مظاهرُ محبةِ السلف والأئمة الأعلام للنبيّ صلى الله عليه وسلم وشوقهم إليه كثُرت الروايات والأخبار عن السلف الصالح والأئمة الأعلام فيما يدل على عظيم محبتهم لنبيّهم صلى الله عليه وسلم وشدة شوقهم له، وقد قال عليه الصلاة والسلام:" مِن أشدّ أمتي لي حُبّـًا أناسٌ يكونون بعدي يوَدُّ أحدهم لو رءاني بأهله ومالِهِ". وقال صلى الله عليه وسلم :" وددتُ لو رايتُ أحبابي " قالوا: أولسنا أحبابك يا رسول الله، قال " أنتم أصحابي، أحبابي الذين يأتون من بعدي يود أحدهم أن لو رءاني بأهله وماله".
وممّا ورد عن السّلف الصالح من أقوال وروايات وأخبار فيما يتعلق بحُبهم لنبيّهم عليه الصلاة والسلام وشوقهم إليه في حياته وبعد مماته أن عمرو بن العاص قال: ما كان أحدٌ أحبُّ إليَّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن عبْدةَ بنت خالد بن مَعدن تُخبرُ عن أبيها فتقول: ما كان خالدٌ يأوي إلى فراش إلا وهو يذكرُ من شوقه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أصحابه من المهاجرين والأنصار يُسمّيهم ويقول: هم اصلي وفصْلي وإليهم يحِنُّ قلبي ، طال شوقي إليهم فعجّل ربّ قبضي إليك، حتى يغلبه النوم.
وردَ أن امرأةً من الأنصار قتل أبوها وأخوها وزوجها يوم أُحُدٍ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ما فعلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا لها : خيرًا هو بحمد الله كما تُحبّين، قالت: أرِنيهِ حتى أنظر إليه فلما رأته صلى الله عليه وسلم قالت: كلّ مصيبةٍ بعدك جَلَل ( أي هيّن). وسُئل يومًا عليّ بن ابي طالب كرم الله وجهه كيف كان حُبكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال رضي الله عنه: كان والله أحبّ إلينا من أموالنا وأولادنا وءابائنا وأمهاتنا ومن الماء البارد على الظمأ.
وعن زيد بن اسلم خرج عُمرُ رضي الله عنه ليلةً يحرسُ الناس فرأى مصباحًا في بيت وإذا عجوزٌ تنفُشُ صوفًا وتقولُ: على محمد صلاة الأبرارْ ~~ صلّى عليه الطيّبون الأخيار قد كنت قوّمًا بُكًا بالاسحار ~~ يا ليت شِعري والمنايا أطورْ هل تجمعني وحبيبي الدار ( تعني النبيّ صلى الله عليه وسلم). فجلس عمر رضي الله عنه يبكي وطلب منها أن تشاركه وتذكره في كلامها. وثبت أن الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما خدرت رِجله، فقيل له: اذكر أحبّ الناس إليك يُزل عنك، فقال يا مُحمّــد.
فكأنما نشط من عقال_ اي تعافى فورًا (1) فائدة: نص الإمام البخاري في كتابه" الأدب المفرد" على جواز نداء النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته بيا محمد، وذلك خلاف معتقد الوهابية نفاة التوسل فإنه عندهم شرك، وأورده ابن السني في كتابه عمل اليوم والليلة ، ونص الحديث في كتاب البخاري المذكور:" خدرتْ رجل ابن عمر فقال له رجل: اذكر أحبّ الناس إليك فقال يا محمد ". والخِدر غير التنميل الذي نعرفه، هو مرض من نوع الشلل يتعطل منه العضو عن الحسّ والشعور. ولما احتُضرَ بلال الحبشي رضي الله عنه وكان مؤذّن الرسول صلى الله عليه وسلم نادت امرأته:
واحُزناه فقال رضي الله عنه: واطَرباه غدًا ألقى الأحبّة محمدًا وحِزبَه. ويُروى أن امرأة قالت لعائشة رضي الله عنها بعد وفاة النبيّ المصطفى صلى الله عليه وسلم اكشفي لي قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكشفته لها فصارت تبكي أمام القبر الشريف حتى ماتت من عظيم شوقها ووَجدها وحبّها للنبيّ المصطفى صلى الله عليه وسلم.
وممّا ورد في شدة حبّ الصحابة رضوان الله عليهم لنبيهم صلى الله عليه وسلم وتفاديهم في إبعاد الأذى والضر عنه أنه لمّا أخرج أهل مكة زيد بن الدئنة من الرم ليقتلوه قال له سفيان بن حرب: أنشُدُكَ الله يا زيد أتُحِبُّ أنّ محمدًا الأن عندنا مكانكَ يُضرب عُنُقه وأنَّك في أهلك؟ فقال زيدٌ رضي الله عنه : والله ما أحبُّ أن محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تُصيبُه شوكةٌ وإنّي جالسٌ في أهلي، فقال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدًا يُحبُّ أحدًا كحُبّ أصحاب محمّدٍ محمّدًا.
وممّا يدلنا على عظيم تعلق الصحابة عليهم السلام وحُبهم للرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم ما حصل في غزوة أُحُد عندما خالف الرماة أوامر النبيّ صلى الله عليه وسلم وانكشف المسلمون واندفع المشركون من خلف المسلمين يُوقعون فيهم الضرر والأذى، ويُوجعون فيهم قتالا ، وهنا تجلّت روائع مظاهر الدفاع والفداء من الصحابة الكرام لنبيهم عليه الصلاة والسلام حيث تحولوا كالسور المنيع حول نبيّهم صلى الله عليه وسلم وراحوا يذودون عنه ويحمونه بأجسادهم من قتال المشركين وضرباتهم الموجعة ويتساقطون الواحد تلو الآخر تحت وابل السهام حتى قُتل كثير منهم، وهذا كله حُبّـًا وعشقًا لنبيهم وقائدهم الأعظم صلى الله عليه وسلم وفداءً له عملا بقوله تعالى:" النبيُّ أولَى بالمؤمنينَ مِن أنفسِهِم(6) سورة الأحزاب.
ومما ورد أيضًا في فداء الصحابة رضوان الله عليهم لنبيّهم عليه الصلاة والسلام بأرواحهم وأجسادهم في يوم أُحُد حيث انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم ،موقفُ الصحابي الجليل أبي طلحة رضي الله عنه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم للذود عنه، حيث وقف رضي الله عنه مُتَرّسًا بنفسه عليه بترس له، وكان أبو طلحة رضي الله عنه رجُلاً راميًا شديد النزع فكان النبي عليه الصلاة والسلام يُشْرِفُ لينظر إلى القوم فيقول له أبو طلحة رضي الله عنه:" بابي أنت وأمي لا تشرفُ يُصيبك سهمٌ من سهام القوم، نَحري دون نَحْرُكَ".
وكذلك تَرّسَ أبو دجانة رضي الله عنه نفسه دون رسول الله صلى الله عليه وسلم والنبل يتلاحق في ظهره وهو منحنٍ على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قُتِل هو ومعه خمسة ممن كانوا يذودون عن نبيّهم عليه الصلاة والسلام ويقاتلون دونه حتى فدوه صلى الله عليه وسلم بأرواحهم ونالوا شرف الشهادة وكان ءاخرهم الصحابي الجليل عمارة بن يزيد رضي الله عنه الذي قاتل دون النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو يحميه بنفسه حتى أثخنته الجراح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحبُ القلب الرحيم:" أدنوه مني" فوسده صلى الله عليه وسلم قدمهُ الشريفة المباركة فمات رضي الله عنه وخده على قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومما ورد ايضًا في شدة محبة الصحابة لنبيّهم عليه الصلاة والسلام وشدة تعلق قلوبهم برؤيته وعدم تحمل مفارقته أنّ رجلا أتى النبيّ المصطفى صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله لأنت أحبُّ من أهلي ومالي وإني لأذكرك فما اصير حتى أجىء إليك فأنظر إليك، وإني ذكرت موتي وموتك فعرفت أنك دخلت الجنة رُفعت مع النبيين وإن دخلتها لا أراك، فأنزل الله تبارك وتعالى :" ومن يُطِع اللهَ والرسولَ فأولئكَ مع الذينَ أنعمَ اللهُ عليهِم منَ النّبيين والصّديقين والشُهداء والصلحين وحسُنَ أولئِك رفيقًا" سورة النساء.
فدعا صلى الله عليه وسلم به فقرأها عليه. وفي حديث ءاخر كان رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إليه صلى الله عليه وسلم لا يطرفُ_ أي لا يصرف بصره عنه_ فقال له صلى الله عليه وسلم :" ما بالك؟" قال: بابي أنت وأمي أتمتع من النظر إليك ، فإذا كان يوم القيامة رفعك الله بتفضيله فأنزل الله هذه الآية.
وفي حديث أنس رضي الله عنه :" منْ أحبّني كان معي في الجنة". فائدة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" المرءُ مع منْ أحبّ" معناه الله تعالى يجمعه بهم يوم القيامة وينتفع بهم إن كانوا صلحاء. ومن النماذج الرائعة في حُبّ الصحابة لنبيهم صلى الله عليه وسلم وشدة تعلّق قلوبهم بملازمته وصحبته حتى بعد مماته ما رواه مسلم من أنَّ ربيعة ابن كعب الأسلميّ الذي خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم من باب حب المكافأة" سلْني" فطلب من رسول الله أن يكون رفيقه في الجنة فقال له:
اسألك مرافقتك في الجنة، فلم يُنكر عليه رسول الله سؤاله بل قال له من باب التواضع :" أو غير ذلك" فقال هذا الصحابي : هو ذاك، فقال له صلى الله عليه وسلم:" فأعني على نفسك بكثرة السجود". فائدة: هذا الحديث الشريف الذي سأل فيه هذا الصحابي الجليل ربيعة بن كعب رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم مرافقته في الجنة مكافأة له على خدمته له صلى الله عليه وسلم في الدنيا، هذا الحديث فيه دليل واضح وجليّ على المشوشون نفاة التوسل المحرفون من قولهم: لا يجوز سؤال غير الله تعالى وما لم تجرِ به العادة،
وأما قولهم على وجه إنكار ذلك: تسأل محتاجًا !! فالردّ عليهم أننا نقول لهم: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستغني عن ربه طرفة عين ومع ذلك قال لخادمه ربيعة رضي الله عنه:" سلني" فسأله فاين هم من هدْي الرسول عليه الصلاة والسلام!! قال أهل الحق من العلماء: يجوز سؤال النبي حيًا وميتًا وكذلك سؤال الولي حيًا وميتًا ، وليس ذلك مخالفًا للشرع ولا يعد ذلك عبادة لغير الله كما يقول ويزعم هؤلاء المشوشون نفاة التوسل، إذ العبادة كما عرّفها اللغويون هي غاية الخشوع والخضوع ، فيفهم من ذلك أن مجرد التوسل أو الاستعانة او الاستغاذة بنبيّ أو وليّ أو سؤاله حيًا أو ميتًا لا يُعد ذلك عبادةً له وشركًا ، فالأنبياء والأولياء كما قال العلماء من أهل الحق لهم تصرف في حياتهم وبعد مماتهم بإذن الله تعالى ومشيئته.
وممّا ورد في شدة عشق الصحابة لنبيّهم المصطفى صلى الله عليه وسلم وزيارتهم له صلى الله عليه وسلم بعد موته والتبرك بقبره الشريف ما رُوي أن بلالا الحبشي رضي الله عنه مؤذن الرسول صلى الله عليه وسلم كان بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم قد ترك المدينة المنورة وتوجه إلى الشام وأقام فيها، فرأى رضي الله عنه في منامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول له: " ما هذه الجفوة يا بلال؟
أما ءان لك أن تزورني يا بلال؟ فانتبه بلال رضي الله عنه من نومه حزينًا وجِلا خائفًا فركب راحلته، وقصد المدينة المنورة على ساكنها افضل الصلاة وأتم التسليم ، فأتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يبكي عنده ويُمرّغ وجهه عليه، فأقبل الحسن والحسين سبطا رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يضمهما ويقبلهما رضي الله عنهما ، فقالا له: نشتهي نسمع أذانك الذي كنت تؤذن به لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ففعل، فعَلا سطح مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فوقف موقفه الذي كان يقف فيه فلما أنْ قال:
الله أكبر الله أكبر ارتجت المدينة، فلما أن قال اشهد أن لا إلا الله ازدادت رجّتها ، فلما أن قال اشهد أن محمدًا رسول الله خرجت العواتق ( أي النساء الشابات) من خدورهن وقالت: أبُعِثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فما رؤِيَ يومٌ باكيًا ولا باكية بالمدينة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك اليوم. وأنشد لسان الحال: ذنبي عظيمٌ يا عفُوٌّ وإنني ~~ بمحمد أرجو التسامح فيه فبِهِ توسلَ ءادم من ذنبه ~~ وقد اهتدى منْ يقتدي بأبيه تنبيه: ذنب ءادم ذنبٌ صغيرٌ لا خسّة ولا دناءة فيه.
ماذا ترك الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم عند موته عن عمرو بن الحارث أخي جويرية بنت الحارث أمُّ المؤمنين رضي الله عنهما قال: ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته دينارًا ولا درهمًا ولا عبدًا ولا أمةً ولا شيئًا إلا بغلتُه البيضاء التي كان يركبُها وسلاحه وأرضًا جعلها لابن السبيل صدقة" رواه البخاري.
ذكر أسمائه الشريفة صلى الله عليه وسلم للرسول الأعظم أسماء كثيرة ذكرها العلماء ، عدّ منها بعض العلماء ثلاثين اسمًا تدل معانيها على عظيم فضله وشرفه وجاهه صلى الله عليه وسلم عند الله تبارك وتعالى، ولا ينافي كثرة أسمائه عليه الصلاة والسلام ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لي خمسة اسماء: أنا محمد ، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب" رواه البخاري ومسلم. ولأنّ مراده صلى الله عليه وسلم خمسة اختصتْ بي لم يتسمّ بها أحدٌ قبلي، أو هي معظة أو مشهورة في أمم الأنبياء الماضية أو في الكتب السابقة، إذاً فليس مراد النبي صلى الله عليه وسلم حصر أسمائه في هذه الاسماء الخمسة التي ذكرها.
وهاكُم معاني اسمائه صلى الله عليه وسلم كما ذكرها بعض العلماء: الأول: " محمّــد" وهو أشهر أسمائه صلى الله عليه وسلم وأشرفها لإنبائه ودلالة معناه عن كمال الحمد المُنبي عن كمال ذاته صلى الله عليه وسلم. سُمّي به عليه الصلاة والسلام إمّا لكثرة خصاله الحميدة عليه الصلاة والسلام وإمّا لأن الله تبارك وتعالى وملائكته حمدوه حمدًا كثيرًا بالغًا غاية الكمال، وحمدُ الرسول صلى الله عليه وسلم هنا على معنى الثناء عليه. فالرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم محمودٌ عند الله تعالى وعند ملائكته وعند إخوانه المرسلين وعند خيار أهل الأرض ، وأمته صلى الله عليه وسلم الحمّادون لأنهم يحمدون الله تعالى في السراء والضراء، وصلاته صلى الله عليه وسلم وصلاة أمته مُفتتحةٌ بالحمد،
وبيده صلى الله عليه وسلم لواء الحمد يوم القيامة ، وهو صلى الله عليه وسلم صاحبُ الشفاعة،وصاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون صلى الله عليه وسلم وجزاه الله تعالى عن أمته افضل الجزاء. وقد قال القاضي عياض في كتابه " الشفا بتعريف حقوق المصطفى" وقد حمَى الله هذا الاسم فلم يتسم به أحدٌ ممّن ادعى النبوة في الإسلام مع كثرتهم ولم يتسمَّ قبله، وإنما سمّت العرب محمدًا قرْب ميلاده صلى الله عليه وسلم لما أخبر الأخبار والكهان أن نبيًّا يبعثُ في ذلك الزمان يُسمّى محمدًا فسَمّوا أبناءهم بذلك".
الثاني: " أحمــد" من أعظم أسمائه صلى الله عليه وسلم وابلغها ، وهو على صيغة المبالغة التي على وزن " أفعل" والتي تنبىء عن الوصول إلى غاية ليست وراءها غاية، إذ يكون معنى اسمه صلى الله عليه وسلم " أحمـــد" أي أحمد الحامدين لربّه عزّ وجلّ ، وسببه ما ورد في صحيح البخاري أنه صلى الله عليه وسلم يُفتح عليه في المقام المحمود بمحامِدَ لم يُفتح بها على أحد قبله، ويقال: الأنبياء حمّادون وهو صلى الله عليه وسلم أحمدهم حمدًا وأعظمهم في صفة الحمد. وفي الآخرة وفي إحدى مواقف القيامة يحمدُ الرسولُ الأعظم صلى الله عليه وسلم ربّه فيُشفّعه الله تعالى فيحمده الناس.
وقد خصّ صلى الله عليه وسلم بسورة الحمدِ " الفاتحة" وبلواء الحمد وبالمقام المحمود وشُرِع له صلى الله عليه وسلم الحمد بعد الأكل والشرب والدعاء والقدوم من السفر وسُمّيت أمته بالحمّادين، فجُمعت له معاني الحمد وأنواعه فلذلك كان النبيّ المصطفى صلى الله عليه وسلم " أحمـــد". الثالث: "المقفّى" أي التابع للأنبياء، ولغةً: قافية كل شىء ءاخره فكان عليه الصلاة والسلام ءاخر الأنبياء. الرابع: " الحــاشـر" أي الذي يُحشرُ الناس على قدمه اي يتقدّهم في الحشر وهم خلفه، لأنه صلى الله عليه وسلم أول من تنشقُّ عنه الأرض.
الخامس: " العــاقِــب" أي الذي لا نبيّ بعده ، إذ العاقب هو الآخر وهو عقِبُ الأنبياء اي آخرهم. السادس: " الماحـي" وقد فسّره الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله : أنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر اي أهله، وهذا محمول على الأغلب لأن الكفر ما انمحى في خلال حياته صلى الله عليه وسلم في الدنيا ومن جميع البلاد، أو أنه سينمحى أولا فأولا إلى أن يضمحلّ بعد نزول عيسى عليه السلام فإنه يرفعُ بنزوله الذي هو من علامات يوم القيامة الجزية ولا يُقبل إلا الإسلام أو السيف كما ورد ذلك عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
السابع: " نبيّ الرحمـة" و" نبيّ المَرحَمة" كما ورد تسميته به في صحيح مسلم وغيره أي نبيّ التراحم بين الأمة، أو أنه صلى الله عليه وسلم مخْبرٌ عن رحمة الله لرحمة دينه الإسلام لقوله تعالى:" ومَا أرسلنَك إلاَّ رحمةً للعلمين(107) سورة الأنبياء، فهو رحمة للعالمين، قال عليه الصلاة والسلام :" إنما أنا رحمة مُهداة". الثامن: " نبيُّ التوبة" كما ورد ذلك في حديث مسلم أيضًا أي أنه صلى الله عليه وسلم مُخبرٌ عن الله تعالى بقبوله التوبة أي بشروطها ، أو ءامرٌ بها. التاسع: نبي الملحمة" كما سميّ به في حديث مسلم ايضا، والملحمة الحرب وسميّ به عليه الصلاة والسلام لحرصه على الجهاد ومُسارعته إليه العاشر: " المُتوكّل" سمّاه الله به في التوراة، أي الذي يكِلُ أُمورَهُ إلى الله تعالى
الحادي عشر والثاني عشر: " طه " و" يـس" وقد قيل في تفسير معنى " طه" يا رجل عظيم، و" يس" يا إنسان عظيم. الثالث عشر: " عبدُ الله" وفيه وصفُ الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم بالعبودية الذي هو وصف شريف، وقد جاء وصفه صلى الله عليه وسلم به في التنزيل ، قال الله تعالى:" وأنهُ لمّا قامَ عبدُ اللهِ يدعُوهُ(19) سورة الجن. فائدة: قيل لما وصل النبيّ عليه الصلاة والسلام الى الدرجات العالية والمراتب الرفيعة في المعراج أوحى الله سبحانه إليه: " يا محمّد" بماذا اشرفك؟
قال صلى الله عليه وسلم: بأن تنسُبني إلى نفسك بالعبوديّة" فأنزل الله تبارك وتعالى قوله:" سبحن الذي اسرَى بعبدهِ ليلاً"، الآية ومعناه أن هذه النسبة وهي نسبة النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه بوصف العبودية هي شرف للرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، لأنّ عباد الله تعالى كثير فلمّا خصّ الله تعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم في الآية بالذكر كان ذلك لتخصيصه صلى الله عليه وسلم بالشرف الأعظم. الرابع عشر: " النبيّ الأمـيّ" أي الذي لا يكتب ولا يقرأ وذلك في حقّه صلى الله عليه وسلم معجزة وفي حق غيره عجزٌ، فإنه صلى الله عليه وسلم مع كونه أميًّـا لا يعرف الكتابة ولا القراءة فقد أعطاه الله تبارك وتعالى عِلم الأولين والآخرين.
الخامس عشر: " الرّءوف الرحيمُ" ودليله من القرءان الكريم قوله تعالى:" حريصٌ عليكم بالمؤمنين رءوفٌ رحيمٌ(128) سورة التوبة. والرأفة شدة الرحمة فهو عليه الصلاة والسلام شديد الرحمة على المؤمنين كما أخبر الله تبارك وتعالى. السادس عشر" الشَّاهِدُ" أي يوم القيامة للأنبياء على أممهم بالتبليغ، والشاهد ايضًا على أمته صلى الله عليه وسلم كما قال الله تبارك وتعالى" وجِئنَا بك على هؤلاءِ شهيدًا( 41) سورة النساء. السابع عشر والثامن عشر: " السّراج المنير" قال الله تبارك وتعالى في حق نبيه صلى الله عليه وسلم" وسِراجًا مُنيرًا" (46) سورة الأحزاب).
والمعنى في هذين الاسمين أنه به صلى الله عليه وسلم انجلت ظلمات الشرك كما ينجلي ظلام الليل بالسّراج واهتدت بنور نبوته البصائر كما يهتدي بنور السّراج الأبصار. التاسع عشر والعشرون: " المُزمّل والمُدَّثّر كما في سورتيهما. الحادي والعشرون :" المُذّكر" كما قال الله تبارك وتعالى :" إنّما أنت مُذّكِرٌ ( 26) سورة الغاشية. الثاني والعشرون: " نِعمةُ الله" إذ هو صلى الله عليه وسلم نعمة من الله تعالى على منْ آمن به صلى الله عليه وسلم في الدارين. الثالث والعشرون:" الهادي إلى الصراط المستقيم" اي بواضح الحُجَجِ وساطعِ البراهين كما قال الله تبارك وتعالى:
وإنَّك لتهدى الى صراط مستقيم"(52) سورة الشورى وله عليه الصلاة والسلام غيرُ ذلك من الأسماء التي تعظم عن العدّ لكثرتها. ومن أسماء الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم المشهورة: المختارُ والمصطفى، والشّفيع، والصّادق، والمَصدوقُ، وغير ذلك . فائدة: قال علماء التوحيد: إنَّ أسماء الله تعالى توقيفية ولا يقال في أسماء الرسول صلى الله عليه وسلم كذلك، ودليل ذلك أنَّ بعض المسلمين سَمَّى اسم " المصطفى " ومع ذلك فهذا الاسم للرسول صلى الله عليه وسلم مشهورٌ بين الناس.
فائدة: عندما تشرّفَت السيدةُ ءامنة بنت وهب رضي الله عنها أمُّ الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم بحملِ النبيّ العظيم صلى الله عليه وسلم في بطنها، أُتيت عليها السلام في المنام فقيل لها:" إنَّكِ قد حملتِ بسيّد العالمين وخيرِ البرية فسمّيه إذا وضعتهِ " محمّدا" فإنه ستُحمدُ " عقباه" ومعنى" محمّد مَن كثُر حمدُ الناس له لكثرة خصائصه الحميدة، فيا سعدنا ويا فرحةَ قلوبنا بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد العالمين وخير البرية وسيد العرب والعجم
ذكر أولاده صلى الله عليه وسلم من الذّكور والإناث كان للنبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أولاد ذكورٍ وهم: الأول: " القاسم" وكانوا يُكَنّون النبيّ صلى الله عليه وسلم به بمكة قبل بعثته صلى الله عليه وسلم ووُلد القاسم هذا بمكة قبل النبوة، وهو أول أولاده وبه كان صلى الله عليه وسلم يُكنّى " ابا القاسم" وهو أول من مات من أولاده وعاش سنتين. الثاني: " الطيّب الطاهر" وهو ولد واحد سمّي بهما معا لأنه وُلد في الإسلام على القول الصحيح ، واسمه الذي سُمّي به أولا عبد الله ثم سُمّي بعد ذلك الطيّب الطاهر.
الثالث" إبراهيم" وُلِد بالمدينة المنورة في ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة وعاش بها سنة ونصف ثم مات. وأما أولاد النبيّ صلى الله عليه وسلم الإناث فاربعة اتفاقًا وهُنّ : الأولى: " فاطمة البتُول" سُمّيت به لأن الله فطمها وذريتها عن النار، وُلدت قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم بخمس سنين، زوّجها النبيّ صلى الله عليه وسلم عليًّـا رضي الله عنه وسِنُّها رضي الله عنها خمس عشرة سنة ونصف تقريبًا وعُمر عليّ رضي الله عنه يؤمئذ نحو العشرين. الثانية" " زينب" زوّجها النبيّ المصطفى من ابن خالتها أبي العاص بن الربيع وكان وفيّا بما يعد، صاحب إخلاص بوعده، فإنه شهد بدرًا مع الكفار وكان كافرًا فأسر فأطلقه النبيّ المصطفى صلى الله عليه وسلم على أن يخلي سبيل ابنته زينب رضي الله عنها ففعل وّوّفى بوعده،
وبعد زمن طويل اسلم فردّها النبي صلى الله عليه وسلم عليه بنكاح جديد. الثالثة والرابعة: " رُقيّة وأمُّ كلثوم" : زوّجهما النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم تعاقبًا اي واحدة عَقِبَ أخرى عثمان بن عفان رضي الله عنه الملقب بذي النورين ، سُمي كذلك لزواجه من رقية وأم كلثوم رضي الله عنهما بِنتَيْ رسول الله عليه الصلاة والسلام، تزوج أولا رقية ثم بعد وفاتها زوّجه النبيّ المصطفى صلى الله عليه وسلم من أختها أم كلثوم. فائدة: جملة أولاد النبي صلى الله عليه وسلم الذكور والإناث من زوجته خديجة رضي الله عنها إلا إبراهيم فهو من سُرّيتِهِ مارية القبطية التي أهداها إليه" المقوقس" ملك الإسكندرية بعد أن دعاه صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام ولكنه لم يسلم،
وقد اتخذ النبيّ صلى الله عليه وسلم " مارية القبطية" سُرّية له ودخل بها أن دخلت في دين الإسلام فولدت له صلى الله عليه وسلم ابنه إبراهيم الذي مات طفلاً صغيرًا لم يجاوز السنتين. وجميع أولاد النبيّ عليه الصلاة والسلام الذكور والإناث ماتوا في حياته إلا السيدة الجليلة فاطمة البتول رضي الله عنها وطاب اصلاها اي أبوها وأمها، وقد عاشت فاطمة رضي الله عنها بعد وفاة النبيّ ستة أشهر ثم توفّاها الله تعالى. فائدة: لُقِّبت السيدة الجليلة فاطمة ب " الزهراء" لأنّ وجهها رضي الله عنها كان مُشرِقًا. فائدة: بعد وفاة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم يجوز أن يُكنى من اسمه محمد بـ " أبي القاسم" إنما كان ذلك حرامًا في حال حياته عليه الصلاة والسلام.
ذكرُ أزواجه صلى الله عليه وسلم عددُ زوجات النبيّ الأعظم صلى الله عليه وسلم اللاتي دخل بهِنّ اثنتا عشرة وقيل: أولهنّ على الترتيب: خديجة بنت خويلد رضي الله عنها ثم سَودة بنت زمعة وأصدقها النبيّ صلى الله عليه وسلم( أي جعل مهرها) أربعمائة درهم ثم عائشة بنت الصّديق ابي بكر رضي الله عنها وعن ابيها، عقّد عليها النبيّ صلى الله عليه وسلم وهي ابنة سِت وبنى بها وهي ابنة تِسع ومات صلى الله عليه وسلم عنها وهي بنت ثماني عشرة. ثم حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنها وعن أبيها الفاروق ثم زينب بنت خُزيمة الحارثية وكانت تسمّى أمّ المساكين لرحمتها لهم رضي الله عنها.
ثم أمّ سلَمة هند بنت أبي أمية بن الغيرة المخزومية ثم زينبُ بنت جحش وكان اسمها برَة فسمّاها النبيّ عليه الصلاة والسلام زينب وكانت رضي الله عنها كثيرة الصدقة والإيثار وكانت هي التي تسامي السيدة الجليلة عائشة في المنزلة عنده صلى الله عليه وسلم وكانت رضي الله عنها أوّاهة قوّامة صوّامة. فائدة: روى البخاري والبيهقي أن زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم كانت تقول لنساء الرسول صلى الله عليه وسلم:" زوّجكُنَّ أهاليكُنَّ وزوّجني الله من فوق سبع سموات".
فمعنى هذا الحديث أن تزوّج النبي صلى الله عليه وسلم بها مسجّل في اللوح المحفوظ ، وهذا كتابة خاصة بزينب بها مُسجّل في اللوح المحفوظ ، وهذه كتابة خاصة بزينب رضي الله عنها ليست الكتابة العامة، وأما الكتابة العامة فهي لكل شخص، فكل شىء يحصل إلى ما لا نهاية الدنيا من زواج وغيره فهو مُسجّل في اللوح المحفوظ الذي هو جرمٌ كبير جدا فوق السموات السبع، وحديث زينب هذا فيه بيان أن زينبَ رضي الله عنها تزوّجها النبيّ العظيم صلى الله عليه وسلم بالوحي من غير ولي وشاهدين.
وليس معنى هذا الحديث أن الله تبارك وتعالى يسكنُ ويتحيّز فوق السموات السبع فهذا مستحيل على الله تعالى لأنّ المكان والحيّز من أوصاف الأجسام والأحجام والله تعالى مُنزّه عن الجِسميّة والحيّز والمكان ، يقول الإمام السلفي أبو جعفر الطحاوي المتوفى سنة 327 للهجرة في عقيدته:" تعالى ( أي الله) عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات" أي المخلوقات، معناه: الله تبارك وتعالى موجود بلا مكان ولا جهة ولا يسكن جهة فوق ولا جهة تحت ولا أيّ مكان لأنه سبحانه وتعالى ليس جسمًا لأن الجسم هو الذي يتخذُ مكانًا ويتحيّز في جهة من الجهات والله تبارك وتعالى كما أخبر في القرءان الكريم" ليسَ كمثله شىءٌ وهو السميع البصيرُ (11) سورة الشورى.
يقول أيضًا الإمام الطحاوي في عقيدته :" ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر". ثم تزوّج النبيّ المصطفى صلى الله عليه وسلم بعد زينب بنت جحش السيدة جويرية بنت الحارث المصطلقية سبَاها النبيّ صلى الله عليه وسلم يوم المريسيع وأعتقها وتزوجها ثم ريحانة بنت زيد من بني النضير أعتقها وتزوجها عليه الصلاة والسلام ثم أمُّ حبيبة رَمْلة بنت أبي سفيان بن حرب، هاجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش للحبشة فتنصر زوجها هناك ومات وثبتت هي رضي الله عنها على الإسلام، وبعثَ النبيّ المصطفى صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية إلى النجاشي فزَوّجه إيّاها.
ثم ميمونة بنت الحارث وكان اسمها بَرّة فسمّاها النبيّ عليه الصلاة والسلام ميمونة وهي خالة عبد الله بن عباس وخالد بن الوليد رضي الله عنهما وهي ءاخر من تزوّج النبيّ صلى الله عليه وسلم. وقد تزوّج رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعةٌ من النساء ولكنه لم يدخل بهنّ وخطبَ جماعة منهنّ ولكن لم يتمّ نكاحهُنَّ وتزوجُهُنَّ
