صبرُهُ صلى الله عليه وسلم على الشدائِد والأذى قال الله تبارك وتعالى:" فاصْبِر كما صَبَر أُولوُا العزمِ مِنَ الرسُلِ " سورة الأحقاف. ويقول المصطفى صلى الله عليه وسلم :" اشدّ النّاس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل" النبيّ المصطفى صلى الله عليه وسلم هو أفضل واشرف الأنبياء وهو سيد العالمين، وهو افضل أنبياء أولي العزم الذين بلغوا الغاية في الصبر على المصائب وتحمّل الشدائد والاذى من قومهم لأجل دعوتهم إلى دين الله تعالى. ولقد كان النبيّ المصطفى كما وصفه علماء السيرة كثير المصائب والبلايا دائم الأحزان، ولقد ابتلى الله حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم بكثرة المصائب لرفع درجاته ونيل الثواب الجزيل في الآخرة ،
لقد ابتلاه الله تعالى بالمصائب والبلايا الكثيرة في نفسه وولده وأصحابه وتحمل صلى الله عليه وسلم الشدائد والأذى الكثير من قومه في دعوتهم إلى الله تعالى. ابتلى الله نبيّه المصطفى صلى الله عليه وسلم بموت أولاده في حياته إلا ابنته السيدة الجليلة فاطمة رضي الله عنها التي عاشت بعده صلى الله عليه وسلم ستة اشهر ثم توفّاها الله تعالى، لقد مات أولاده صلى الله عليه وسلم الذكور الثلاثة، وهم القاسم وعبد الله وإبراهيم وهم أطفال صغار لم يبلغوا الحلم في حياته صلى الله عليه وسلم وأعظم بها من مصيبة..
وما أعظم هذا الموقف المؤثّر الذي وقفه النبيّ المصطفى صلى الله عليه وسلم عند وفاة ولده إبراهيم عليه السلام الذي مات ولم يتجاوز السنتين من عمره. لقد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على ولده إبراهيم وهو يجودُ بنفسه فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان بالدموع، فقال له الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله ، فقال له صلى الله عليه وسلم يا ابن عوف إنها رحمة ثم أتبعها صلى الله عليه وسلم بأخرى وقال:" إنّ العين تدمع والقلبَ يحزن ولا نقولُ إلا ما يُرضي ربّنا، وإنّا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون" وعندما ماتت زوجة النبيّ الأعظم صلى الله عليه وسلم السيدة الجليلة خديجة رضي الله عنها حزن عليها النبيّ المصطفى حزنًا شديدًا لأنها كانت نعم العون والمؤازر والسند له صلى الله عليه وسلم في دعوته إلى الله تعالى.
وعن ابي زيد اسامة بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحِبّهِ وابن حِبّه رضي الله عنهما، قال: أرسلتْ بنتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم إنّ ابني قد احتضِر فاشهدنا فأرسل يقرىء السلام ويقول:" إنّ لله ما أخذ وله ما أعطى ، وكل شىء عنده بأجل مسمّى فلتصبر ولتحْتسب" فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينّها، فقام صلى الله عليه وسلم ومعه سعد بن عُبادة ومُعاذ بن جبل وأُبيّ بن كعب وزيد بن ثابت ورجال رضي الله عنهم، فرُفِع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبيُّ فأقعده في حجره ونفسه تقَعْقَعُ(أي تتحرك وتضطرب) ففاضت عيناه صلى الله عليه وسلم فقال سعد:
يا رسول الله ما هذا؟ فقال" هذه رحمة جعلها الله تعالى في قلوب عباده" وفي رواية "في قلوب من شاء من عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء" متفق عليه. ولقد كان أبو طالب عمّ النبيّ صلى الله عليه وسلم يدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلمّا أتتْ لرسول الله صلى الله عليه وسلم تسع وأربعون سنة وثمانية أشهر وأحد عشر يومًا مات عمه ابو طالب في السنة العاشرة من البعثة ثم تُوفّيت بعده زوجته خديجة رضي الله عنها بشهر وخمسة أيام وقيل بثلاثة ايام وقيل غير ذلك فحزن عليها الرسول صلى الله عليه وسلم حزنًا شديدًا لأنها كانت نعم العون والمؤازر له في دعوته إلى دين الله تعالى وكان النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم يسكُن إليها،وكانت قريش تكف بعض آذاها عن رسول الله عليه الصلاة والسلام حتى مات أبو طالب فلما مات بالغوا في آذاه صلى الله عليه وسلم.
ونالت قريش من المصطفى ما لم تناله ولا تطمع فيه، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش فنثر على راسه ترابًا فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته والتراب على راسه فقامت إليه إحدى بناته فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكي ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لها:" لا تبكي يا بنية فإن الله مانع اباك" أي حافظ اباكِ، ويقول بين ذلك:" ما نالت مني قريش شيئًا أكرهه حتى مات ابو طالب" واشتد أذى ابي لهب وجميع قريش على النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم حتى قال أبو جهل: أعاهد الله لأجلسن له غدًا بحجر ما أطيق حمله فإذا سجد في صلاته رضخت به راسه فاسلموني عند ذلك أو امنعوني فليصنع بنو عبد مناف ما بدا لهم فقالوا:
لا نسلمك ابدًا فامض لما تريد، فلما اصبح أخذ حجرًا كما وصف ثم قعد ينتظره وغدا رسول الله كما كان يغدو فلما جلس احتمل أبو جهل الحجر حتى إذا دنا منه رجع منهزمًا مُنتقَعًا لونه مرعوبًا قد يبست يداه على حَجَره حتى قذفَه من يده وقامت إليه رجال قريش فقالوا: ما لك يا ابا الحكم قال: قمت إليه لافعل ما قلت فلما دنوتُ منه عرض لي دونه فحلٌ من الإبل ما رأيت مثل هامته فهمّ بي أن يأكلني فقال المصطفى "ذاك جبريل لو دنا لأخذه".
وعسر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد عمه أبي طالب وزوجه خديجة رضي الله عنها ، هذين الشفوقين المساعدين القائمين معه، ونالت قريش منه من الأذى ما لم تناله من قبل، وحزن لموتهما حزنًا شديدًا وأقلّ الخروج ولزم بيته، ثم خرج صلى الله عليه وسلم الى الطائف ومعه زيد بن حارثة فقط يلتمس النصرة من ثقيف فأقام بالطائف عشرة أيام فما ترك أحدًا من اشرافهم إلا اجتمع به، فلم يجيبوه وسلطوا سفهاءهم وصبيانهم عليه فقعدوا له بالطريق صفين يضربونه بالحجارة في رجليه حتى ادموهما وزيدٌ يقيه بنفسه حتى شج صلى الله عليه وسلم في رأسه فلما خلص عمد إلى حائط فاستظل في ظل عنب وكان فيه عتبة وشيبة ابنا ربيعة فكره مكانهما لما يعلم من عداوتهما له ثم جلس صلى الله عليه وسلم يشكو إلى مولاه وخالقه ما يجد فقال:" اللهم إليك اشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني إلى عدوٍ يتجهمني أم إلى عدوٍ ملكته أمري،
إن لم يكن بك غضبٌ علي فلا أبالي ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك(1) الذي أشرقت به الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك". فأرسل الله إليه جبريل عليه السلام ومعه ملك الجبال فقال: إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين_أي جبلي مكة العظيمين_ فقال:" لا بل أرجو أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله" فلما رأى ابنا ربيعة ما لقي تحركت له رحمهما فبعثا قطفًا من عنب مع غلام لهما نصراني اسمه عدّاس فلما وضعه بين يديه قال:
بسم الله ثم أكل فنظر عدّاس في وجهه ثم قال: إن هذا الكلام لا يقوله أهل هذه البلاد فقال له المصطفى :" ومن أي البلاد أنت" قال : نصراني من أهل نينوى قال:" أمن قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟" قال: وما يدريك ما يونس قال:" ذاك أخي كان نبيًا وأنا نبيّ" فأكب عداس عليه فقبل رأسه ويديه فلما جاءهما قالا له: ما لك تقبل رأسه ويديه قال: ما في الأرض خير منه قد أعلمني بأمر لا يعلمه إلا نبيّ قالا: ويلك لا يصرفنك عن دينك فإن دينك خير من دينه. ثم انصرف من الطائف فصار إلى حراء وبعث إلى الأخنس بن شريق ليجيره فأبى، فبعث إلى سهيل بن عمرو فقال:
إن بني عامرٍ لا يجيرون على بني كعب ، فبعث إلى المطعم بن عدي فأجابه ثم تسلح وأهل بيته وخرجوا حتى أتوا المسجد ثم بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ادخل فلما دخل طاف ثم انصرف إلى منزله. (1) ليس معنى الوجه في هذا الحديث الجزء والحجم المركب على البدن لأن هذا من أوصاف المخلوقات والله تبارك وتعالى منزّه عن ذلك كله. وليس الله تبارك وتعالى نورًا بمعنى الضوء، بل الله تعالى هو الذي خلق النور، قال الله تعالى:" وجَعَل الظُلُمتِ والنّور" سورة الانعام، أي خلق الظلمات والنور، فالله تبارك وتعالى ليس حجمًا لطيفًا كالظلمات والنور، لأن الذي خلق المخلوقات لا يشبه المخلوقات بوجه من الوجوه، والله تبارك وتعالى كوّن الأكوان ودبّر الزمان، لا يتقيّد بالزمان ولا يتخصّصُ بالمكان، ولا يشغله شأن عن شأن ولا يلحقه وهمٌ ، ولا يكتنفه عقلٌ، ولا يتخصصُ بالذهن ، ولا يتمثل في النفس ولا يتصورُ في الوهم ولا يتكيف في العقل ولا تلحقه الأوهام والأفكار" ليس كمثله شىء" سورة الشورى.
كثرة البلايا والأمراض في جسده صلى الله عليه وسلم لقد كان النبيّ المصطفى كثير الأمراض والأسقام في جسمه وبدنه حتى أنه من كثرة أسقامه وكثرة أمراضه وما كان يوصف لمرضه وأوجاعه من أدوية وعلاج استطاعت السيدة الجليلة عائشة رضي الله عنها أن يكون لها باعًا واسعًا في علم الطب والأدوية. وكان عليه الصلاة والسلام يُشدّد عليه البلاء والمصائب ليضاعف له الآجر كغيره من الأنبياء فعن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يُوعِكُ وعكًا شديدًا فمسِستُهُ بيدي فقلت يا رسول الله إنك لتوعَك وعكًا شديدًا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" أجل إني أُوعك كما يوعَكُ رجلان منكم" فقلت:
ذلك أن لك آجرين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أجل" ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما من مسلم يُصيبه أذى مَرَض فما سواه إلا حطّ الله له سيئاته كما تحطّ الشجرة وَرَقها" رواه البخاري ومسلم، والوعك هي الحمّى. ودخل يومًا على النبيّ صلى الله عليه وسلم ابو سعيد الخدري وعليه قطيفة فوضع يده فوجد حرارتها فوق القطيفة فقال: ما اشدّ حمّاك فقال صلى الله عليه وسلم :" إنّا كذلك يُشدّد علينا البلاء ويضاعف لنا الأجر" والقطيفة: كِساء له خَمْل. ومن جملة البلاء الذي ابتلي به النبيّ المصطفى صلى الله عليه وسلم ألم سكرات الموت الذي هو أشد من ضربة ألف سيف كما ورد، وهو اشد ما يلقاه الإنسان في دنياه فقد أخبرت السيدة الجليلة عائشة رضي الله عنها أن النبيّ المصطفى صلى الله عليه وسلم كان وهو على فراش الموت يدخل يديه في ركوة أو علبة ماء كانت بين يديه ثم يمسح بهما وجهه ويقول:
"لا إله إلا الله إنّ للموت لسكرات اللهم أعني على سكرات الموت". وقالت رضي الله عنها:" ما رأيت الوجع على أحد أشد منه على النبيّ صلى الله عليه وسلم رواه البخاري. وعن أنس رضي الله عنه قال: لما ثقُل النبيّ صلى الله عليه وسلم أي اشتد مرضه جعل يتغشاه الكرب فقالت فاطمة رضي الله عنها: واكَرب ابتاه. فقال صلى الله عليه وسلم" ليس على أبيك كربٌ بعد اليوم" فلمّا مات صلى الله عليه وسلم قالت: يا أبتاه أجاب ربًّا دعاه يا أبتاه جنّة الفردوس مأواه يا أبتاه إلى جبريل ننعاه، فلما دفن صلى الله عليه وسلم قالت فاطمة رضي الله عنها: " أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب" رواه البخاري.
بلاء النبيّ صلى الله عليه وسلم في أصحابه اشتد بلاء النبيّ صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين وخاصة السابقين الأولين منهم الذين تحملوا الأذى والشدائد من قومهم بسبب إسلامهم ونصرة دعوة نبيهم كبلال الحبشي مؤذن الرسول صلى الله عليه وسلم وعمار بن ياسر وأمه سميّة وأبيه ياسر،
أما عمار بن ياسر فعذبوه حتى انكسرت بعض اضلاعه وهو ثابت على دين الإسلام لا يتزلزل وعذبوا أمّه سُمية بنت حاطب وطعنها أبو جهل بحربة في قُبُلها فماتت فكانت أول شهيدة في الإسلام ، وعذبوا اباه وهو ياسر بن عامر الذي كان مع أهله من الصابرين، ومرّ عليهم رسول الله وهم يُعذبون فقال" صبرًا ءال ياسر فإن موعدكم الجنة" وممّن عُذب في الله تعالى وابتاعهم أبو بكر الصديق ثم أعتقهم أم بلال الحبشي وابنها بلال بن رباح مؤذن الرسول صلى الله عليه وسلم وهذان عذبهما أحد المشركين واسمه أمية بن خلف وبالغ في تعذيبهما وبلال مع ذلك يقول" أحد أحد".
ولقد قتل المشركون يومًا سبعين من اصحابه يُسمّون "القُرّاء" أرسلهم النبي عليه الصلاة والسلام لنشر دين الإسلام وتعليم أمور دينهم فكَمِن لهم المشركون في ناحية من الطريق وأجهزوا عليهم جميعًا بالقتل، فحزن عليهم النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم حزنًا شديدًا وبقي عليه الصلاة والسلام يقنتُ في صلاته يدعو على من قتلهم. وفي غزوة أُحُد عندما هدأت الحرب بين الطرفين وانحسر المشركون منصرفين وقد زُهُوا بالنصر الذي أحرزوه ، بعد أن خالف المشركون الرماة الذين وضعهم النبيّ المصطفى صلى الله عليه وسلم على الجبل ليحموا ظهور المسلمين أوامر نبيهم القائد العظيم صلى الله عليه وسلم ثم انصرف المسلمون وفزعوا لقتلاهم، وكان فيهم حمزة بن عبد المطلب عمّ النبي صلى الله عليه وسلم واليمان،
وأنس بن النضر، ومصعب بن عمير، وعدد كبير غيرهم ماتوا شهداء رضي الله عنهم. ولقد حزن النبي المصطفى وتأثر تأثرًا كبيرًا لمقتل عمه حمزة رضي الله عنه، وكان قد مُثل به فبُقر بطنه وجُدِع أنفه وأذناه. وممّا يدل على عظيم العذاب والأذى الذي تعرض له الصحابة السابقون الأولون من جانب المشركين ما ورد عن ابي عبد الله خبّاب بن الأرتّ رضي الله عنه قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسّد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تَسْتنْصر لنا ألا تدعو لنا؟ فقال صلى الله عليه وسلم:" قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيُحفرُ له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على راسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصُدُّه ذلك عن دينه،
والله ليتمنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون" رواه البخاري. وفي رواية:" وهو متوسّدٌ بُردة وقد لقينا من المشركين شدّة" لقد تحمّل أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم كثيرًا من الشدائد وألوانًا من العذاب في سبيل دينهم وإيمانهم حتى مات منهم من مات تحت العذاب وعمي من عَمِي ولم يفتنهم ذلك عن دين الله شيئًا، وإن الحديث والبحث ليطول لو ذهبنا نسرد نماذج عن ألوان الأذى والعذاب الذي لاقاه كل منهم.
تحمّل النبي صلى الله عليه وسلم الاذى والشدائد في نفسه في الدعوة إلى الله ءاذى المشركون النبي صلى الله عليه وسلم اذى شديدًا إلى دين الله تعالى وتحمّل منهم عليه الصلاة والسلام في سبيل دعوته الشدائد والاذى الشديد، فلقد ضربوه واستهزؤا به وشتموه وقالوا عنه مجنون وساحر، وكانوا يواجهونه بفنون الهزء والغمز واللمز كلما مشى صلى الله عليه وسلم بينهم أو مرّ بهم في طرقاتهم أو نواديهم. ومن جملة ألوان الأذى الشديد الذي لاقاه النبي صلى الله عليه وسلم من المشركين لأجل دعوتهم إلى الإسلام ما رواه البخاري ومسلم في صحيحهما عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
لمّا نزلت" وأنذِر عشيرتكَ الأقربين" سورة الشعراء. صعد النبيّ صلى الله عليه وسلم على الصفا فجعل ينادي:" يا بني فهر يا بني عُدي"_ لبطون قريش_ حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش فقال_ اي النبيّ صلى الله عليه وسلم_: "أرايتم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مٌصدَقيّ" قالوا: نعم ما جرّبنا عليك إلا صدقًا، قال صلى الله عليه وسلم"فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد" فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟
فنزلت "تبّت يدَآ أبي لهب وتب* ما أغنى عنهُ مالُهُ وما كَسَب" سورة المسد. وقد كان عمّ النبي صلى الله عليه وسلم ابو لهب واسمه عبد العُزّى بن عبد المطلب يسبّ النبيّ صلى الله عليه وسلم وكانت امرأته أم جميل واسمها العوراء بنت حرب أخت أبي سفيان بن حرب والد معاوية تؤذي النبيّ صلى الله عليه وسلم وتمشي بالنميمة فكانت تنمُّ على النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المشركين فقد كانت تنمّ فتُحرّش فتوقد العداوة، لذلك كنّى الله تعالى عنها في القرءان الكريم ب" حمّالة الحطب" سورة المسد.
ومن جملة الأذى الشديد الذي أؤذي به صلى الله عليه وسلم من قريش أنه كان يوما يصلي ورهط من قريش جلوس وسلا جزور(وهو كيس ولد الناقة بعد وضعه) قريب منه، فقال المشركون من يأخذ هذا السلا فيلقه على ظهره صلى الله عليه وسلم ؟ فقال أحدهم وهو عُقبة بن ابي مُعيط :أنا ،فأخذه هذا الشقي فألقاه على ظهره صلى الله عليه وسلم والنبي صلى الله عليه وسلم في صلاته ساجدًا لله عزّ وجل، فلم يزل عليه الصلاة والسلام ساجدًا حتى جاءت فاطمة رضي الله عنها فأخذت هذاالمستقذر عن ظهره صلى الله عليه وسلم ، فصار رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو على قريش ويقول:" اللهم عليك الملأ من قريش، اللهم عليك بعتبة بن ربيعة، اللهم عليك بشيبة بن ربيعة، اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، اللهمّ عليك بعقبة بن ابي مُعيط، اللهم عليك بأبيّ بن خلف"، أو أمية بن خلف فتلوا هؤلاء جميعًا ثم سحبوا إلى القَليب غير أبيّ أو أمية، فإنه كان رجلا ضخمًا فتقطع كما ورد ذلك في الصحيحين.
وعن عروة بن الزبير ايضًا أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حدثته أنها قالت للنبيّ صلى الله عليه وسلم :هل أتى عليك يوم كان اشدّ عليك من يوم أُحُد،قال صلى الله عليه وسلم " لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على بن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب(موضع بقرب مكة) فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم قال فناداني ملك الجبال وسلم علي ثم قال يا محمد إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين (وهما جبلان عظيمان بمكة) فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا .أخرجاه في الصحيحين.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لقد ضربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّةً حتى غشي عليه، فقام ابو بكر رضي الله عنه فجعل ينادي: ويلكم أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله فقالوا: من هذا؟ فقالوا ابو بكر المجنون، فتركوه وأقبلوا على ابي بكر. وعن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما قال: لما مات أبو طالب عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم سفيه من سفهاء قريش فألقى عليه ترابًا فرجع صلى الله عليه وسلم إلى بيته فأتت امرأة من بناته تمسح عن وجهه التراب وتبكي، فجعل يقول صلى الله عليه وسلم :"أي بنيّة لا تبكين فإنّ الله مانع أباك".
ومن شديد الأذى الذي تحمله النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم في بدنه أنه صلى الله عليه وسلم يوم أحُد حين انكشف المسلون وداخلهم الرعب وأخذ المسلمون يقتتلون على غير شعار وأوجع المشركون في المسلمين قتالا ذريعًا حتى خَلُص الأمر إلى رسول الله صلوات ربي سلامه عليه فرمي صلى الله عليه وسلم بالحجارة حتى رُميَ لشقه واصيب رباعيته (السنّ المجاورة للناب) وشُجَّ صلى الله عليه وسلم في وجهه الشريف وجعل الدم يسيل على وجهه الشريف، فكان صلى الله عليه وسلم يمسحه وهو يقول:" كيف يصلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم؟" ثم جاءت السيدة الجليلة فاطمة رضي الله عنها وجعلت تغسل عنه الدم وعليّ رضي الله عنه يسكب الماء بالمجنّ،
فلما رأت أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة حصير فأحرقته حتى صار رَمادًا ثم ألصقته بالجرح فاستمسك. وأنشد لسانُ الحال: ويح قومٍ جفوا نبيّـًا بأرض** ألِفتهُ ضِيائهــا والظِباء وجَفوهُ وحنّ جذعٌ إليه **وقلَــوهُ وودّهُ الغُربــاء أخرجــوهُ منهــا وءاواهُ غـار** وحَمتهُ حمامــةٌ ورْقـاء صلى الله عليك يا علم الهدى ما هبت النسائم وما ناحت على الأيك الحمائم
خاتمة في الاعتبار بموت النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم قال الله تبارك وتعالى في محكم القرءان الكريم:"وما جعلنا لبشرٍ من قبلِك الخُلد افإين مِتّ فهم الخلدون" سورة الأنبياء وقال عزّ من قائل مخاطبا نبيّه المصطفى صلى الله عليه وسلم :" إنّك ميّتٌ وإنّهم ميّتون" سورة الزمر إن وفاة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم هي مصيبة الأولين والآخرين.. فيا لها من مصيبة ما اصيب المسلمون بمثلها قط، يقول الصحابي الجليل أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم "لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله المدينة اضاء منها كل شىء فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شىء، ولمّا نفضنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الأيدي وإنا لفي دفنه حتى أنكرنا قلوبنا" .
يريد رضي الله عنه أنهم وجدوها قد تغيرت عمّا عهدوه في حياته من الألفة والصفاء والرّقة لفقدان ما كان يمدّهم به الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم من التعليم والتأديب والإرشادات والفوائد العظيمة. أخي المؤمن... تفكر واعتبر بموت نبيّك المصطفى صلى الله عليه وسلم فإن الذكرى تنفع المؤمنين فالدنيا متاع الغرور والموت حق قد كتبه الله تبارك وتعالى على عباده، قال الله سبحانه وتعالى:" كلّ نفسٍ ذائقة الموت" سورة ءال عمران. وليُعلم أنه إذا كان أفضل الخلائق وسيد الأنبياء والمرسلين قد مات فلا بد إذا لكل واحد منّا أن يموت، فالموت يجمعنا والقبر يضمنا والكفن يحفنا ويلفنا وإلى الله العزيز الحكيم مرجعنا ومصيرنا، وسيحاسبنا على ما قدمنا في هذه الحياة الدنيا كما أخبرنا في محكم كتابه الكريم الذي أنزله على نبيّه المصطفى صلى الله عليه وسلم ،
واعلم يا أخي أن الموت حقّ وهو مُنتظر منّا في كل ساعة وهو يقطع نعيم هذه الدنيا الفانية، فالدنيا دار ممر وليست دار مقر وأما الآخرة فهي دار القرار, فهذه الدنيا لا تُغني عن الآخرة، والكيّس العاقل الفطن هو من تزوّد من دنياه لآخرته كما أمر الله تبارك وتعالى بقوله في القرءان الكريم:" وتَزوّدوا فإنّ خيرَ الزّاد التقوى واتّقونِ يَأولي الألبَب" سورة البقرة.
وعليك يا عبد الله أن تعتبر أحسن الإعتبار بموت نبيّك محمد سيد العالمين ، وسيد الأولين والآخرين وأن تصبر على مصائب الدنيا على اختلافها وأنواعها كما صبر النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام الذي هو إمام الصابرين والمجاهدين . فإذا ما انهالت عليك المصائب وهجمت عليك البلايا فاجعل قدوتك واسوتك نبيّك المصطفى صلى الله عليه وسلم في صبره على المصائب والبلايا، فهو عليه الصلاة والسلام إمام الصابرين والمجاهدين وهو اشد الأنبياء بلاء، فتذكر عند نزول المصائب عليك مُصيبة موته عليه الصلاة والسلام، ولتتَعزّ بهذه المصيبة العظيمة الجلل عن كل ما يصيبك من مصائب الدنيا مع شدائدها وأثقالها فما مصائب الحياة الدنيا على اختلافها وأنواعها أمام مصيبة موت الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم الذي هو سيّد العالمين ،
واشرف الأنبياء والمرسلين وسيّد ولد ءادم يوم القيامة كما أخبر بذلك عليه الصلاة والسلام . يقول النبيّ الأعظم صلوات ربي وسلامه عليه:" يا أيها النّاس أيّما أحد من الناس أو المؤمنين أصيب بمصيبة فليتعزّ بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري فإنّ أحدًا من أمتي لن يُصاب بمصيبة بعدي أشدّ عليه من مصيبتي" رواه ابن ماجه في سننه. أخي المسلم.. اصبر على ما ابتلاك الله تعالى به من مصائب سواء في نفسك أو أهلك أو مالك، اصبر صبرًا جميلاً واعمل لآخرتك واثبت على هدى نبيك واقتد به صلى الله عليه وسلم في صبره وسيرته، وأكثر من الصلاة عليه عند نزول المصائب والبلايا فإنّ الصلاة عليه عند المصيبة نور وضياء في دنياك، فعسى أن تكون بذلك معه في جنات النعيم.
وما أجمل قول القائل: اصبر لكل مُصيبة وتجـلّد ~~~ واعلم بأن المرئ غيرُ مخـلّد واصبـرْ كما صبر الكرام فإنها ~~~ نوبٌ(1) تنوبُ اليومَ وتُكشف في غد وإذا أتتك مصيبة تُشْجَى (2) بها ~~~فاذكر مصابك بالنبيّ محمــد (1) النّوبُ: النوائب، جمع نائبة، وهي المصيبة (2) تُشجى : تحزن وقال بعضهم: تذكرتُ لما فرّق الدهر بيننا ~~~ فعزيتُ نفسي بالنبي محمـــد وقُلت لها إنّ المنايا سبيلنا ~~~ فمن لم يمُت في يومه مات في غــدِ فائدة: قال ابن الجوزاء البصري رضي الله عنه :" كان الرجل من أهل المدينة إذا أصابته مصيبة جاء أخوه فصافحَه ويقول:
يا عبدَ الله ثِق بالله ، فإن في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوةٌ حسنة. كل المصائب تهون بعد مصيبة موتك يا سيدي يا رسول الله... يا خير خلق الله...يا تاج رُسل الله.. يا سيد الآولين والآخرين.. إنّ لنا معاشر المؤمنين في الله تعالى بعد مصيبة موت النبيّ الأعظم صلى الله عليه وسلم عِوضًا من كل تالف، وخلفًا من كل هالك ودَرَكًا من كل فائت وعزَاءً من كل مصيبة. اللهم فرّج كرباتنا ، اللهم أقل عثراتنا، اللهم اغفر زلاتنا، وصلى الله وسلّم على سيدنا محمد وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
خاتمة الخاتمة وما أجمل أن نختم خاتمة كتابنا هذا بهذه الأبيات في رثاء النبيّ الأعظم صلى الله عليه وسلم، في مدح النبي الأعظم خير الأنام صلى الله عليه وسلم وهي مختارة من القصيدة المسماة "بالبُردة" للإمام اللغوي شرف الدين محمد ابن سعيد البوصيري رحمه الله تعالى. .لبيك رسول الله من كان باكيا ~~~ فلا تنس قبراً بالمدينة ثاويا جزى الله عنا كل خير محمداً ~~~ فقد كان مهدياً وقد كان هاديا وكان رسول الله روحاً ورحمة~~~ ونوراً وبرهاناً من الله باديا وكان رسول الله بالخير امراً ~~~ وكان من الفحشاء والسوء ناهيا وكان رسول الله بالقسط قائماً ~~~ وكان لما استرعاه مولاه راعيا وكان رسول الله يدعو الى الهدى~~~ فلبى رسول الله لبيه داعيا أينسى أبر الناس بالناس كلهم ~~~ وأكرمهم بيتاً وشعباً وواديا أينسى رسول الله أكرم من مشى ~~~ واّثاره بالمسجدين كما هيا تكدر من بعد النبي محمد ~~~ عليه سلام كل ما كان صافيا وكم من منار كان أوضحه لنا ~~~ ومن علم أمسى وأصبح عافيا اذا المرء لم يلبس ثياباً من التقى ~~~ تقلب عرياناً وان كان كاسيا وخير خصال المرء طاعة ربه ~~~ ولا خير فيمن كان لله عاصيا
