ذِكرُ أعمامِ النبيّ وعمّاتِهِ صلى الله عليه وسلم اختُلف في عدد أعمام النبيّ صلى الله عليه وسلم فقيل: اثنا عشر وقيل: عشرة وقيل: تسعة، فعلى القول الأول هم: الأول: حمزة بن عبد المطلب : أسد الله واسدُ رسوله صلى الله عليه وسلم وهو أخو النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة ، قُتل شهيدًا سعيدًا في غزوة أُحُد. الثاني: العبّاس: جدّ الخلفاء العباسيين أسلم وحَسُنَ إسلامه وكان إسلامه عِزٌ ومنعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وخِزْيّ وذلٌّ للمشركين. الثالث:
الزُّبير ، وكان من أشراف قريش رئيسُ بني هاشم ، شاعرًا عاقلاً ولكنه لم يدرك الإسلام. الرابع: الحارث وهو أكبر ولد عبد المطلب وبه كان يُكنى مات في حياة أبيه ولم يُدرك الإسلام. الخامس: حجْلٌ، لم يدرك الإسلام. السادس: قُثَمُ ، مات صغيرًا. السابع: ضِرار: مات في مبادىء نُزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم. الثامن: الغَيداق: سُميَ كذلك لأنه كان أجود قريش والغَيداق في اللغة المطر الكثير. التاسع: المُقوّم. العاشر: ابو طالب واسمه عبد مناف وهو الذي كفل النبيّ المصطفى صلى الله عليه وسلم في صغره ودافع عنه عند بعثته من أذى المشركين ومع ذلك لم يُسلم.
الحادي عشر: عبدُ الكعبة لم يدرك الإسلام . الثاني عشر: أبو لهب ، واسمه عبد العُزّى وكان من ألَدّ أعداء النبيّ صلى الله عليه وسلم ومن أشدّهم في محاربة دعوته صلى الله عليه وسلم وفيه نزل قوله تعالى:" ما آغنَى عنهُ مالُهُ وما كَسَب (2) سيصلى نارًا ذاتَ لهبٍ(3) سورة المسد. وأما عماتُ النبي صلى الله عليه وسلم فهنَّ ستٌّ : صفية أمُّ الزُبير بن العوام رضي الله عنه اسلمت وهاجرت وكانت ذات جَلْدٍ وصبرٍ وقوةٍ ، وعاتكةُ، وأمُّ حكيم واسمها البيضاء، وبَرّة، وأُميمةُ، وأروى، ولم يُسلم منهنَّ سوى صفيّة على الأصح. وقيل: إنَّ عاتكة وأروى أسلمتا وهاجرتا إلى المدينة
ذِكرُ خُدّامهِ صلى الله عليه وسلم من الرجال والنّساء أولُ خُدامه صلى الله عليه وسلم الصحابي الجليل أنس بن مالك الأنصاري رضي الله عنه وكان ألزمهم لخدمته صلى الله عليه وسلم، قال أنس رضي الله عنه:" خدَمتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرَ سنين فما قال لي أُفّ ولا لِمَ لا صنعتَ ولا ألا صنعتَ" رواه البخاري. ومن خُدامه صلى الله عليه وسلم أيضا بلال بن رباح المؤذن رضي الله عنه، وعُقبة ابن عامر الذي كان صاحب بغلته صلى الله عليه وسلم يقود به في الاسفار، وسعدٌ مولى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وذو مِخمر ابن أخي النجاشي رضي الله عنه أوابن أخته، وربيعة بن كعب الاسلمي، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنه وكان صاحب نعله صلى الله عليه وسلم ووسادته،
وابو ذر الغفاري رضي الله عنه، واسلع بن شريك وكان صاحب راحلته صلى الله عليه وسلم وبكير ( ويقال بكر) بن شريح الليثي وابن أخيه الحدرجان بن مالك، جزر بن الحدرجان، وسابق وسالم، وقيس بن سعد بن عبادة كان من النبيّ المصطفى صلى الله عليه وسلم بمنزلة صاحب الشرطة من السُّلطان ، وأيمن ابن أم ايمن حاضنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وثعلبة بن عبد الرحمن الأنصاري ونعيم بن ربيعة بن كعب، وأبو السمح، وابو الحمراء هلال بن الحارث. وأما خُدامه صلى الله عليه وسلم من النساء فمن أولهن اسماء وهند ابنتا حارثة الاسلميان، ثم ماريا وهما اثنتان مارية جدة المثنى بن صالح، ومارية أم الرباب، ورزينة وبنتها أمة الله، وصفية، وخولة،
وخضرة، وسلمى، وأم ايمن، وإسمها بركة وهي حاضنته صلى الله عليه وسلم ورثها صلى الله عليه وسلم من ابيه فأعتقها حين تزوج خديجة رضي الله عنها، ومن خادماته صلى الله عليه وسلم أم عياش وميمونة، فائدة: روى الإمام مسلم أن الصحابي الجليل ربيعة بن كعب الأسلميّ الذي خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من باب حُبّ المكافأة) " سلني" فقال: اسألك مرافقتك في الجنة، فلم يُنكر عليه صلى الله عليه وسلم ذلك، بل قال له عليه الصلاة والسلام :" فأعِني على نفسك بكثرة السجود" وهذا دليل على جواز سؤال ما لم تجر به العادة من غير الله خلافًا للوهابية.
ذكرُ صفاته صلى الله عليه وسلم وصورتهِ الخِلقيّة الطاهرة تتجلّى عظمة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم في أنّ الله تبارك وتعالى كمّل صورته وخِلقته، وخَلقَه سبحانه وتعالى على صورة بهية وأعطاه جمالا رائعًا في وجهه الشريف لم يعطه سبحانه وتعالى أحدًا غيره من إخوانه الأنبياء، فهو صلى الله عليه وسلم أجمل الخلق قاطبة وهو أجمل الأنبياء صورة بما فيهم نبي الله يوسف عليه السلام، فلقد كان جمالُ وجهه عليه الصلاة والسلام ممزوجًا ومقرونًا بالهيبة العظيمة مما يدل على عُلو قدره صلى الله عليه وسلم ومكانته وجاهه عند خالقه وبارئه على غيره من إخوانه الأنبياء والمرسلين، وفي هذا يقول الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم:" ما بعثَ الله نبيًا إلا حسن الوجه حسَن الصوت وإنّ نبيّكم _ يعني نفسه صلى الله عليه وسلم_ أحسنهم وجهًا وأحسنهم صوتًا" رواه الإمام أحمد في مسنده.
وعن جبير بن مُطعم رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ " والطّور" فكاد قلبي يطير_ اي من حسن صوته صلى الله عليه وسلم_ وكان ذلك في بدء إسلام جبير. وأما عن أوصافه الخِلقيّة وصورته البهيّة التي وردت في كتُب الحديث الشريف فهي كما يلي: كان صلى الله عليه وسلم مرفوع القامة، رُبعة معتدلا إلى الطول لم يكن صلى الله عليه وسلم من قصار الرجال ولا من الطِوال ، لكنه كان صلى الله عليه وسلم معتدلا إلى الطول اقرب، وكان صلى الله عليه وسلم بعيد ما بين المنكبين أي عريض ما أعْلى الظهر والصدر وهو دليلُ النجابة ( والمنكب مجمع العضد والكتف) .
كان المصطفى عليه الصلاة والسلام مُشرق الوجه، وجهه أبيض مشربًا بحمرة ( والإشراب خلطُ لون بلون كأن أحد اللونين سقي بالآخر) يقول خادمه أنس بن مالك رضي الله عنه في وصف النبيّ المصطفى صلى الله عليه وسلم كان أزهر اللون أي أبيض مشربًا بحمرة ، رواه البخاري. ويقول واصفه ابو هريرة رضي الله عنه :" ما رأيت شيئًا أحسنَ من النبيّ صلى الله عليه وسلم كأن الشمس تجري في وجهه " رواه أحمد والترمذي. كان المصطفى عليه الصلاة والسلام دقيق الحاجبين لم يكن غليظهما، وكان حاجباه صلى الله عليه وسلم متقاربين من غير اتصال وكان أهدبَ الاشفار اي كثير شعر الجفون. وكان المصطفى صلى الله عليه وسلم واسع الجبين، أجلى الجبهة أي أنّ شعر رأسه غير متدل على جبهته ، وكان صلى الله عليه وسلم أقنى الأنف أي ليس في طرف أنفه نتوء عن أعلاه بحيث لا يكون جميلاً
وكان النبيّ المصطفى عليه الصلاة والسلام سواء البطن والصدر، جهير الصوت، طويل الذراع، قوي المشي إذا مشى كأنما ينحط مِن صبَب أي كأنه ينحدر من مكان عالي، وكان من قوة مشيه صلى الله عليه وسلم إنه كان يرفعُ رجليه من الأرض رفعًا قويًا مُسرعًا ولا يمشي صلى الله عليه وسلم اختيالا وكان صلى الله عليه وسلم يقارب خطاه. وكان المصطفى صلى الله عليه وسلم يُقبلُ ويُدبر بكل جسمه اي بكل أجزاء بدنه إذا التفت، فكان صلى الله عليه وسلم لا يسارق النظر ولا يلوي عُنقه وإذا توجّه إلى شىء توجه إليه بكليته ولا يُخالف ببعض جسده بعضًا.
وكان من شأنه عليه الصلاة والسلام أنه كان طيّب الرائحة سواء تطيَب أم لم يتطَيَب ، وكان عرقه صلى الله عليه وسلم الذي يرشح عن جسده الشريف كاللؤلؤ في البياض والصفاء، وكان ريحُهُ صلى الله عليه وسلم أطيب من المسك، فقد روى خادمه أنس بن مالك رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان إذا مرّ في طريق من طرق المدينة وجد منه رائحة المسك فيقال : مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم. وورد أيضا أنّ الصحابي عقبة بن غزوان قد اصابه مرض الشّرَى في ظهره وهو ورم كالدرهم حكّاك مزعج يُحدث كربًا وإزعاجًا شديدًا لصاحبه، فقال له النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم تجرد أي جرّد ظهرك من ثوبك، فلمّا فعل وضَع الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم يده عليه فشفي من مرضه بإذن الله تعالى وعبق الطيب به بعد ذلك إلى ءاخر حياته،
وكان هذا الطيب أحسن من طيب المسك والعنبر أو غير ذلك من الأطياب. يقول الصحابي الجليل البراء بن عازب رضي الله عنه في وصف النبي صلى الله عليه وسلم: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وجهًا وأحسنهم خُلُقًا. وروى البيهقي والطبراني عن أبي عبيدة بن محمد بن عمّار بن ياسر قال: قلتُ للرُبيّع بنت معوّذ : صفي لي رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: لو رأيته لقلتَ الشمس طالعة. وكان المصطفى صلى الله عليه وسلم شديد سواد الشعر لم يظهر في شعره من الشيب إلا نحو عشرين شعرة بعضها في أول رأسه وبعضها في لحيته وما سوى ذلك بقي على لونه الأصلي .
وكان شعرُهُ عليه الصلاة والسلام ليس بالجَعدِ القَطَط وليس بالسَبِط أي ليس بالشديد الجعودة ولا بالمُنبَسط المسترسل بل كان شعره صلى الله عليه وسلم بين ذلك، ( والقطط هو شديد الجعودة والسَبط هو المُنبسط المُسترسل). وكان شعرهُ عليه الصلاة والسلام قد تحلق حِلقًا حِلقًا ، وكان أحيانًا يضرب ويصل إلى أنصاف أذنيه وأحيانًا إلى منكبيه الشريفين. وكان النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم متماسك البدن لم يكن نحيلاً ولا سمينًا وكان النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم شثْنَ الكفين والقدمين أي غليظهما من غير قصر ولا خشونة ( والمراد غلظ العضو في الخِلقة لا خشونة الجلد، وذلك يستلزم قوة في القبض والمشي).
وصفُ الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم كما جاء عن بعض الصحابة قال أحدُ الصحابة في وصف النبيّ المصطفى صلى الله عليه وسلم :" ما رأيت من ذي لمّةٍ حمراء... أحسن من رسول الله ( اللّمة الشعر يلمُّ بالمنكب) مرفوع القامة أبيض اللون... جميل الصورة فصيح الكلام كاملاً في ذاته ... مكمّلاً في أوصافه الخُلقية ما خلقَ الله قبله ولا بعده مثله في الأنام.. عظيم الرأس اسود الشعر تَتيهُ في محاسنه العقول الذكيّة... وتتحيّر في كمال جماله الأفهام قمريّ الجبين حواجبهُ هلاليّة...
كحيل الطرف أهدبَ العينين وظريف القوام... أبيض الخدين مشربًا بالحمرة ووجهه كأنه البدر ليلة التمام... يجري الحُسن في خديه كما تجري الشمس في مشارقها الفلكية كوكبيّ الأنف.... يزول من ضياء طلعته الظلام وإذا تكلم خرج النور من ثناياه اللؤلؤية مُفلّج الأسنان خاتم الفم... سلسبيل الريق وجميل الابتسام عظيم اللحية معتدل العنق.. في صفاء الفضة النقيّة وإذا نامت عيناه ..... فقلبه الشريف لا ينام عطوف رءوف ... رحيمٌ كريم صلوا على رسول الله ... كلما طلعت شمس أو غربت ما جاد سجاجُ الغمام.
صلى الله عليك يا علم الهدى ما هبت النسائم وما ناحت على الأيك الحمائم. صلى الإله ومن يحِفُّ بعرشه... والطيبون على المبارك أحمد فائدة: روى الترمذ وأحمد عن ابي هريرة رضي الله عنه قال: ما رأيت شيئًا أحسن من النبيّ صلى الله عليه وسلم كأنّ الشمس تجري في وجهه، وكان رضي الله عنه ايضًا يقول: " ما رأيت قبله ولا بعده مثله". وما أحسن ما قيل في وصف النبيّ المصطفى صلى الله عليه وسلم : الشمس تشبههُ والبدر يُحكيهِ ... والدُّرُّ يضحك والمَرجان من فيه ومنْ سرى وظلام الليل مُعتكر... فوجهه عن ضياء البدر يُغنيه هذا النبيّ الذي ما مثله أحدٌ ..... بين الورى شرفًا بالروح أفديه
فائدة في جواز التبرك بآثار الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم يجوز التبرك بآثار الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم كشعرهِ وعَرَقهِ وغير ذلك كما قال العلماء المعبترون ، والأدلة على ذلك كثيرة منها أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم حين حلقَ شعره أعطى الحلاق نصف شعره وقال له عن الباقي: " أقسمه بين الناس" . ففعل فجعل الصحابة هذا يأخذ شعرة وءاخر يأخذ شعرتين وهكذا, ونال خالد بن الوليد شعر الناصية فجعله في قلنسوته ، قال رضي الله عنه:" ما خُضْتُ معركة وهي على رأسي إلا ربحتها".
فهذا دليل على أنه يُتبرك برسول الله والنبيين وإلا فلماذا يُوزّع رسول الله النبيّ الأعظم شعَره بين الناس والشّعر لا يؤكل. وقد روى مسلم في الصحيح عن أنس قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يدخل بين أم سليم فينام على فراشها وليست فيه، قال : فجاء ذات يوم فنام على فراشها فأُتيت فقيل لها: هذا النبيّ صلى الله عليه وسلم نام في بيتك على فراشك، قال: فجاءت وقد عرق واستنقعَ عرقُه (أي اجتمع) على قطعة أديم على الفراش، ففتحت عتيدتها فجعلت تُنشّف ذلك العرق فتعصره في قواريها ، ففَزع النبيّ ( أي استيقظ من نومه) فقال :" ما تصنعين يا أمّ سُليم ؟" فقالت: يا رسول الله نرجو بركته لصبياننا. قال " أصبت". والعتيدة هي كصندوق الصغير تجعل المرأة ما يعزُّ من متاعها، فانظر إلى تصويب النبيّ جَمعَها عرقه للبركة وعدم الإنكار عليها.
ذكرُ أخلاقه الشريفة صلى الله عليه وسلم الخُلق الحسن من صفات وشيم جميع الأنبياء لأنّ الله تبارك وتعالى لا يُرسل لهداية عباده مَطعونًا فيه بسفاهة أو بخيانة أو رذالة أو كذب في الحديث، لا يُرسل الله عزّ وجل لهداية عباده إلا إنسانًا نشأ على الصدق والعفة والنزاهة في العِرض والخُلُق وحُسن معاملة الناس. ولقد كان النبيّ المصطفى صلى الله عليه وسلم أوفر الأنبياء حظّـًا في ذلك لا يسبِقُه في ذلك أحدٌ بعده ولا سبَقه أحدٌ قبله، فقد أخبر الصحابي الجليل أنسُ بن مالك خادم الرسول صلى الله عليه وسلم :" أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحسنَ الناس خًلقًا".
وقالت السيدة عائشة الجليلة رضي الله عنها عندما سُئلت عن خُلق رسول الله صلى الله عليه وسلم:" لم يكن فاحشًا ولا مُتفحِشًا ولا سخّابًا في الأسواق، ولا يُجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفُو ويصفحُ أو قالت يعفو ويغفر أي يسامح". رواه ابو داود. ولقد دلّت الآية الكريمة :" وإنّكَ لعَلَى خُلُق عظيم". سورة القلم. على عظيم أخلاقه.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت عندما سُئلت عن خُلق رسول الله صلى الله عليه وسلم :" فإنّ خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم كان القرءان" رواه مسلم في الصحيح. فما أكرمه صلى الله عليه وسلم على الله تعالى إذ جعل خُلُقه القرءان، يرضى بما يرضاه القرءان ويتأدب بآدابه ويلتزم أوامره ولا يغضب صلى الله عليه وسلم لنفسه وإنّما يغضب إذا انتهكت محارم الله تعالى، فإذا انتكهت حرمة الله تعالى كان اشدّ الناس غضبًا لله كما ورد في الحديث الشريف. وكان صلى الله عليه وسلم لا يقول في حالة الرضا والغضب إلا الحق قطعًا لأنه صلى الله عليه وسلم معصومًا.
ومن جملة أخلاقه عليه الصلاة والسلام أن الله عزّ وجلّ بعثه بالإرفاق اي رِفقًا بهذه الأمة لكي يتممَ مكارم الأخلاق ، قال الله تبارك وتعالى في وصف رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم :" حريصٌ عليكم بالمؤمنينَ رءُوفٌ رحيمٌ" سورة التوبة. وكان النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم أشجع الناس وأقواهم قلبًا وأكثرهم جراءة لملاقاة العدو، فقد روى الإمام أحمد بإسناده عن عليّ بن ابي طالب رضي الله عنه أنه قال: لمّا كان يوم بدرٍ اتقينا المشركين برسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أشدّ الناس بأسًا.
وكان النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم أسْخَى الناس كفًّا وأجود الناس بذلا في سبيل الله وأخبارُ كرمه صلى الله عليه وسلم عديدة منها ما رواه مسلم عن أنس رضي الله عنه أنه قال: ما سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الاسلام شيئًا قط إلا أعطاه، فأتاه رجل فسأله فأمر له بغنم بين جبلين، فأتى قومه فقال: أسلِموا فإنّ محمدًا صلى الله عليه وسلم يُعطي عطاء من لا يخافُ الفاقة. وكان النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم أصدقُ الناس لهجةً اي كلامًا وأوفى الناس ذمةً أي عهدًا وأمانًا، وكان أحسنهم معاشرة فقد كان صلى الله عليه وسلم على الغاية من التواضع ، وكان أكرمهم في عشرة أي في حُسن صحبة من يصاحبه ويعاشره ، لا يحسبُ من يجالسه أنّ سواه اقرب إليه منه لعظم إكرامه له.
وكان عليه الصلاة والسلام اشدُّ حياءً من العذراء في خِدرها وكان نظره صلى الله عليه وسلم إلى الأرض أكثر من نظره إلى السماء، لأنه كان أكثر الناس حياءً وأدبًا مع ربه سبحانه وتعالى. وكان النبيّ المصطفى صلى الله عليه وسلم أكثر الناس تواضعًا كيف وقد خُيّر بين أن يكون نبيًا أو ملكًا أو نبيّا عبدًا فاختار صلى الله عليه وسلم الثاني وهو أن يكون نبيًّا عبدًا. وكان عليه الصلاة والسلام يُجيب كل من دعاه من بعيد أو من قريب من عبد أو حر أو فقير أو غني أو دني أو شريف ، وكان صلى الله عليه وسلم أرحم الناس بكل مؤمن وبكل طائف عليه فلا يختص برحمته من لا يعقل كالوحش والطير حتى إنّ الهرة كانت تأتيه فيصغي لها الإناء أي يُميله لها لتشرب منه
وكان النبيّ المصطفى صلى الله عليه وسلم أعفُ الناس عن فعل المحرمات فلم تمسّ يده الشريفة صلى الله عليه وسلم يد امرأة لا تحل له، وكان صلى الله عليه وسلم يقول:" إني لا اصافح النساء". وكان عليه الصلاة والسلام أشدّ الناس لأصحابه إكرامًا لهم، ومن ذلك أنه كان لا يمُدّ رجليه بين جلسائه احترامًا لهم. من رءاه صلى الله عليه وسلم بديهة يعني فجأة من غير مخالطته هابَهُ وعظّمه، ومن خالطه وعاشره أحبّه لما يشاهده من محاسن أخلاقه ومزيد شفقته وتواضعه صلى الله عليه وسلم وباهر عظيم تألفه وأخذه بالقلوب، فكانت تحنّ إليه صلى الله عليه وسلم الافئدة وتَقَرُّ به العيون وتأنس به القلوب، فكان كلامهُ عليه الصلاة والسلام نورٌ ومدخلهُ نور ومخرجهُ نور وعملهُ نور،
إنْ سكت علاهُ الوقار وإن نطق أخذ بالقلوب والبصائر والأبصار. وكان النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم غاية في التواضع يمشي مع المسكين والأرملة إذا أتياه في حاجة من غير ما أنفة، وكان صلى الله عليه وسلم يخدمُ نفسه بنفسه من غير أن ينتظر خدمة غيره له، فكان عليه الصلاة والسلام يخْصفُ نعله أي يخرزها، ويخيط ثوبه اي يرقعه ويعمل في بيته كما يعمل ءاحاد الناس، وكان يحلب شاته ويتعاطى خدمة نفسه بنفسه ولا يعيبه ذلك. وكان عليه الصلاة والسلام في بيته في مهنة أزواجه أي خدمتهم يتعاطى ذلك معهم وربما تحمّله عنهم جملة، وذلك مثل تقطيع اللحم الذي يقدم إليه للأكل بالسكين ، فإنه كان يتولى ذلك بنفسه ولا يأنف من ذلك، وكان صلى الله عليه وسلم يُردِف خلفه عبده أو خادمه أو قريبه يفعل ذلك على الحمار وغيره من نحو ناقة أو بغلة ولا يأنف من ذلك.
ومن عظيم أخلاقه عليه الصلاة والسلام أنه كان يجالسُ الفقراء والمساكين والعبيد والإماء ويعودهم ويزورهم ويتفقد حالهم ويشهد جنائزهم ويكرم أهل الفضل والكرام حين يأتون إليه،وربما بسط لبعضهم رداءه المبارك وكان يقول صلى الله عليه وسلم:" إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه" رواه ابن ماجه والحاكم وغيرهما. وكان عليه الصلاة والسلام يحافظ على تألف أهل الشرف ترغيبًا لهم ولقومهم في الإسلام ، وكان صلى الله عليه وسلم يُقبلُ بوجهه وحديثه على اشراف القوم. ومن أخلاقه عليه الصلاة والسلام أنه كان لا يواجه أحدًا من الناس بشىء يكرهه لا سيما جليسه بل يواجهه بالرضا ويقول إذا بلغه عن أحد ما يكرهه:" ما بالُ أقوامٍ يصنعون كذا" ولا يقول ما بال فلان يفعل كذا.
وكان صلى الله عليه وسلم يمزح مع اصحابه مؤانسة لهم وتألّفًا لما كانوا عليه من شدة، فكان يمازحهم تخفيفًا عليهم، لكنه لا يقول إلا حقّا لأنه صلى الله عليه وسلم معصومٌ عن الكذب ، فالمُزاح لا ينافي الكمال حيث لم يخرج عن القوانين الشرعيّة. ومن تواضعه عليه الصلاة والسلام أنه كان يجلس في الأكل مع العبيد الأرقاء ويتشبه بهم في الجلوس للأكل فلا يترفع عليهم ، وكان يقول صلى الله عليه وسلم :" إنما أنا عبد ءاكلُ كما يأكل العبيد وأجلسُ كما يجلس العبيد".
وكان من عظيم أخلاقه صلى الله عليه وسلم أنه كان يذهب إلى بساتين أصحابه يقصد بذهابه إليهم إكرامهم وتألفهم، وكان صلى الله عليه وسلم يعجَبُ مما يعجبون ويضحك مما يضحكون فما كان يُرى صلى الله عليه وسلم بوجهه عبُوس ، وكان أصحابه حين بتناشدون فيما بينهم الأشعار بحضرته يضحكون ويذكرون أشياء من أمور الجاهلية فما يزيدهم على أن يشركهم تبسمًا في وجوههم تلطفًا بهم وإيناسًا لهم، فما أعظم أخلاقه صلى الله عليه وسلم وحُسن معاشرته لأصحابه . وقد وَسِع حِلمُ النبيّ المصطفى صلى الله عليه وسلم جميع الناس في معاشرتهم ببسط الخُلُق فهم عنده في الحق سواء ، فقد ثبتَ من سيرته عليه الصلاة والسلام أنه ما انتهر خادمًا قطّ فيما فعله أو تركه وما قال له في شىء صنعه لم صنعته ولا في شىء تركه لم تركته بل كان صلى الله عليه وسلم يقول:" لو قدّر شىءٌ" اي لو قدّر الله فعل هذا الأمر أو الشىء لكان،
وكان مجلسه عليه الصلاة والسلام مجلس حِلم وصبرٍ وحياء يبدأ من لقيه بالسلام ويؤثرُ الداخل عليه بالوسادة أو يبسط له ثوبًا زيادة في إكرامه. ومن أخلاق النبيّ المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه كان شديد الرحمة بالخَلق يعفو ويصفح ، ومن أمثلة ذلك أنه قيل له: قد دعا نوح عل قومه فلو دعوت على من وطِىء ظهرك وأدمى وجهك وكسر رباعيتك ولو دعوت على دوْس (قبيلة من اليمن من الأزْد) وغيرهم من الكفار، فقال عليه الصلاة والسلام:" إنما بُعثتُ رحمة ولم أبعثُ لَعّانًا" رواه مسلم، فلم يُجب من سأله إلى الدعاء عليهم رحمة بهم بل دعا لهم فقال:" اللهم اهدِ دوْسًا وئْتِ بهم مسلمين" فأصبحوا رُءوسًا في الإسلام وهذا من عظيم حُسن خُلُقه صلى الله عليه وسلم.
كذلك لم يكن النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم فحّاشًا ولا لعّانًا ولم يكن بخيلاً ولا جبانًا أي ضعيف القلب عن القتال ونحوه، وكان عليه الصلاة والسلام يختار ايسر الأمور رحمة بأمته، فكان صلى الله عليه وسلم إذا خُيّر بين أمرين أو أمور اختار أيسرها إلا أن يكون إثمًا فإن كان إثما كان أبعد الناس منه. فعن السيدة الجليلة عائشة رضي الله عنها قالت:" ما ضَرب رسول الله صلى الله عليه وسلم خادمًا له قطّ ولا امرأة قطّ وما ضرب بيده إلا أن يجاهد في سبيل الله ، وما نيل منه شىء فانتقمه من صاحبه إلا أن تُنتهك محارم الله فينتقم لله عزّ وجلّ، وما عُرض عليه أمران أحدهما أيسر من الآخر إلا أخذ بأيسرهما إلا أن يكون مأثمًا فإن كان مأثمًا كان ابعد الناس منه" رواه البخاري ومسلم.
ومن أحواله عليه الصلاة والسلام أنه كان لا يراه أحد وهو يضحك بملء فيهِ، بل كان ضحكه صلى الله عليه وسلم في أغلب أحواله تبسمًا، وكان عليه الصلاة والسلام يحبُّ الفأْلَ وهو أن يسمع كلامًا حسنًا فيتيمّنُ به خيرًا، وكان يكره الطّيَرَةَ وهي التشاؤم بالشىء يسمعه أو يراه. وكان النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم حليمًا صبورًا لا يجزي بالسيئة مثلها أي لا يجازي الكلام والفعل القبيح بمثله ولكن يقابله بالعفو والصفح مع القدرة على الانتقام، فمن ذلك ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه قال:
كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي فجبذه اي جذبه بردائه جبذة شديدة حتى نظرت إلى صفحة عنق رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أثّرت بها حاشية البرد من شدة جبذته ثم قال: يا محمد مُرْ لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ضحك ثم أمر له بعطاء. رواه البخاري ومسلم. ومن ذلك عفوه عن المرأة اليهودية التي سمّته، وعن اليهودي الذي تقاضاه ديْنه فأغلظ عليه في الكلام فلم يرد الرسول بالمثل فاسلم الرجل.
وأخباره عليه الصلاة والسلام في عفوهِ وصفْحِه وصبره على أذى الغير كثيرة جدًا وكلها تشهد بعظيم حُسنِ خُلُقه صلى الله عليه وسلم فسبحان من كمّل حبيبه المصطفى عليه الصلاة والسلام بهذه الأوصاف والخصال الجميلة والجليلة, وصدق الله العظيم حيث قال في مُحكم كتابه واصفًا نبيّه المصطفى صلى الله عليه وسلم: وإنّك لعَلى خُلُقٍ عَظيم" سورة القلم.
ذِكرُ طِيبه صلى الله عليه وسلم الذي كان يتطيّب بهِ وكحله كان النبيّ المصطفى صلى الله عليه وسلم يُحبّ الطيبَ والرائحة الطيبة لأنه يُنعشُ القلب وتحبه الملائكة ويفرحهم وكان يكره كل ما له ريح كريه، وكان طيبه عليه السلام الذي كان يتطيب به الغالية وهو طيبٌ مركب من مِسكٍ وعنبرِ وعودِ وكافورِ، وكان عليه الصلاة والسلام يتطيب ايضًا بالمسك وحده، وكذاك السُّكُّ وهو طيّب معروف ويضاف إليه غيره من الطيب، وكان له صلى الله عليه وسلم سُكّةٌ يتطيّبُ منها. وكان بخورهُ عليه الصلاة والسلام الكافور والعُود الند وهو ما يتبخر به.
وكان النبيّ المصطفى صلى الله عليه وسلم يكحل عينيه بالإثمد وهو الكحل الأسود المعروف وكان يكتحل في كل عين ثلاثًا لأجل الإيْتار المحبوب المطلوب وقد قال عليه الصلاة والسلام :" اكتحلوا بالإثمد فإنّه يجلو البصر ويُنبتُ الشعر". فائدة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " حُبّبَ إليَّ من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة". رواه النسائي في سننه وأحمد في مسنده. وليس معنى هذا الحديث أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم كان متعلق القلب بالنساء بل معناه أن ذلك اي الميل الطبيعي جُعل فيّ ولا أتتبعُهُ ، فيكون بذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم مزيد رفع درجات عند الله تعالى لأنه مع ذلك لا ينشغل عن طاعة لله تبارك وتعالى،
لا ينشغل عن تبليغ الدعوة ولا عن الإكثار من الطاعات، وقد قال العلماء مّن ذمّ الرسول صلى الله عليه وسلم فقال أنه كان متعلق القلب بالنساء يتتبّع ذلك فقد كفر لأنّ تنقيص نبيّ من الأنبياء كفر. أما الطِيبُ الطاهر ففيه فوائد فإنه ينعش القلب ويفرّح الملائكة.
