النصرانية
الحمد لله المنزه عن البعضية، القائل في كتابه الذي لا تبلغ ذراه البلاغات البشرية:{وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا}، فلا يملك أحد من دونه قطميرا، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا ولا نظيرا، المتفرّد بالخلق والتصوير، وبيده الأمر والتدبير، وإليه القضاء والتقدير، تفرد بالربوبية في قدمه، وظهرت سمات العبودية على من سوى ذي الجلال والإكرام: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ} .
والصلاة والسلام على من نطق بجوامع الكلم وموجز المقال، وبين بمختصر لفظه سائر الأحكام من الحرام والحلال، ومُيز بما جاء به بين أهل الحق وفرق الكفر والضلال، وعلى آله وأصحابه نجوم سماء الهداية، ورجوم شياطين الغواية، وبدد الله بظهوره حصون الشرك والجهالة، وأخرج به الناس من تقليد الآباء على العماية.
أما بعد:
فإن هذه كراسة صغيرة أُريدَ تسويد صفحاتها بذكر الديانة النصرانية وفرقها، وتاريخ نشأتها وكتبها، وذكر شبهها ودحضها، على سبيل اختصار غير ممل، وإيجاز غير مخل، وبالله العلي القدير التوفيق.
التعريف بالنصارى:
قال في التاج: قَالَ ابنُ دُرَيْد: النَّصارى منسوبون إِلَى نَصْرَانة، وَهِي مَوْضِع، هَذَا قَول الأصمعيّ، وَقيل: هِيَ بِالشَّام، وَيُقَال لَهَا ناصِرَة اهـ. ثم قال: قَالَ ابنُ سِيدَه: هَذَا قولُ أهلِ اللُّغَة، قَالَ: وَهُوَ ضعيفٌ إلاّ أنّ نادرَ النَّسَبِ يسَعُه، أَو النَّصارى جمعُ نَصْرَان، كالنَّدامى جمع نَدْمَان، وَلَكنهُمْ حذفوا إِحْدَى الياءَيْن، كَمَا حذفوا من أُثْفِيَّة وأبدلوا مَكَانهَا ألفا كَمَا قَالُوا صَحارى، وَهَذَا مذهبُ الخليلِ وَنَقله سِيبَوَيْه. أَو النَّصارى جَمْعُ نَصْرِيٍّ، كمَهْرِيٍّ وإبلٍ مَهارى، فَهِيَ أَقْوَال ثَلَاثَة.اهـ ثم قال: والنَّصْرانِيَّةُ أَيْضا دينُهم ومُعتَقَدُهم الَّذِي يذهبون إِلَيْهِ. اهـ
وقيل: سموا بذلك لنصرتهم عيسى عليه السلام ويكون خاصا بالمؤمنين فقط كما لا يخفى، ويشهد لهذا قوله تعالى: {فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنۡهُمُ ٱلۡكُفۡرَ قَالَ مَنۡ أَنصَارِيٓ إِلَى ٱللَّهِۖ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ}.
قال الشيخ زكريا الأنصاري في كتابه"فتح العلام": وسموا بذلك نسبة إلى قرية تسمى ناصرة، وقيل: لأنهم كانوا يتناصرون اهـ.
قال ابن الأثير في الكامل: ولما عاد عيسى وأمه إلى الشام نزلا بقرية يقال لها ناصرة، وبها سميت النصارى، اهـ.
التعريف بالنصرانية:
هي الدين الذي انحرف عن الرسالة التي أُنزلت على عيسى عليه الصلاة والسلام، وتلك الرسالة توحيد الله تعالى وتمجيده وتقديسه عن صفات النقص والأوهام، فإن سيدنا عيسى عليه السلام لم يأت بالنصرانية كما أن موسى لم يأت باليهودية، فكل نبي كان دعا إلى الإسلام أي إلى عبادة الله تعالى، فكذلك السيد المسيح كان يدعو إلى الإسلام على بصيرة هو ومن اتبعه بالحق تكملة لدعوة أنبياء بني إسرائيل الذين أمروا بتبليغ شريعة التوراة المنزلة على موسى عليه الصلاة والسلام، إلا أنه جاء ببعض أحكام جديدة كما قال تعالى تقدست أسماؤه حكاية عنه:
﴿وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعۡضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيۡكُمۡۚ وَجِئۡتُكُم بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، وقال: ﴿وَإِذۡ قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُم مُّصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَمُبَشِّرَۢا بِرَسُولٖ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِي ٱسۡمُهُۥٓ أَحۡمَدُۖ فَلَمَّا جَآءَهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ قَالُواْ هَٰذَا سِحۡرٞ مُّبِين ٦﴾، وقال المولى جل وعز:
﴿وَقَفَّيۡنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَ فِيهِ هُدٗى وَنُورٞ وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ ٤٦﴾.
هي رسالة أنزلها الله تعالى على عبده ورسوله عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام إلى بني إسرائيل بعد أن انحرفوا وزاغوا عن شريعة موسى عليه السلام، وغلبت عليهم النزعات المادية وافترقوا بسبب ذلك إلى فرق شتى، فمنهم من يؤمن بأن غاية الإنسان هي الحياة الدنيا، حيث لا يوم آخر ولا جنة ولا نار، ومنهم من يعتقد أن الثواب والعقاب إنما يكونان في الدنيا فقط، وشاع فيهم تقديم القرابين والنذور للهيكل رجاء الحصول على المغفرة، وفشا الاعتقاد بأن رضا الرهبان ودعاءهم يضمن لهم الغفران واعتقدوا فيهم مغفرة الذنوب، لذا فسدت عقيدتهم وأخلاقهم، فكانت رسالته ودعوته عليه الصلاة والسلام داعية إلى توحيد الله تعالى حيث لا رب غيره ولا معبود سواه، وهي رسالة قائمة على الدعوة إلى الزهد في الدنيا، والإيمان باليوم الآخر وأحواله، ولذا فإن عيسى عليه الصلاة والسلام كان موحِّدًا على دين الإسلام ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين.
فانطلق ابن مريم الصديقة في الدعوة إلى العلي القدير، فراشه الأرض وسقفه السماء ومصباحه القمر المنير، فصار يدعوهم إلى الله تعالى ويداوي المرضى والزمنى والأبرص وغيرهم فأحبه الناس، وكثر أتباعه وعلا ذكره، ، فلقيت صدى دعوته صدور قوم أحرار، فآمنوا به على أنه عبد لله ورسوله.
وكان من أخص أصحابه الحواريون، وكان عددهم اثني عشر شخصا، هم الذين آزروه ونصروه قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُوٓاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ لِلۡحَوَارِيِّـۧنَ مَنۡ أَنصَارِيٓ إِلَى ٱللَّهِۖ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِۖ﴾.
فلما علا شأنه، وذاع صيته، اغتاظ اليهود من ذلك ونسبوا أمه إلى الزنى، قال تعالى توبيخا لليهود في فِرْيتهم هذه: ﴿وَبِكُفۡرِهِمۡ وَقَوۡلِهِمۡ عَلَىٰ مَرۡيَمَ بُهۡتَٰنًا عَظِيمٗا﴾، ورموه بالسحر والشعوذة وهما بريئان من ذلك براءة الذئب من دم ابن يعقوب عليهما الصلاة والسلام.
فلما بلغ الحقد والغل غايته تواطؤوا على قتله، ليطفؤوا نور الله بكيدهم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون، فأجمعوا أمرهم على قتله، فأصح الرواية في ذلك ما رواه ابن عباس-واعتمده شيخ المحققين، رافع لواء الدفاع عن الملة الإسلامية الحنيفة الشيخ عبد الله بن محمد الهرري الحبشي رضي الله تعالى عنه- وهي: أنه لما علم المسيح أن هناك من يريد أن يغتاله، جمع أصحابه فسألهم: من يريد أن يلقى عليه شبهي فيكون رفيقي في الجنة، فرفع أصغرهم يده وقال: أنا يا رسول الله وكلمة الله" وأعاد صلى الله عليه وسلم طلبه ثانية، فرفع هو نفسه وقال له: اجلس، وفي الثالثة كذلك، فقال حينئذ: أنت إذا هو" ثم ألقي الشبه عليه.
ثم اختلف هولاء الأصحاب فقال بعضهم بعد ما سمعوا مقالة اليهود الذين دخلوا البيت الذي كان فيه المسيح ثم شاهدوا شخصا مصلوبا: هو إله لا يصح قتله، وقال بعضم: إنه قتِل وصلِب، وقال بعضهم: إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟ وإن كان هذا صاحبَنا فأين عيسى؟، وقال بعضهم: رفع إلى السماء، وقال بعضهم: الوجه وجه عيسى والبدن بدن صاحبنا، فتبددت آراؤهم كالعقد المنثور.
فمن هنا بدأ الانحراف العقدي، فعبدوه وقالوا: هو ابن الله، وقالوا غير ذلك من الخرافات، وتعددت فرقهم، بين قائل منهم: له جانب إلهي وجانب بشري" فقالوا: فبالجانب الإلهي كان يبرئ الأكمه وبالجانب البشري تألّم وقُتل، وغير ذلك من الأباطيل التي تمجها أسماع الموحدين، سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم فاشهد أنا بريئون منه، وسيأتي في طيات هذا البحث بيان فرقهم مع أقوالهم والرد عليهم إن شاء الله تعالى.
فحاصل القول إن النصرانية دين محرَّفٌ كَفَرَ أهله بالله العظيم، ورسوله الكريم، ويسمون النصارى كما سماهم الله ورسوله والمؤمنون.