الفداء:

هو اعتقاد النصارى أن موت المسيح كان كفارة لخطيئة آدم التي انتقلت إلى أبنائه بالوراثة.

- شبهة النصارى في الفداء

يزعم النصارى أن مستندهم في ذلك كتابهم، ونورد فيما يلي بعض النصوص التي يستدل بها النصارى لهذه العقيدة منها:

١) قال في يوحنا (١٠/١١) "أنا هو الراعي الصالح، الراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف".

٢) قال في يوحنا (٣/١٦) أيضا"لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية".

٣) قال في مرقص (١٠/٤٥) " إن ابن الإنسان لم يأت ليُخْدَمْ بل ليَخْدِمْ وليبذل نفسه فدية عن كثيرين".

- في رسالة يوحنا الأولى (٣/١٦) " بهذا أظهرت المحبة أن ذاك وضع نفسه لأجلنا".

- قال بولس في رسالته لكورنثوس (١/١٥/٣) "مات من أجل خطايانا حسب الكتب".

وقال في رسالته لأهل أفسس (٢/١٦) " أسلم نفسه لأجلنا قربانا وذبيحة لله رائحة طيبة".

- بيان بطلان كلامهم في الفداء:

الأدلة التي أوردها النصارى لا قيمة ولا اعتبار لها في مسألة الفداء لأن الاستدلال بما ورد في الكتب يكون إذا ثبتت صحة تلك الكتب وسلامتها من التحريف، وقد سبق بيان حال هذه الأناجيل المحرفة وأن النصارى لا يملكون أدلة لثبوتها، ومثلها في الضعف الرسائل الملحقة بها، وبولس الذي كثر كلامه عن الفداء في رسائله كلامه غير مقبول، لأنه لم يشاهد المسيح، ولم يسمع كلامه، فما ذكره لم يسنده عن الحواريين ولم يبين مصدره فيه فهو من نفسه.

وحقيقة قولهم في الفداء هو: أنهم اخترعوا هذه الفرية وادعوها بدون دليل من شرع أو عقل حتى يبرروا قضية الصلب التي اعتقدوها وآمنوا بها، ويرفعوا عن المسيح تلك السبة الشنيعة التي تَلحقه بالصلب وهي اللعن، فادعوا أن الصلب هو الشرف الحقيقي وهو الهدف الأسمى من رسالة المسيح، وأنه لولا الصلب ما جاء المسيح، فأخذوا يدندنون حول هذا الأمر ويبحثون له عن الأوجه التي تجعله في حيز المقبول والمعقول، إلا أن كلامهم في الحقيقة يزيد الأمر تعقيدًا وإرباكا للقارئ والسامع.

وإليك مقتطفات من كلامهم ففي كتاب "المسيحية الأصيلة" حيث افتتح الكلام عن معنى الصليب بقوله: "ولكن لا أجسر أن أتناول الموضوع (يعني معنى الصلب) قبل أن أعترف بصراحة بأن الكثير منه سوف يبقى سرًّا خفيًّا، ذلكم لأن الصليب هو المحور الذي تدور حوله أحداث التاريخ، وياللعجب كيف أن عقولنا الضعيفة لا تدركه تمامًا، ولابد أن يأتي اليوم الذي فيه ينقشع الحجاب، وتحل كل الألغاز ونرى المسيح كما هو".

ثم يقول في آخر الكلام بعد فلسفة مطولة استغرقت عشر صفحات "ومن المدهش أن هذه القصة الخاصة بيسوع ابن الله الذي حمل خطايانا ليست محبوبة في عصرنا الحاضر، ويقال عن حمله خطايانا ورفعه قصاصها عنا: إنه عمل غير عادل وغير أدبي وغير لائق ويمكن تحويله إلى سخرية وهزء" ثم قال: "فكيف يمكن أن يكون الله في المسيح بينما جعل المسيح فداء لأجلنا؟. هذا ما لا أستطيع أن أجيب عنه، ولكن الرسول عينه يضع هاتين الحقيقتين جنبا إلى جنب، وأنا أقبل الفكرة تمامًا كما قبلت أن يسوع الناصري هو إنسان وإله في شخص واحد، وإن كانت تبدوا ظاهريا على شيء من التناقض، لكني أراه في عمله كما أراه في شخصه، وإن كنا لا نستطيع أن نحل هذا التناقض أو نفك رموز هذا السر فينبغي أن نقبل الحق كما أعلنه المسيح وتلاميذه بأنه احتمل خطايانا بمعنى أنه احتمل قصاص الخطية عنا كما تعلمنا الكتب" اهـ.

وإننا لنعجب غاية العجب من هذا الاعتراف بعدم معقولية هذه العقيدة ثم الإصرار عليها، فهذا غاية الضلال والانحراف، وكان الأولى بهم أن يدركوا بطلان ما اعتمدوا عليه لإثبات هذا، فإن تلك المصادر أساس الانحراف والضلال الذي يوجد لدى النصارى سواء في ذلك الأناجيل المحرفة أو الرسائل الملحقة بها، ولكن يزول عجبنا إذا علمنا أن ما عليه النصارى من انحراف وضلال إنما هو باعتبارهم صيغة محسنة من الوثنيات السابقة فرأى النصارى أنها شيء جميل بالنسبة لما كانوا عليه من الوثنيات، وما عرفوا الإسلام وما فيه من الحق والجمال والانسجام والوضوح الذي يبعث في النفس الطمأنينة والراحة لما هي عليه من عقيدة.

بيان بطلان دعوى النصارى في الصلب والفداء إضافة لما سبق

إن دعوى الصلب والفداء مناقضة في الحقيقة للشرع والعقل فمما يبين ذلك ويدل على بطلان دعواهم إضافة لما سبق أن يقال لهم:-

- إن آدم عليه السلام الذي يزعمون أن الصلب والفداء كان لأجل خطيئته قد تاب من خطيئته بقوله عز وجل {ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} طه (١٢٢) وقد قبل الله توبته.

كما أورد اليهود في كتابهم أن الله قال لآدم " لأنك يوم تأكل من الشجرة موتا تموت" سفر التكوين (٢/١٧) ، وقد وقع هذا لآدم بعد الأكل من الشجرة بإخراجه وزوجته من الجنة إلى الأرض ثم موتهم فيها، فقد عوقبا بذلك، كما ينص اليهود على إخراجهما من الجنة إلى الأرض التي فيها الكد والتعب، فمن أين أتى النصارى بفرية خطيئة آدم، وأحيوها هذا الإحياء.

- إن ما وقع من آدم عليه السلام هو أكله من الشجرة بإغواء الشيطان له وهذا ذنب منه في حق الله عز وجل الذي نهاه عن الأكل منها، فالذنب بهذا لم يكن يلزم للتكفير عنه أن يقال بالمحال وهو صلب الرب على الصليب، بعد أن يُهان ويُذل من أجل أن يرضي نفسه، بل الأمر يكفي فيه قبول التوبة ومغفرة الذنب فقط، وهذا الذي وقع كما نص على ذلك القرآن الكريم.

- إن ما وقع من آدم عليه السلام صغيرة، ووقع من كثير من أبنائه فظائع كسب الله عز وجل والاستهزاء به، وعبادة غيره جل وعلا، والإفساد في الأرض بالقتل، ونشر الفساد والفتن، وقتل الأنبياء إلى غير ذلك، فهذه أعظم بكثير من خطيئة آدم عليه السلام، فعلى كلام النصارى أن الله لابد أن ينزل كل وقت ليصلب حتى يجمع بين عدله ورحمته في زعمهم.

- إن الأنبياء السابقين ليس فيهم من ذكر خطيئة آدم وسأل الله أن يغفرها له، مما يدل على أنها من مخترعات النصارى.

- إن الأنبياء السابقين وعباد الله الصالحين كلهم هالكون إذ لم تكفر عنهم تلك الخطيئة، لأنه لا يتم تكفيرها إلا عن طريق المسيح المصلوب في زعم النصارى.

- إن بين آدم وعيسى عليهما السلام زمنًا طويلًا، فمعنى ذلك أن الله بقي متحيرًا كل هذه المدة إلى أن اهتدى إلى الوسيلة التي يعقد المصالحة فيها بين الناس ونفسه.

- إن الخطيئة وقعت من آدم عليه السلام فلا تنتقل إلى أبنائه ولا يستحقون هم العقوبة عليها، لأنه لا أحد يعاقب بذنب غيره وهذا ينافي العدل الذي توجبه النصارى، وقد نص الله عز وجل على هذا في القرآن الكريم بقوله: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} النجم آية (٣٨) وكذلك ورد في التوراة المحرفة "لا يقتل الآباء عن الأولاد ولا يقتل الأولاد عن الآباء كل إنسان بخطيئته يقتل" سفر التثنية (٢٤/١٦) .

- هل يعاقب غير المذنب؟ والمسيح في زعم النصارى ابن الله، فهو ليس من جنس بني آدم فكيف يعاقب بدلًا عن آدم وذريته، ودعواهم أنه تقمص الجسد البشري لا يزيل هذه الحقيقة لأنه ليس من جنس البشر حسب كلامهم.

- إن المسيح في زعم النصارى ابن الله فأين الرحمة التي جعلت الله في زعمهم يشفق على عبيده وخلقه ويترك ابنه للعذاب والبلاء والإهانة واللعن والموتة الشنيعة.

- في زعم النصارى أن المسيح هو ابن الله وهو الله وأنه المصلوب المهان الملعون_تعالى الله عن قولهم وتقدس هو الله جل جلاله وتقدست اسماؤه_ فهل يوجد كفر أعظم من هذا، وافتراء على الله أكبر من هذا، {سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} الأنعام آية (١٣٩) .

وصدق الله القائل: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} فاطر (٨) .

وفي ختام الكلام على هذه العقيدة الباطلة لابد من الإشارة إلى أن الديانة النصرانية كلها تقوم على مسألة الصلب، وأن الدعوة إلى النصرانية تقوم على هذه الدعوى التي يركزون عليها تركيزًا شديدًا، وهي مسألة: الصلب والفداء، وذلك بإيحائهم للناس أنهم هالكون مردودة عليهم أعمالهم مغضوب عليهم منذ ولادتهم وقبل أن يولدوا، مما يجعل الإنسان الجاهل بحقيقة الأمر يحس بثقل عظيم على كاهله من تلك الرزية والخطيئة التي لم يكن له دور فيها، ثم إنهم بعد أن يوقعوا الإنسان فريسة الشعور بالذنب والخطيئة، والخوف من الهلكة، يفتحون له باب الرجاء بالمسيح المصلوب، فيزينون له ذلك العمل العظيم الذي قام به المسيح لأجل الناس ويدعونه إلى الإيمان به، فإذا كان ممن لم يتنور عقله بنور الهداية الربانية ونور الإسلام يجد أن هذه هي الفرصة العظيمة التي يتخلص بها، وما علم المسكين أن الأمر كله دعوى كاذبة وخطة خبيثة للإيقاع به وأمثاله.

قال الشيخ صالح الجعفري في"تخجيل من حرف التوراة والإنجيل":

المسألة الثامنة من العشر المفحمات:

إنا نسألهم عن آدم عليه السلام، هل استرجع وتاب وأقلع وأناب أم لا؟، فإن زعموا أن آدم لم يتب، أكذبتهم الكتب التي بأيديهم، فإنها مصرحة بأنه حين أسف وندم لجأ إلى الله وتاب الله عليه، وإن اعترفوا بتوبته - ولا بُدَّ لهم من ذلك - قيل لهم: فلا حاجة إذًا إلى قتل المسيح وصلبه إذ التوبة [تمحو] الجريرة، ولا تدع على التائب صغيرة ولا كبيرة.

فإن قالوا: إنه لا بُدَّ من قتل المسيح، فالتوبة لا أثر لها بل حال التائب بعد التوبة النصوح حاله قبل التوبة في ملابسة القبيح، فالقول بصحّة التوبة ينفي القول بالقتل والصلب، والقول بالقتل والصلب ينفي صحّة التوبة اهـ.

ثم قال: ثم نقول: أليس إسرائيل عندكم في التوراة المحرفة هو بكر الله، والبِكْرُ أولى وأفضل عند أبيه من غير البكر، فهلا فداه به ولم يدع الناس في العذاب إلى حين مجيء المسيح؟.

ثم نقول: إن المسيح عند طائفة منكم هو الله الأزلي، وعند أخرى هو ابن الله، فكيف يستقيم أن يقتل الله نفسه أو ابنه بدلاً عن عبده؟، {الله يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوتِهَا} [سورة الزمر، الآية: ٤٢]، فكيف يتوفّى نفسه، فيتّحد القاتل والقتيل فيكون قاتلاً قتيلاً؟.

ثم نقول: أرأيتم لو أنّ رجلاً أمر عبده بأمر فخالفه فغضب عليه وتوعده، فخافه العبد وأشفق من عقوبته، وراجع خدمته وشمّر في مرضاته فعطف عليه مولاه فرحمه، ثم عمد إلى ولد نفسه فقتله وصلبه على أعلى جذع، ثم التفت إلى عبده فقال: هذا فداؤك، أكنتم تعدونه حكيمًا؟.

ثم نقول: ألستم رويتم عن توراتكم أن الله كان قد فدى ولد عبده إبراهيم بذبح عظيم؟، فإذا قالوا: بلى، قلنا لهم: أفكان ولد عبده أزكى لديه وأعزّ عليه من ولده المسيح أم تقولون: إنه أعوزته الغنم فلم يقدر على رأس يذبحها ويريح العالم من الفتنة؟

وقد حكيتم لنا: "أن ملك يهوذا مرض، فأوحى الله إلى أشعيا عليه السلام أن قل لحزقيا يوصي فإنه ميت من علته هذه، فدخل إليه أشعيا عليه السلام وأخبره بوحي الله، فاستقبل [حزقيا] الجدار وبكى وتضرع إلى الله تعالى، فنزل الوحي على أشعيا قبل خروجه من الدار وقال: قل [لحزقيا] إنك تعافى من علتك هذه، وتنزل إلى الهيكل بعد ثلاثة أيام، وقد زيد في عمرك خمس عشرة سنة".

وإذا كان هذا وشبهه غير مستحيل عند النصارى، فما الذي أحاله في حقّ المسيح، وقد تضرع إلى الله غير مرّة في صرف كأس المنية عنه كما شهد به الإنجيل؟ والمسيح لا ترد له عندهم دعوة، فلعل الله تعالى قد أجاب دعاءه، ورحم نداءه وحال بين اليهود وبين ما أرادوا منه.

ثم نقول لهم: ألستم تزعمون أن المسيح إنما تجشَّم ونزل من السماء لخلاص معشر الناس كما عقدتم في الأمانة التي لكم؟، فإذا قالوا: بلى، قلنا لهم: فما قولكم فيمن مات قبل نزوله عليه السلام؟!، وكيف الطريق إلى بلوغ دعوته إليهم؟، فإن قالوا: تعذّر تلافي أمره وفات استدراكه بموته، قلنا لهم: جوَّرتم المسيح ونسبتموه إلى الظلم والحيف حيث لم ينْزل لخلاصهم قبل موتهم، فلِمَ أخَّر ذلك حتى اخترموا على الكفر والضلال؟، وكيف صار الأحياء أحقّ برحمة المسيح عندكم من الأموات؟

ثم يقال للنصارى: إذا قلتم: إن ربّكم المسيح قد مات ثم عاش، فَمن الذي أحياه بعد إماتته؟، فإن قالوا: هو أحيا نفسه، فنقول لهم: هل أحياها وهو حيّ أو أحياها وهو ميّت، والقسمان باطلان على ما لا يخفى.