من أبشع عقائد النصارى التثليث:
نحن نقول: المسيح عليه السلام جاء بالديانة بيضاء نقية، ءامرًا بالتوحيد الخالص، كما تقدم بيانه أول الكلام على النصرانية، إلا أن النصارى انحرفوا بهذه الديانة عن وجهها الصحيح إلى وثنية خالصة وعقائد منحرفة لم يعرفها المسيح عليه السلام ولا حوارِيُّوه.
وهذه الديانة المحرفة لم تقرر على ما هي عليه الآن في الوقت الحاضر إلا بعد انصرام ما يقارب خمسة قرون من رفع المسيح عليه السلام، حيث أصبحت تقوم على ثلاثة أسس هي:
التثليث، الصلب والفداء، ومحاسبة المسيح للناس.
وسنبيِّن بيانًا مختصرًا مقولتهم في كل واحد من هذه العقائد ونبين بإذن الله بطلانها بالأدلة.
تعريف التثليث ومرادهم به:
مراد النصارى بالتثليث كما يقول قاموس الكتاب المدنس هو: إله واحد، الأب، والابن، والروح القدس إله واحد، جوهر واحد متساوين في القدرة والمجد.
ويفسرون هذه العقيدة بقولهم إن تعليم الثالوث يتضمن:
١) وحدانية الله.
٢) لاهوت الأب والابن والروح القدس.
٣) إن الأب والابن والروح القدس أقانيم(1) يمتاز كل منهم عن الآخر منذ الأزل وإلى الأبد.
٤) أنهم واحد في الجوهر متساوون في القدرة والمجد.
٥) إن بين أقانيم الثالوث تمييزًا أيضا في الوظائف والعمل، لأن الكتاب يُعَلِّم أن الأب والابن والروح القدس واحد في الجوهر، متساوون في القدرة والمجد.
٦) إن بعض أعمال اللاهوت تنسب في الكتاب المقدس إلى الأب والابن والروح القدس مثل خلق العالم وحفظه، وبعض الأعمال تنسب على الخصوص إلى الأب مثل الاختيار والدعوة، وإن بعض الأعمال تنسب خصوصًا إلى الابن مثل الفداء، وبعض الأعمال تنسب خصوصًا إلى الروح القدس مثل التجديد والتقديس.
ويزيد "حبيب سعيد" في بيان عقيدة الثالوث عندهم فيقول "لا تعني عقيدة الثالوث أن لنا ثلاثة آلهة، بل إله واحد في ثلاثة أقانيم".
ويتضح منها أنهم يقولون: إن وحدانية الله وحدانية حقيقة، وكذلك تثليثه فهو واحد حقيقي، وهو في الوقت نفسه ثلاثة حقيقية، حيث يتميز كل واحد من هؤلاء الثلاثة بأعمال ومميزات ليست من مميزات الآخر، مع اتحادهم في جوهرهم أي أن لهم ذاتًا واحدة، وهم متساوون في قدرتهم، ومجدهم، ووجودهم، لم يسبق أحد منهم الآخر.
والحق أنه من خلال الكلام السابق يتضح للناظر وجود ثلاثة أشخاص في عقيدة النصارى وضوحًا بينًا، وذلك لأنهم نصوا على تميز كل واحد بمميزات خاصة، أما الوحدانية فهي مجرد دعوى غير واضحة وهي دعوى غير معقولة في كلامهم، لأنهم زعموا أن الثلاثة واحد، وهذا ما لا يعقل.
وهذا منهم ذرٌّ للرماد في العيون، لأن ذلك لا يخرجهم من أن يكونوا مشركين يعبدون آلهة مع الله، وهذا ما يَحْذَرُهُ النصارى ويحاولون أن يدفعوه عن أنفسهم بدعوى وحدانية الله، ولكن العاقل يستطيع أن يميز بين ما هو حقيقي وبين ما هو مجرد دعوى، وقد نهاهم الله عز وجل عن هذا القول، وبين ضلالهم فيه في قوله عز وجل {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا} النساء آية (١٧١) .
وقولهم في التثليث جمعٌ بين الضدين لأن الوحدانية تنفي الشرك، والشرك ينفي الوحدانية، فلا يمكن أن تجتمع الوحدانية والشرك، بل هما ضدان لا يجتمعان كالسواد والبياض، والنصارى يعتقدون اجتماعهما مخالفين بذلك الحس والعقل والنقل، ويحاول النصارى أن يقربوا هذه العقيدة للناس بضرب الأمثلة لها، فمرة يشبهونها بالإنسان المكون من دم وروح وجسد، ومرة بالشمس المكونة من جرم وأنها تنير الأرض وتدفئها، ومنهم من شبهها بالشجرة بأن لها أصل وهي الجذور والساق والورق.
وهذه التشبيهات ليس واحد منها يمكن أن يكون مطابقًا لدعوى النصارى في التثليث، لأن جميع هذه الأشياء إما أن تكون ذاتًا لها أجزاء وأبعاض مثل الإنسان والشجرة، أو صفات وآثار مثل الشمس، بخلاف دعواهم في التثليث فإنهم عندهم ثلاثة حقيقيون، ذوو أعمال مختلفة متباينة، وهم في نفس الوقت واحد حقيقي، وهذا بخلاف الإنسان المتألف من دم وروح وجسد، فإن الدم ليس الروح، والروح ليس الجسد، والجسد ليس هو الروح والدم، وذلك بخلاف دعوى التثليث الذي يزعمون فيه أن كل واحد من الثلاثة هو الآخرين، لهذا صرح كثير منهم بعدم معقولية التثليث وأنها قضية لا يفهمها العقل ولا يقبلها، فمن ذلك:
قول القس "توفيق جيد" في كتابه "سر الأزل": "إن الثالوث سر يصعب فهمه وإدراكه، وإن من يحاول إدراك سر الثالوث تمام الإدراك كمن يحاول وضع مياه المحيط كلها في كفه".
ويقول "باسليوس إسحاق " في كتابه "الحق ": "أجل إن هذا التعليم عن التثليث فوق إدراكنا ولكن عدم إدراكه لا يبطله"، فهذا ما صرحوا به وتوصلوا إليه في النهاية: أن التثليث أمر مرفوض عقلا وغير مقبول، ولكنهم مع ذلك يؤمنون به.
ويحاول بعضهم أن يشبه ذلك بقول المسلمين في صفات الله عز وجل: "إن العقول لا تدركها"، وهذا تلبيس وتدليس منهم، لأن إثبات صفات الله عز وجل أمر يقبله العقل بل يوجبه العقل ولا يرفضه، وذلك يختلف تمامًا عن التثليث الذي يزعمه النصارى وهو: أن الثلاثة الحقيقية هي الواحد الحقيقي، والواحد الحقيقي هو الثلاثة، فهذا لا يقبله العقل بل يحكم بردِّه قطعًا.
ولابد من الإشارة هنا إلى أن التثليث لم يرد بهذا الاسم ولا مرة واحدة في جميع كتب العهد القديم أو الجديد وأن أول من نطق به هو "ثيوفيليوس" أسقف أنطاكية السادس والمعتقد أنه توفي بعد ١٨٠م.
قال القس حنا الخضري: "إن أول شخص استعمل كلمة ثالوث في تاريخ العقيدة المسيحية هو أسقف أنطاكية، ولقد استعمل هذا الاصطلاح في صيغة غريبة وهي (ثالوث الله)، كما أنه يرى في الأيام الثلاثة السابقة لخلق الشمس إشارة إلى الثالوث"(2). وقالوا في قاموس الكتاب المدنس(3): " إنه يظن أن أول من استعمل هذه الكلمة وصاغها هو "ترتليان" في القرن الثاني ثم "إثناسيوس" الذي وضع أساس هذه العقيدة التي قبلها مَجْمَع نيقيه عام ٣٢٥ م، ولقد تقرر ذلك الأساس على يد "أغسطينوس" في القرن الخامس الميلادي وصار القانون عقيدة الكنيسة الفعلية من ذلك التاريخ إلى يومنا هذا".
ففي هذا دلالة على أن النصارى ابتدعوا عقيدة التثليث في وقت متأخر جدًّا، والواقع أنهم استوردوها من الأديان الوثنية التي كانت تحيط بهم، أو نقلوها من الأديان التي كانوا عليها قبل أن يدخلوا في النصرانية، فقد ذكر كثير من الكتاب أن التثليث كان منتشرًا في كثير من المناطق قبل أن يدعيه النصارى.
فمن ذلك قول "برتشرد" في كتابه "خرافات المصريين الوثنيين": "لا تخلو كافة الأبحاث المأخوذة عن مصادر شرقية من ذكر أحد أنواع التثليث أو التولد الثلاثي أي الأب والابن والروح القدوس".
وجاء في كتاب "سكان أوربا الأول": " كان الوثنيون القدماء يعتقدون بأن الإله واحد ذو ثلاثة أقانيم".
وقال "بونويك" في كتاب "اعتقاد المصريين": "وأغرب عقيدة عمّ انتشارها في ديانة المصريين الوثنيين القدماء هي: قولهم بلاهوت الكلمة، وأن كل شيء صار بواسطتها وأنها أي الكلمة منبثقة من الله وأنها الله"(4).
فيتضح من هذا أن مصدر تلك العقيدة الباطلة من الوثنيين الضالين قبل النصارى، وهذا الذي حذر الله منه النصارى في قوله عز وجل: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} المائدة (٧٧) ، وما بيَّنه الله تعالى لنا في قوله: {وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} التوبة آية (١٣٠).
وإن الإنسان ليعجب بعد هذا من زعم النصارى أن التثليث هو الدين الحق وأن الله لا يقبل من العباد طاعاتهم ما لم يأتوه مثلثين! {رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} .
استدلالات النصارى على التثليث
ليس للنصارى على التثليث ما يستحق أن يسمى دليلًا، إذ إن ما ذكروه يدل على أنهم لفَّقوا كلامًا زعموا أنه دليلٌ، فمن ذلك قولهم:
١- أن الله عز وجل ورد اسمه بالعبرية (ألوهيم) الذي يدل على الجمع وأنه استخدم صيغة الجمع في التحدث عن نفسه في مثل ما ورد في سفر التكوين (١/٢٦) "وقال الله نعمل الإنسان".
٢- ألفاظ الصورة الموضوعة للمعمودية وهي "عمِّدوا باسم الأب والابن والروح القدوس" الواردة في إنجيل متى المحرَّف (٢٨/١٩) .
٣- ورد في إنجيل متى المحرف (٣/١٦) "فلما اعتمد يسوع صعِد للوقت من الماء، وإذا السموات قد انفتحت له، فرأى روح الله نازلًا مثل حمامة وآتيًا عليه وصوت من السموات قائلًا: هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت".
بهذه الأدلة التي هي أوهى من خيوط العنكبوت يزعم النصارى أن الله ثلاثة وأن هؤلاء الثلاثة واحد، ويتركون جميع أسفار العهد القديم التي نصَّت على وحدانية الله، وتفرُّده جلَّ وعلا باستحقاق العبادة، وكذلك جميع النصوص الواردة في العهد الجديد التي تدل على ذلك أيضًا، وسيأتي إيراد بعض ذلك.
إبطال ونقض ما استدلوا به على التثليث
شبه النصارى المذكورة هي من الضعف بحيث يَهُمُّ العاقل بالإعراض عنها، إلا أنه لا بدَّ من الرد عليهم لأن استدلالهم بها يعني أن لها شأنًا عظيمًا في نفوسهم، فنقول:
دعواهم أن (ألوهيم) تعني عدم وحدانية الله باطلة، حتى إن التوراة المحرفة نصت على أن الله واحد،كما أن اليهود الذين وجه إليهم الخطاب بهذا لم يفهموا ذلك ولم يعملوا به، بل يعتبرون أن ادعاء إله غير الإله الواحد الذي هو الله شرك أكبر يستحق معتقده القتل،كما أن كلمة (ألوهيم) كما يذكر الدارسون واردة في نص من النصوص التي في التوراة المحرفة الحالية، وأنه يقابلها في النص الآخر لنفس القصة لفظ (يهوه).
أما ما أوردوه من سفر التكوين وهو قول "وقال الله نعمل الإنسان" فلا يعني أكثر من أنها وردت على صيغة التعظيم، ومن أولى بالتعظيم والتفخيم في الخطاب من الله عز وجل، كما أن مئات الأقوال واردة في العهد القديم على لفظ الإفراد، فكيف تترك تلك المئات ويؤخذ بهذه اللفظة الواحدة وشبهها، هذا كله تَنَزُّلًا للخصم، وإلا فقد تقدم أنه لم يثبت شيء من هذه الكتب.
أدلة إثبات الوحدانية وإبطال التثليث من العهد القديم والأناجيل:
التوحيد دين الرسل جميعًا ولم يخالف في ذلك إلا النصارى الذين ادعوا على المسيح عليه السلام أنه جاء بالتثليث، والتوحيدُ أوضح مطالب التوراة والكتب الملحقة بها، وقد وجد حتى في التوراة المحرفة الدلالة على التوحيد ومحاربة الشرك والوثنية بكل أشكالها.
ومن الأدلة على هذا ما ورد في سفر التثنية (٤/٣٥) "إنك قد أريت لتعلم أن الرب هو الإله ليس آخر سواه"، وكذلك ما ورد في سفر التثنية (٦/٤) " اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد"، وفي إنجيل متى المحرف (٤/٧) "قال له يسوع اذهب يا شيطان، لأنه مكتوب للرب إلهك تسجد وإياه وحده تعبد"، ومثله ورد في إنجيل لوقا (٤/٨) ، وفي إنجيل مرقس (١٢/٢٨) أن أحد اليهود سأل المسيح "أية وصية هي أول الكل؟ فأجابه يسوع: إن أول كل الوصايا هي اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد ... فقال له الكاتب: جيدا يا معلم بالحق قلت لأنه الله واحد وليس آخر سواه".
فهذه وصية المسيح وبين أنها أول الوصايا وأعظمها، ولو كان يقول بالتثليث لوجب عليه أن ينص عليه في مثل هذا الموطن، إذ كيف يمكن أن يكون مبلغًا عن الله عز وجل ولم يوضح أهم ما أمر به، وفي إنجيل يوحنا المحرف (١٧/٣) أن المسيح عليه السلام قال في آخر آيامه: "وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك".
لقد أنطق الله هؤلاء الكتاب بالحق والصدق، وهو أنه لا إله إلا الله وحده وعيسى المسيح رسوله، فأين هذا الكلام الواضح من دعوى التثليث التي افتراها ضلال النصارى وغَلَوا في دينهم وقالوا بها على الله غير الحق؟ قال الله عز وجل {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا} النساء آية (١٧١).
(1) الأقنوم: كلمة يونانية الأصل تدل على شخصية متميزة، ويوازيها في الإنجليزيه كلمة person أي: شخص. انظر الكتاب المسمّى حقائق أساسية في الايمان المسيحي ص٥٢.
(2) تاريخ الفكر المسيحي ١/ ٤٦٣.
(3) ص ٢٣٢. وانظر تاريخ الفكر المسيحي (١/٥٢٨).
(4) انظر هذه النقول في كتاب العقائد الوثنية في الديانة النصرانية ص ٣٥،٣٦،٤١.