قول النصارى بالأقانيم الثلاثة:
تعريفها وشبهتهم وبيان بطلانها
النصارى يزعمون كما سبق بيانه بأن الله ذو ثلاثة أقانيم الأب، والابن، والروح القدس، وسنبين مرادهم بكل واحد من هذه الأقانيم ونبين بطلانه.
أ- الأقنوم الأول: الأب.
يراد بالأب عندهم: الذات الإلهية مجردة عن الابن والروح القدس، وهو بمنزلة الأصل والمبدأ لوجود الابن، مع أن هذا لا يعني لديهم أن الأب سبق الابن في الوجود بل الابن أزلي الوجود معه لم يسبق أحدهما الآخر، وليس له عمل عندهم إلا الاختيار والدعوة.
شبهتهم على أبوة الله للمسيح تعالى الله عن قولهم:
وردت كلمة الأب لدى النصارى في العهد الجديد في مواطن عديدة وورد في بعضها نسبة أبوة الله للمسيح، منها ما ورد في إنجيل متى المحرَّف (١٠/٣٢) "فكل من يعترف بي قدام الناس أعترف أنا أيضا به قدام أبي الذي في السموات"، وأيضاً قوله عن وقت القيامة (٢٤/٣٦) "وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بها أحد من ملائكة السموات إلا أبي وحده"، وورد في إنجيل لوقا المحرَّف (٢/٤٩) من كلام المسيح لأمه وزوجها في زعمهم: "فقال لهما: لماذا كنتما تطلبانني ألم تعلما أنه ينبغي أن أكون في ما لأبي"، وورد أيضاً في إنجيل يوحنا المحرَّف (٨/١٩): "فقالوا له أين هو أبوك، فأجاب يسوع لستم تعرفونني أنا ولا أبي لو عرفتموني لعرفتم أبي أيضًا".
_يرد عليهم من عدة أوجه:
أولًا: أن النصارى اعتمدوا في إثبات هذا على ألفاظ وردت في الأناجيل المحرفة الأربعة وغيرها من كتب العهد الجديد، وهذه الكتب كما سبق بيانه لا تصلح أن تكون مستندًا لهذا لأنها كتب غير موثقة، ولم يستطع النصارى أن يثبتوا صحة نسبتها إلى الأشخاص الذين نسبت إليهم فضلًا عن أن ينسبوها إلى المسيح عليه السلام أو إلى الله عز وجل.
كما أن بينها اختلافات عديدة في هذه الألفاظ نفسها، فكلمة (أبي) وردت في "إنجيل متى" زاعمًا أنه من كلام المسيح ما لا يقل عن اثنتي عشرة مرة، ولا تكاد تراها في "إنجيل مرقص"، أما "إنجيل لوقا" فذكرت في موضعين تقريبًا، وأما "إنجيل يوحنا" فوردت فيه فيما يقارب ثمانية عشر موضعًا. مما يدل على أن هذه الكلمة تتبع عقيدة خاصة وفهمًا خاصًّا لدى الكاتب لا يرتبط فيه ولا يلتزم بعبارة المسيح وألفاظه، وإنما يكتبها ويعبر عنها الكاتب وفق عقيدته وتصوره.
ثانياً: أن النصارى لا يعتقدون أن الله أبٌ للمسيح أبوة حقيقية من ناحية أن الأب غير الابن وأنه قبله في الوجود، بل يرون ويعتقدون أن الله تعالى أب للمسيح وهو في نفس الوقت هو هو ليس هو غيره، حيث يقولون إنهما جوهر واحد، ولم يسبق الأبُ الابنَ في الوجود، فهم يستدلون بهذه النصوص على غير ما يقصدون ويعتقدون.
ب_الأقنوم الثاني: الابن:
المراد بالابن عندهم كلمة الله المتجسدة وهو المسيح عليه السلام، ويزعمون أن الابن مساو للأب في الوجود، وأن الأب خلق العالم بواسطة الابن، وأنه الذي نزل إلى الأرض بالصورة البشرية فداء للبشر، وهو الذي يتولى محاسبة الناس يوم القيامة تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا.
شبهتهم على أن المسيح ابن الله تعالى الله عن قولهم:
استدل النصارى على أن المسيح ابن لله بما ورد في الأناجيل من النصوص التي تنسب المسيح ابنًا لله، ومن تلك النصوص ما ورد في إنجيل متى (١٦/١٦) من قول بطرس لما سأله المسيح عن نفسه ماذا يقول الناس عنه قال: " أنت هو ابن الله الحي"، وفي إنجيل يوحنا (١١/٤) ورد على لسان المسيح في زعمهم: "فلما سمع يسوع قال: هذا المرض ليس للموت بل لأجل مجد الله ليتمجد ابن الله".
فبمثل هذه الإطلاقات اعتقد النصارى أن المسيح ابن الله، تعالى الله عن قولهم.
الرد عليهم:
وللرد على النصارى يمكن القول بأن ما أوردوه من أدلة زعموها لا تصلح أن تكون مستندًا لإثبات العقيدة لما يلي:
أولًا: أن كتبهم التي يستندون إليها في هذا هي كتب غير موثقة وغير سليمة من التحريف، وقد سبق بيان هذا.
ثانيًا: أن البنوة التي يزعمها النصارى تختلف عن ظاهر لفظ "ابن الله" الوارد في الأناجيل المحرفة، فالابن في الأصل جزء من الأب ومخلوق من نطفته ويكون الأب سابقًا للابن في الوجود، وما يعتقد النصارى في المسيح لا يتفق مع البنوة الحقيقية، وإنما يزعمون أن الابن هو الأب، وأنه مساوٍ له في الجوهر والوجود والمجد.
ثالثًا: أن هذا الوصف وهو "ابن الله" أطلق على غير المسيح في مواطن كثيرة من أناجيلهم، منها في إنجيل متى (٥/٩) "طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون"، وفي (٥/٤٥) إن المسيح خاطب تلاميذه قائلًا: "وصَلُّوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السموات"، وفي إنجيل يوحنا (١/١٢) فقد ورد عمن وصفوا بأنهم المؤمنون بالمسيح: "وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانًا أن يصيروا أولاد الله أي المؤمنين باسمه، الذين ولدوا ليس من دم ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل بل من الله"، وفي إنجيل لوقا (٢٠/ ٣٦) قال "لأنهم مثل الملائكة وهم أبناء الله أبناء القيامة".
وورد وصف يعقوب وبنيه بذلك ففي سفر الخروج (٤/٢٢) أن الله خاطب موسى قائلًا له "فتقول لفرعون هكذا يقول الرب: إسرائيل ابني البكر، فقلت لك أطلق ابني ليعبدني"، وكذلك ورد في سفر إشعياء (٤٣/٦) "ائت ببني من بعيد وببناتي من أقصى الأرض"، والنصارى لا يقولون إن بني إسرائيل والحواريين أبناء الله.
رابعًا: إن المسيح عليه السلام قد دلت الأدلة الكثيرة على بشريته وأنه رسول الله، بل أوردت الأناجيل المحرَّفة وصفَهُ بأنه ابن الإنسان وابن داود وغير ذلك من الأوصاف الدالة على بشريته، ومن ذلك ما ورد في إنجيل متى (٨/٢٠) "فقال له يسوع: للثعالب أوجرة، ولطيور السماء أوكار، وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه"، وفي إنجيل مرقص (٢/٢٨) "ابن الإنسان هو رب البيت أيضًا".
وفي إنجيل لوقا (٧/٣٤) من كلام المسيح لليهود "جاء ابن الإنسان يأكل ويشرب فتقولون هو ذا إنسان أكول شريب خمر محب للعشّارين والخطاة"، وفي إنجيل يوحنا (١/٥١) "الحق أقول لكم من الآن ترون السماء مفتوحة وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن الإنسان".
فورد وصفه بأنه ابن الإنسان في ثمانية وستين موضعا تقريبًا في الأناجيل الأربعة المحرفة، أما ما ورد وفيه إطلاق (ابن الله) عليه فقد ورد في ثلاثة وعشرين موضعا تقريبًا في الأناجيل الأربعة، منها أربعة مواضع فقط التي ورد فيها هذا الوصف على أنه من كلام المسيح، أما الباقي فليس من كلام المسيح بل بعضه من كلام إبليس والشياطين، فكيف يترك المعنى الظاهر الواضح الذي تؤيده النصوص الكثيرة والواقع، والذي يتفق مع العقل إلى ما تعارضه النصوص ولا يتفق مع العقل.
جـ- الأقنوم الثالث: الروح القدس:
وهو عندهم مساو للأب والابن في الذات والجوهر والطبع، وهو في كلامهم روح الله الذي يتولى تأييد أتباع المسيح وتطهيرهم، وقد استدلوا على قولهم بألوهية الروح القدس بأن الكتاب المقدس لديهم وَصَفَ الروح القدس بصفات لا يوصف بها إلا الله عز وجل، فدَلَّ هذا عندهم على ألوهيته.
وللرد عليهم نقول:
ليس في الأناجيل المحرفة أي عبارة تدل على المعنى الذي يدعونه في الروح القدس وهو الألوهية، فقد ورد اسم الروح القدس في حمل مريم بالمسيح عليه السلام في إنجيل متى (١/١٨) "لما كانت مريم مخطوبة ليوسف قبل أن يجتمعا وجدت حبلى من الروح القدس".
وروح القدس في هذه القصة المراد به جبريل عليه السلام كما فسره بذلك لوقا في إنجيله (١/٢٦): "وفي الشهر السادس أُرسل جبرائيل الملاك من الله إلى مدينة الجليل اسمها ناصره إلى عذراء مخطوبة لرجل من بيت داود اسمه يوسف واسم العذراء مريم"، فعلى هذا التفسير يكون روح القدس المراد به جبريل عليه السلام.
ومما ورد لديهم في هذا ما ورد في إنجيل يوحنا: "فمما قالوا فيه (١٦/١٢): "وأما متَى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية"، فهذا فيه دلالة واضحة على أن الموصوف بأنه روح الحق شخصية مستقلة، وهو مبلغ لرسالة أوكل إليه تبليغها، فليس فيه ما يدل على ألوهيته ولا أنه جزء من الإله، وإلا للزم أن يكون الأنبياء آلهة أيضًا، لأنهم يعلمون كل ما علمهم الله به ويخبرون عن أمور آتية مستقبلة.
أما ما أوردوه من إنجيل متى (٢٨/١٩) أن المسيح قال لتلاميذه بعد قيامته: "فاذهبوا وتَلمِذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الأب والابن والروح القدس"، فهذا النص لم يذكره إلا صاحب إنجيل متى وهو إنجيل غير موثق وغير ثابت النسبة إلى متى الحواري، فمن هذا كله يتضح لنا أن عقيدة النصارى التثليث ليس لها أدلة تثبت صحتها، كما أن كل أقنوم من أقانيم الثالوث لا يوجد له أدلة تثبت مفهومهم له، وهذا كله مما يجعل التثليث كله قائم على دعاوى لا دليل عليها، ولا مستند لها شرعي ولا عقلي.
قال الشيخ رحمت الله الهندي في تفنيد التثليث:
مقدمة. أما المقدمة ففي بيان اثني عشر أمرًا تفيد الناظر بصيرة في الفصول.
(الأمر الأول): أن كتب العهد العتيق ناطقة بأن الله واحد أزلي أبدي لا يموت، قادر يفعل ما يشاء ليس كمثله شيء لا في الذات ولا في الصفات، بريء عن الجسم والشكل، وهذا الأمر لشهرته وكثرته في تلك الكتب غير محتاج إلى نقل الشواهد.
(الأمر الثاني): أن عبادة غير الله حرام، وحرمتها مصرحة في مواضع شتى من التوراة مثل الباب العشرين والرابع والثلاثين من سفر الخروج، وقد صرح به في الباب الثالث عشر من سفر الاستثناء أنه لو دعا نبي أو من يدّعي الإلهام في المنام إلى عبادة غير الله يقتل هذا الداعي، وإن كان ذا معجزات عظيمة، وكذا لو أغرى أحدٌ من الأقرباء أو الأصدقاء إليها يُرْجَم هذا المُغْري ولا يرجم عليه، وفي الباب السابع عشر من السفر المسطور أنه لو ثبتت على أحد عبادة غير الله يُرْجَم رجلاً كان أو امرأة اهـ.
ثم قال: إبطال التثليث بالبراهين العقلية
(البرهان الأول): لما كان التثليث والتوحيد حقيقيين عند المسيحيين، فإذا وجد التثليث الحقيقي لا بد من أن توجد الكثرة الحقيقية أيضًا، ولا يمكن بعد ثبوتها التوحيد الحقيقي وإلا يلزم اجتماع الضدين الحقيقيين.
فالقائل بالتثليث لا يمكن أن يكون موحدًا لله تعالى، والقول بأن التثليث الحقيقي والتوحيد الحقيقي وإن كانا ضدَّين حقيقيين في غير الواجب لكنهما ليسا كذلك فيه سفسطة محضة، فإن الواحد الحقيقي جزء الثلاثة، فلو اجتمعا في محل واحد يلزم كون الجزء كلًّا والكل جزءًا، وهو باطل.
وعلى قول النصارى الأقانيم بينها امتياز، فإذا ثبت الامتياز الحقيقي بين الأقانيم فالأمر الذي حصل به هذا الامتياز إما أن يكون من صفات الكمال أو لا يكون، فعلى الشِّق الأول لم يكن جميع صفات الكمال مشتركًا فيه بينهم، وهو خلاف ما تقرر عندهم أن كل أقنوم من هذه الأقانيم متصف بجميع صفات الكمال، وعلى الشق الثاني فالموصوف به يكون موصوفًا بصفة ليست من صفات الكمال، وهذا نقصان.
قال الفخر الرازي في تفسيره ذيل تفسير سورة النساء: "واعلم أن مذهب النصارى مجهول جدًّا" ثم قال: "لا نرى مذهبًا في الدنيا أشدّ ركاكة وبعدًا من العقل من مذهب النصارى" وقال في تفسير سورة المائدة: "ولا نرى في الدنيا مقالة أشد فسادًا وأظهر بطلانًا من مقالة النصارى".