِب على عَقِبيهِ فلن يضُرَّ اللهَ شيئًا وسيجزى اللهُ الشاكرينَ" سورة ءال عمران. وعندما قرأ ابو بكر رضي عنه هذه الأية الكريمة على الصحابة الكرام كلهم فكأنهم لم يعلموا أن الله تعالى أنزل هذه الأية، فتلقَّاها منه الصحابة كلهم وصاروا يتلونها حتى قال عمر الفاروق رضي الله عنه: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعَقِرْتُ( أي دهشت) حتى ما تُقلّني( اي ما تحملني) رجلاي وحتى أهويتُ إلى الأرض حين سمعته تلاها علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مات.

وأما السيدة الجليلة فاطمة الزهراء بنت النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام فقد قالت رضي الله عنها عند وفاة ابيها المصطفى صلى الله عليه وسلم : يا أبتاه أجاب ربًّا دعاه، يا أبتاهُ جنَّة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل أنعاه". ومما قالت السيدة فاطمة رضي الله عنها في رثاء أبيها النبيّ الأعظم عليه الصلاة والسلام بعد وفاته: اغبرَّ ءافاق السماءِ وكورت ***** شمس النهار وأظلم العصران فالارض من بعد النبي كئيبة **** اسفا عليه كثيرة الرجفان فليبكه شرق البلاد وغربها ****** ولتبكهِ مُضٌر وكل يماني وليبكه الطودُ الاشعر جوُّه ******* والبيت والاستار والأركان ياخاتم الرسل المبارك ضوؤه ***** صلى عليك منزلُّ الفرقان ومما قالته صفية بنت عبد المطلب عمةُ النبيّ المصطفى صلى الله عليه وسلم وهي ترثي رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن حزني على النبي طويل** وذاك مني على الرسول قليل بكت الأرض والسماءُ عليه ** وبكاهُ نديمه جبريل

بيعةُ الصحابةِ لأبي بكر الصّديق بعد موت النبيّ صلى الله عليه وسلم بعد موت الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم اهتمَّ الصحابة الكرام لنصب خليفة عليهم يكون إمامًا لهم وأميرًا ويقومُ مقامَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في إدارة شؤون العباد والبلاد ، فاجتمع بعضُ أكابر وأعيان الصحابةِ في سقيفةِ بني ساعدَة فبايعوا أبا بكرٍ رضي الله عنه خليفة عليهم، وكان ذلك يوم الاثنين وهو اليوم الذي تُوفّيَ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولما كان الغدُ اجتمع الصحابة رِضوانُ الله عليهم في مسجد نبيّهم عليه الصلاة والسلام فبايع عامةُ المسلمين أبا بكرالصديق رضي الله عنه خليفة وإمامًا عليهم، فهم كانوا يعلمون أنّ أبا بكر رضي الله عنه هو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار يوم هجرته عليه الصلاة والسلام إلى المدينة المنورة وهم يعلمون يقينًا أن الرسول المصطفى قدّمهُ ليُصلي بالناس إمامًا ،

والصلاة هي أفضلُ الأعمال بعد الإيمانِِ بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم كما أخبر بذلك عليه الصلاة والسلام، ولهذا قال الصحابة الكرام رضي الله عنهم عند بيعة الصّديق أبي بكر رضي الله عنه: رضيهُ الله لديِنِنَا أفلاَ نرضاهُ لدُنيانَا. لذلك رضيَ الصحابة الكرام كلهم ببيعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه وكذلك رضي ببيعته أهل بيتِ النبيّ صلى الله عليه وسلم ومنهم الإمام علي بن ابي طالب رضي الله عنه الذي ثبتَ أنه بايع أبا بكرٍ رضي الله عنه بعد ذلك على المِنبرِ.

خطبةُ أبي بكرٍ رضي الله عنه بعد مُبايعته خليفة بعد مبايعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه إمامًا وأميرًا لإدارة شؤون المسلمين وشؤون البلاد من قبل أكابر الصحابة من أهل الحلّ والعقد ومِن ثم بعد ذلك من قبل عامة المسلمين ، ألقى الخليفة الراشد أبو بكر الصديق رضي الله عنه في المسلمين خطبته المشهورة التي تُكتبُ بأحرف من نور، حيث تكلمَ أبو بكرٍ رضي الله عنه فحمِدَ الله وأثنى عليه بالذي هوَ أهلُهُ ثم قال: " أما بعد ، أيها الناسُ فإنّي قد وُليتُ عليكم ولست بخيرِكم فإن أحسنتُ فأعينُوني وإن اسأتُ فقوّمونِي ، الصّدقُ أمانةٌ والكذِبُ خيانةٌ، والضعيفُ فيكم قويّ عندي حتى أُرِيحَ عليه حقّهُ إن شاء الله ، والقويّ فيكم ضعيفٌ عندي حتى ءاخذ الحقّ منه إن شاء الله ،

لا يدعُ قومٌ الجهادَ في سبيل اللهِ إلا ضربَهُمُ اللهُ بالذّلّ، ولا تشيعُ الفاحشةُ في قومٍ قطّ إلا عمّهمُ اللهُ بالبلاءِ ، أطيعوني ما أطعتُ اللهَ ورسولَهُ فإذا عصَيتُ اللهَ ورسولَهُ فلا طاعة لي عليكُمْ قومُوا إلى صلاتِكُمْ يرحمكُمُ اللهُ". وهكذا انشغل اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيةَ يوم الاثنين وبعض يوم الثلاثاء عن تجهيز النبيّ المصطفى صلى الله عليه وسلم بِبيعةِ الصّديق أبي بكر رضي الله عنه فلما تمهدت وتوطدت وتمّت شرَعوا بعد ذلك في تجهيزه عليه الصلاة والسلام معتدّينَ في كل ما اشكلَ عليهم بالصديق أبي بكرٍ رضي الله عنه الخليفة الراشد والتقي وأفضل الصحابة بل وافضل المسلمين على ذلك علماء أهل السُّنة والجماعة بل هو أفضل البشر بعد الأنبياء.

فائدة: يقول ابنُ إسحاق : ولما تُوفيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عَظُمَتْ به مصيبة المسلمين فكانت عائشة فيما بلغني تقولُ: لما تُوفيَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدّتِ العربُ ( أي بعض منهم) واشرابّت اليهودية والنصرانية ونجم النفاقُ ( اي طلع وظهرَ) وصار المسلمون كالغنم المطيرةِ في الليلة الشّاتيةِ لفقد نبيهم صلى الله عليه وسلم حتى جمعهم الله على ابي بكرٍ.

غُسلُ النبيّ صلى الله عليه وسلم وتكفينهُ ودفنهُ _ كيف غُسل الرسول صلى الله عليه وسلم لما أراد الصحابة غُسل رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في ذلك فقالوا: والله ما ندري أنُجرّد رسول الله من ثيابه كما نُجرّد موتانا أو نُغسّلُهُ وعليه ثيابه صلى الله عليه وسلم؟ فلما اختلفوا في ذلك ألقى الله تعالى عليهم النّومَ حتى ما منهم رجلٌ إلا ذقنُهُ في صدرهِ ثم كلّمهم مُكلّمٌ من ناحيةِ البيت لا يدرونَ من هو :" أن اغسِلوا النبِيّ صلى الله عليه وسلم وعليه ثيابهُ".

فقاموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فغسّلوه وعليه قميصُهُ يصبُّون الماء فوق القميصِ ويُدَلّكونَهُ والقميصُ دون أيديهم. ( القميص في المصطلح الشرعي هو الثوب الذي يسترُ معظم البدن). من تولّى غسل الرسول صلى الله عليه وسلم : لما اجتمع الصحابة عليهم السلام لغسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس في البيت إلا أهلهُ : عمُّهُ العبّاسُ وعليُّ بن أبي طالبٍ والفضلُ بنُ العبَّاسِ وقُثَمُ بنُ العبَّاسِ وأسامةُ بنُ زيدِ بنِ حارثة وصالحٌ مولاهُ، نادى من وراء الباب أوسُ بنُ خولِيِّ الأنصاريّ وكان من أهل بدر نادى عليّا بن أبي طالبٍ رضي الله عنه فقال:" يا عليُّ ناشدتُكَ الله حظَّنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ،

فقال له عليّ عليه السلام : ادخُل، فدخل هذا الصحابي الجليل وحضرَ غُسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكنه لم يَلِ من غسلهِ صلى الله عليه وسلم شيئًا، وأسند عليّ رضي الله عنه النبيَّ العظيم صلى الله عليه وسلم إلى صدرهِ وعليه قميصُهُ يدلكه به من ورائه لا يُفْضي بيده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان العباس عمُّ النبيّ صلى الله عليه وسلم ومعه ابنان الفضلُ وقُثَم يُقلّبونهُ مع عليّ بن ابي طالبٍ رضي الله عنهم وكان أسامة بنُ زيدٍ وصالحٌ يصبّان الماء على الرسول صلى الله عليه وسلم ، وجعل ابن عمه عليّ رضي الله عنه يُغسّله صلى الله عليه وسلم.

ولم يُرَ من رسول الله صلى الله عليه وسلم شىءٌ مما يُرى من الميّت وكان عليّ رضي الله عنه وكرم وجهه أثناء غسله وتدليكه للرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم يشمُّ الأعطار والروائح الزكية وهي تعبَق من النبيّ عليه الصلاة والسلام فصار رضي الله عنه يقول: بأبي أنت وأُمّي ما أطيبَكَ حيًّا وميّتًا. فائدة: رُوي أنه أثناء غسل النبي صلى الله عليه وسلم كان الماء يستنقعُ في جفون النبيّ صلى الله عليه وسلم فكان عليّ رضي الله عنه يحسوه تبركًا بالنبي عليه الصلاة والسلام.

تكفينُ الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم لما فرغ من غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم كُفّن عليه الصلاة والسلام في ثلاثة أثوابٍ بيضٍ ليس فيها قميصٌ ولا عمامة، ( القميص هو الثوب الذي يستر معظم البدن). فعن السيدة الجليلة عائشة رضي الله عنها زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم قالت: كُفّن النبيّ صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب سُحُولِ ( أي بيض) كُرْسُفٍ ( أي قطن) ليس فيها قميصٌ ولا عِمامةٌ.

حفرُ قبرِ الرسول صلى الله عليه وسلم أراد الصحابة الكرام عليهم السلام أن يحفروا قبرًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان الصحابي الجليل أبو عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة يضرحُ أي يحفر القبر كحفرِ أهل مكة وكان الصحابي أبو طلحة زيد بن سهل الأنصاري هو الذي يحفر القبر لأهل المدينة، فكان يلحد( واللحد هو الشق في جانب القبر) فدعا العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم رجلين فقال لأحدهما: اهب إلى أبي عبيدة بن الجراح، وقال للآخر : اذهب إلى ابي طلحة ، ثم قال رضي الله عنه: اللهم خِرْ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد صاحب أبي طلحة أبا طلحة فجاء به فلحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

دفنُ الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم والصلاة عليه لما فرغ من جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الثلاثاء وكان الرسول عليه الصلاة والسلام قد تُوفيَ يوم الاثنين وُضِع صلى الله عليه وسلم على سريره الشريف المبارك في حُجرة السيدة الجليلة عائشة رضي الله عنها وكان الصحابة عليهم السلام قد اختلفوا في دفنه صلى الله عليه وسلم ، فقال قائلٌ منهم: ندفنه في مسجده وقال قائل ءاخر: بل ندفنه مع اصحابه، فقال أبو بكر رضي الله عنه: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" ما قُبض نبيّ إلا دُفن حيث يُقبض" اي في المكان الذي أماته الله فيه فرُفع فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي تُوفي عليه فحُفر له تحته عليه الصلاة والسلام ثم هُيء لدفنه صلى الله عليه وسلم ثم وُضع النبيُّ المصطفى صلى الله عليه وسلم على شفير القبر ثم دخل الصحابة الكرام عليهم السلام يصلون على نبيهم وحبيبهم صلى الله عليه وسلم أرسالا اي جماعات متتابعين فوجًا بعد فوج لا يؤُمّهم أحدٌ, دخل أولا الرجال حتى إذا فرغوا أُدخل النساء حتى إذا فرغ النساء أُدخِل الصبيان.

متى دُفن الرسول صلى الله عليه وسلم ومن تولى دفنه صلى الله عليه وسلم دُفن رسول الله صلى الله عليه وسلم من وسط الليل ليلة الأربعاء ودُفن في اللحد( واللحد هو الشق في جانب القبر) وبُني عليه صلى الله عليه وسلم في لحده اللُبن ( وهو ما يعمل من الطين ويُبنى به) ثم أهالوا عليه صلى الله عليه وسلم التراب، وجُعل قبره الشريف عليه الصلاة والسلام مُسطّحًا ورُشّ عليه الماء رشًا. وأما الذين نزلوا في قبر النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة وتولوا دفنه فهم: عمه العباس بن عبد المطلب وعليّ بن ابن طالب والفضل بن العباس وقُثم بن العباس وشُقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقال الصحابي الجليل أوس بن خولِيّ الأنصاري البدري رضي الله عنه لعليّ بن ابي طالب كرم الله وجهه أثناء دفن النبي عليه الصلاة والسلام:" يا عليّ ، أنشدك الله حظنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له علي رضي الله عنه : انزِل، فنزل مع القوم الذين تولّوا دفن النبيّ صلى الله عليه وسلم تطيبًا لخاطر الأنصار ولعظيم فضلهم ومآثرهم في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته. ولما دفن الصحابة الكرام الرسول الأعظم قالت السيدة الجليلة فاطمة بنت النبيّ عليه الصلاة والسلام لأنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلبها يعتصر حُزنًا على فراق أبيها المصطفى صلى الله عليه وسلم:" يا أنس أطابت أنفسكم أن تحْثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب" أي ترموا التراب بايديكم عليه صلى الله عليه وسلم.

ثم جاءت عليها السلام فوقفت على قبر أبيها النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام ثم قبضت من تراب القبر الشريف المبارك الطيّب ووضعت منه على عينيها تبركًا به وتيمنًا، ثم بكت بكاءً مريرًا وأنشأت تقول حزينة وكلها شوق إلى أبيها المصطفى عليه الصلاة والسلام: ماذا على من شمّ تربةَ أحمدٍ ** أن لا يَشمّ مدى الزمان غواليا(1) صبّت عليّ مصائب لو أنها * صُبّت على الأيام عُدن لياليا (1) غواليا جمع غالية، والغالية خليط من عدة عطور

فوائد نافعة فائدة: رُوي أن السيدة الجليلة عائشة زوج النبي عليه الصلاة والسلام كانت قد رأت في المنام أن ثلاثة أقمار سقطت في حُجرها اي بيتها فقصّت على أبيها ابي بكر رضي الله عنهما فقال لها رضي الله عنه: إن صدقت رؤياك يُدفن في بيتك ثلاثةٌ هم خيرُ أهل الأرض . فلما دُفن النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم قال لها: هذا خيرُ أقمارك الثلاثة الذين نزلوا حُجرتك قد حلَّ الدار، ثم دفن بعد ذلك في حجرة عائشة اي بيتها رضي الله عنها صاحباه صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق ثم عمر بن الخطاب رضي الله عنهما اللذان دفنا معه صلى الله وسلم عليه وعلى ءاله وصاحبيه, فهما رضي الله عنهما الضجيعان الشريفان المباركان للمصطفى صلى الله عليه وسلم من الاقمار الثلاثة اللذان جاورا في اللحد النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام أفضل وأشرف الأنبياء،

فهو صلى الله عليه وسلم خيرُ جار في الممات وهو خير جار في الحياة ، فهنيئًا لمن كان في جواره عليه الصلاة والسلام في الحياة وفي الممات وهنيئًا لمن أسعده الله تعالى برفقته وصحبته في جنات النعيم. فائدة: قال بعض العلماء إن التراب الذي ضمّ النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم افضل عند الله تعالى من العرش المجيد. فائدة: روى ابن النجار عن كعب الأحبار أنه قال" ما مِن فجر يطلع إلا نزل سبعون ألفًا من الملائكة حتى يحفّوا بالقبر يضربون بأجنحتهم ويُصلّون على النبي حتى إذا أُمسوا عرجوا وهبط مثلهم فصنعوا مثل ذلك حتى إذا انشقّت الأرض خرج في سبعين ألفًا من الملائكة صلى الله عليه وسلم ، وفي سنن الدارمي نحوه من رواية عائشة رضي الله عنها، وقال فيه: سبعون ألفًا بالليل وسبعون ألفًا بالنهار ، ذكره في باب ما أكرم الله به نبيّه صلى الله عليه وسلم بعد موته. ورواه البيهقي في شعبه.

أثر مفارقة الرسول صلى الله عليه وسلم على قلوب الصحابة لقد كان لموت الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم ومفارقته وفقدانه أثر كبير على قلوب صحابته عليهم السلام وقد ظهر ذلك من خلال اقوالهم وأحوالهم وما أحسوا به من أحوال بعد موته عليه الصلاة والسلام. فعن الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه وكان خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة اضاء منها كل شىء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شىء، ولما نفضنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الايدي وإنّا لفي دفنه حتى أنكرنا قلوبنا.

رواه أحمد والترمذي وابن ماجه. وفي رواية عن أحد الصحابة أنه قال:" وما نفضنا أيدينا من دفنه حتى أنكرنا قلوبنا" يريدون بذلك أنهم وجدوا قلوبهم قد تغيرت عما عهدوه في حياته من الألفة والصفاء والرّقة، وذلك لفقدان ما كان يمدّهم به عليه الصلاة والسلام من التعليم والتأديب والأنوار والفوائد العظيمة. فيا لها من مصيبة جلَل ما اصيب المسلمون بمثلها قطُّ ، ويا لها من مصيبة كبرى أظلمت لها المدينة المنورة التي تنوّرت بأنوار النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم ويا لها من مصيبة جَلل حزنت بعدها قلوب الصحابة وتغيرت لفقدان الأمداد النبوية التي كان الرسول الأعظم يمدُّ بها صحابته عليهم السلام من تعليم وتأديب وحكم ومواعظ وأحكام.

_ الجمادات تتصدّع وتحنّ وتئنّ لفراق الرسول صلى الله عليه وسلم لقد كان مُصاب الصحابة الكرام عليهم السلام بفراق نبيّهم وحبيبهم صلى الله عليه وسلم كبيرًا وعظيمًا لما عهدوه في حياته من الألفة والصفاء والرقة في نفوسهم وقلوبهم، وكان شوقهم لرؤية مُحياه الجميل بعد مفارقته صلى الله عليه وسلم إيّاهم عظيمًا وليس أمرًا سهلا وصفه والتعبير عنه بالبيان أو اللسان ، وكيف لا تحنّ قلوب الصحابة شوقًا إليه وكيف لا تضطرب نفوسهم وتتلوع لمفارقته والجذع الخشبيّ اليبيس قد حنّ وبكى شوقًا وحُبًّا للنبي عليه الصلاة والسلام عندما فارقه بعدما كان عليه الصلاة والسلام يخطب مستندًا إليه فكيف بقلوب المؤمنين من الصحابة الكرام الذين صاحبوا نبيّهم المصطفى صلى الله عليه وسلم في حياتهم وعاشروه سنين طويلة وكانوا معه في حياته وكان صلى الله عليه وسلم يمدّهم بإذن الله تبارك وتعالى بالأنوار والبركات والخيرات والنفحات المباركة.

قصة حنين جذع النخلة لفراق النبي صلى الله عليه وسلم إن معجزة حنين الجذع الخشبي إلى النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم خبرها متواتر يفيد العلم القطعيّ كما قال العلماء، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما :" كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إلى جذع فلما اتخذ المنبر تحوّل إليه فحنّ الجذع فأتاه فمسح يده عليه" رواه البخاري والبيهقي. وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة فقالت امرأةٌ من الأنصار أو رجلٌ :

يا رسول الله ألا نجعل لك منبرًا ؟ قال:" إن شئتم"، فجعلوا له منبرًا، فلما كان يوم الجمعة رُفع إلى المنبر، فصاحت النخلة صياح الصبيّ ثم نزل النبيّ صلى الله عليه وسلم فضمّها إليه تئنُّ أنين الصبي الذي يسكنُ، رواه البخاري. اي أن الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم نزل من منبره فالتزمه أي ضمّه واعتنقه حتى سكت. ومن الروايات الواردة في معجزة حنين الجذع لرسول الله صلى الله عليه وسلم حديث أنس بن مالك رضي الله عنه وفيه:" والذي نفسي بيده لو لم ألتزمه لما زال هكذا إلى يوم القيامة حُزنًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أمر به فدُفن" أخرجه أبو عوانة وابن خزيمة.

وفي حديث الحسن البصري عن أنس إذا حدّث بهذا الحديث يقول: يا معشر المسلمين الخشبة تحن إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم شوقاً إلى لقائه فأنتم أحق أن تشتاقوا إليه . وفي رواية ايضًا لمعجزة الجذع شوقًا للنبيّ صلى الله عليه وسلم من حديث بريدة عند الدارمي أن النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم قال للجذع عندما ضمه واعتنقه بعد صياحه وحنينه :" اختر أن أَغْرسك في المكان الذي كنت فيه فتكون كما كنت_ يعني قبل أن تصير جذعًا_ وإن شئت أغرسك في الجنة فتشرب من أنهارها فيحسُن نبْتك وتثمر فيأكل منك أولياء الله, فقال النبي صلى الله عليه وسلم اختار أن أغرسه في الجنة".

فهذا الجذع الذي حنّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، الله تبارك وتعالى خلق فيه الإدراك والمحبة والشوق لرسول الله صلى الله عليه وسلم سيد العالمين، فحنّ من شدة الشوق . وفي إحدى روايات هذا الحديث:" خَارَ ذلك الجذع كخُوارِ الثّور"، وفي رواية أيضًا أنه تصدّع وانشقّ من شدة شوقه للنبي الأعظم صلى الله عليه وسلم وكان هذا الجذع الخشبيّ في قبلة المسجد. وحديث حنين الجذع للنبيّ صلى الله عليه وسلم ثابت متواترٌ عند علماء الحديث، وهذه المعجزة من أعجب المعجزات التي يؤيد الله تبارك وتعالى بها أنبياءه لتدلّ على صدقهم فيما جاؤوا به من عند الله تعالى، ويصح أن نقول إن معجزة الجذع لنبينا عليه الصلاة والسلام أعجب من معجزة إحياء الموتى التي حصلت للمسيح عيسى ابن مريم عليهما السلام،

لأن إحياء الموتى يتضمن رجوع هؤلاء الأشخاص إلى مثل ما كانوا عليه قبل أن يموتوا ، وأما الجذع الخشبيّ حنّ للنبي المصطفى صلى الله عليه وسلم فهو من الجماد الذي لم يكن من عادته أن يتكلم بإرادة فهو أعجبُ، وبذلك تكون معجزة حنين الجذع الخشبي للنبيّ المصطفى عليه الصلاة والسلام من أعجب وأظهر المعجزات. وقد نقل ابن أبي حاتم في كتاب "مناقب الشافعي" عن أبيه عن عمر ابن سواد عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال: ما أعطى الله نبيًا ما أعطى محمدًا ، قلت: أعطى عيسى إحياء الموتى، قال( أي الشافعي) :

أعطيَ محمدٌ حنين الجذع حتى سُمع صوته ، فهذا أكبر من ذلك. فائدة: قال الإمام البيهقي رضي الله عنه: قصة حنين الجذع من الأمور الظاهرة التي حملها الخلف عن السلف، وفي الحديث دلالة على أن الجمادات قد يخلق الله لها إدراكًا كالحيوان بل كأشرف الحيوان وفيه تأييد لقول من يحمِل قوله تعالى:" وإن من شىءٍ إلاّ يُسبّحُ بحمده(44) على ظاهره. وأنشد لسان الحال: ويح قوم جَفَوا نبياً بأرض --- ألِفته ضِبابها والظباء وسلوهُ وحنّ جـذع إليه --- وقَلَوه وَوَدَّه الغربـــاء أخرجوه منها وأواهُ غار--- وَحَمته حَمامة وَرقَاء صلى عليك الله يا علم الهدى ما هبّت النسائم وما ناحت على الأيكِ الحمائم

محبةُ السلف الصالح للنبيّ الأعظم وشدة شوقهم إليه في حياته ومماته كان السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن اتّبعهم بإحسان قلوبهم عامرة بحبّ الله تعالى وحُبّ رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم، وكان من علامات حبّهم للنبيّ المصطفى صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا كثيري الشوق إلى لقائه صلى الله عليه وسلم، لأن كل حبيب يحب لقاء محبوبه وحبيبه، وكانوا رضي الله عنهم يكثرون من ذكره صلى الله عليه وسلم وتوقيره عند ذكره وإظهار الخشوع والانكسار عند سماع اسمه صلى الله عليه وسلم.

وقد ورد أنّ أصحاب النبيّ المصطفى صلى الله عليه وسلم كانوا بعد وفاته صلى الله عليه وسلم لا يذكرونه إلا خشعوا واقشعرّت جلودهم وبكوْا شوقًا إليه, وكان كثيرٌ من التابعين من يفعل ذلك محبة له وشوقًا إليه، ومنهم من يفعله تهيّبًا له وتوقيرًا، وكيف لا يكون ذلك والرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم قد جمع وحَوى جَمال الصورة والظاهر وكمال الأخلاق والباطن وله صلى الله عليه وسلم فضل عظيم على أمته من حيث إحسانه وإنعامه عليهم من أوصاف وصفه الله تعالى بها من رأفته بالمؤمنين ورحمته لهم وهدايته إياهم وشفقته عليهم واستنقاذهم به من النار وأنه صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين رؤوف رحيم، ورحمة للعالمين ومُبشرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله تعالى بإذنه،

ويتلو عليهم ءاياته ويُزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ويهديهم إلى صراط مستقيم، فايّ إحسان أجلّ قدرًا من إحسانه إلى جميع المؤمنين ، وأي إفضال أعم منفعة وأكثر قدرًا من إحسانه إلى كافة المسلمين؟ إذ كان عليه الصلاة والسلام ذريعتهم إلى الهداية ومنقذهم من العماية وداعيهم إلى الفلاح والكرامة، ووسيلتهم إلى ربهم وشفيعهم يوم القيامة والمتكلم عنهم والشاهد لهم والمُوجبَ لهم البقاء الدائم والنّعيم السَّرْمَد في الآخرة وذلك لإيمانهم وإسلامهم واتباعهم له صلى الله عليه وسلم.

وبذلك يكون النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم مُستوجبًا شرعًا للمحبة الحقيقية ، قال الله تعالى :" لقد جاءكم رسولٌ من أنفسكم عزيزٌ عليهِ ما عنتُم حريصٌ عليكم بالمؤمنينَ رؤوفٌ رحيمٌ(128) سورة الزمر. وقال سبحانه وتعالى: قل إن كنتم تحبونَ اللهَ فاتَّبعوني يُحببكمُ اللهُ ويغفر لكم ذُنوبَكُم والله غفورٌ رحيمٌ (31) قل أطيعوا اللهَ والرّسولَ فإن تولّوا فإنَّ اللهَ لا يحبُّ الكفرين(32) سورة ءال عمران. يقول الإمام الجنيدُ رضي الله عنه: الطريقُ إلى الله مسدودٌ على خلق الله عزّ وجلّ إلا على المقتفين ءاثار رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين لسنته كما قال الله عزّ وجل:" لقد كان لكم في رسولِ اللهِ أُسوةٌ حسنةٌ (21) سورة الأحزاب.