بسم الله الرحمن الرحيم
متن العقيدة الطحاوية
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين وبعد لله تعالى.
هذا أيها الأحبة حل ألفاظ العقيدة الطحاوية وهذه العقيدة الطحاوية عقيدة السلف الصالح عقيدة الصحابة ومن تبعهم بإحسان إلى يومنا هذا، مؤلفها العلامة أبو جعفر أحمد بن سلامة الطحاوية.
يقول الإمام أحمد بن جعفر بن سلامة الطحاوي المصري المولود سنة مئتين وتسعة وعشرين والمتوفى سنة 321 رحمه الله.
قال العلامة حجة الإسلام أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي رحمه الله:
هذا ذِكْرُ بَيَانِ عَقِيدَةِ أهْلِ السُّنَّةِ والجَمَاعَ، أي ما أذكره هنا هو عقيدة أهل السنة والجماعة، وأهل السنة هم الصحابة ومن تبعهم في المعتقد أي أصول الاعتقاد وأما الجماعة فهم جمهور الأمة، أي معظمهم، لأن الجمهور ثبتوا على ما كان عليه الصحابة من حيث المعتقد، قال على مَذْهَبِ فُقهاءِ المِلّةِ: أي ملة الإسلام، أي أضع هذه الرسالة على أسلوب هؤلاء الأئمة الثلاثة أي متبعًا طريقتهم ومختارًا لعباراتهم في البيان والإفصاح، أبي حَنِيفَةَ النُّعْمَانِ بْنِ ثَابِتٍ الكُوفِيّ، وهو الإمام المجتهد ولد سنة 80 للهجرة وتوفي سنة 150 يعني في السنة التي ولد فيها الإمام الشافعي رضي الله عنهما،
وأبي يوسُف يَعْقُوبَ ابْنِ إبْرَاهِيمَ الأنْصَارِيّ، وهو الإمام المجتهد أكبر تلاميذ أبي حنيفة توفي سنة 282 للهجرة وأَبِي عَبْدِ الله مُحمدِ بْنِ الحَسَنِ الشَّيْبَانِيّ، وهو الإمام المجتهد تلميذ أبي حنيفة رضي الله عنهما توفي سنة 189 للهجرة رضوَانُ الله عَلَيْهِمْ أجْمعينَ وما يَعْتَقِدُونَ أي ما يعتقده أهل السنة مِنْ أُصُولِ الدّينِ، ويَدينُون بِهِ لِرَبّ العَالَمِينَ. أي يتخذونه دينًا ويطلبون به الجزاء من الله مالك العالمين أي مالك كل ما دخل في الوجود.
وهذا العلم علم التوحيد يسمى علم العقيدة ويسمى علم الأصول وسماه الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه الفقه الأكبر أي أنه العلم المقدم على سائر العلوم على علم الأحكام لأن علم العقيدة لا يستغني عنه أي مكلفٍ ومن فسدت عقيدته لم ينفعه عمل، ومن صلحت عقيدته ومات على العقيدة الصحيحة مهما كان مذنبًا لا بد في النهاية أن يدخل الجنة ويخلد فيها.
يقول الإمام الطحاوي رحمه الله: نَقُولُ في تَوْحِيدِ الله مُعْتَقِدِينَ بتَوْفِيقِ الله: أي نقول في شرح وبيان اعتقادنا في توحيد الخالق سبحانه، إنَّ الله وَاحِدٌ لا شَرِيكَ لهُ في ذاته ولا في صفاته ولا في فعله، وَلا شَيْءَ مِثْلُهُ، أي لا يوجد شيء يشابهه من جميع الوجوه ولا من بعض الوجوه، فلا يوجد ذاتٌ مثل ذاته، نحن ذاتنا حجم هذا الحجم الذي نحن عليه،
أما ذات الله فمعناه حقيقة الله الذي لا يشبه الحقائق وليس لغيره صفةٌ كصفته أو فعلٌ كفعله، نحن فعلنا بالمباشرة نحن نباشر الشيء حتى نعمل فيه، نباشر آلة ثم نعمل بهذه الآلة أو نباشر شيئًا حتى نعالجه هكذا فعلنا أما فعل الله تعالى فهو صفته في الأزل والمفعول حادث، كذلك صفات الله ليست كصفات غيره علمنا مثلًا حادثٌ مخلوقٌ طرأ لنا بعد أن لم يكن فينا هذا العلم وعلمنا يزداد وينقص،
أما علم الله صفته في الأزل أحاط بكل شيءٍ علما، لا يزيد علمه ولا ينقص، لا يزيد كماله ولا ينقص علمه أزلي أبدي لا يخفى عليه شيء فصفات الله ليست كصفات الخلق، الله خلق هذا الخلق هذا العالم خلق الأجرام الكثيفة كالإنسان والشجر والحجر واللطيفة كالروح والريح والملائكة والجن وخلق لهذه الأحجام لهذه الأجرام صفات، فصفات الله ليست كصفات خلقه، ولا شَيْءَ يُعْجِزُهُ، وفي هذا ردٌ على المعتزلة القائلين بأن الله كان قادرًا على خلق حركاتنا وسكناتنا قبل أن يعطينا القدرة عليها فلما أعطانا القدرة عليها صار عاجزًا عنها وهذا من أشنع الكفر والعياذ بالله قال الله تعالى {قل الله خالق كل شيء} قال الله تعالى {والله خلقكم وما تعملون} وقال تعالى {هل من خالق غير الله} أي لا خالق إلا الله،
الله خلقنا وخلق أعمالنا وخلق قدرتنا وخلق صفاتنا خلق كل شيء سبحانه وتعالى. ولا إلهَ غَيْرُهُ. أي لا خالق سواه وقيل لا معبود بحقٍ إلا هو أي لا يستحق أحدٌ أن يعبد أي أن يتذلل له نهاية التذلل إلا الله لأن الإله في أصل اللغة المعبود بحقٍ وهو الله، فلا يجوز إطلاقه على غير الله، قَديمٌ بِلاَ ابْتَداءٍ، فلم يسبق وجوده عدم أي أن الله موجودٌ لا بداية لوجوده قال الله تعالى {هو الأول} وفي علم البيان إذا أراد العرب أن يخصصوا شيئًا يأتون بالمبتدأ والخبر بكل منهما معرفة يريدون بذلك الحصر، قال الله تعالى {هو الأول} هو ضمير والضمائر معرفة، الأول معرّف بأل فيكون المعنى لا أول بمعنى لا شيء لا ابتداء لوجوده إلا الله،
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه البخاري والبيهقي وابن الجارود وغيرهم كان الله ولم يكن شيءٌ غيره أي كان الله وحده في الأزل، وفي الأزل لم يكن إلا الله، لم يكن مكانٌ ولا جهاتٌ ولا نورٌ ولا ظلامٌ، ولا إنس ولا جان، لم يكن في الأزل إلا الله والله لا يتغير، لم يزل كما كان في الأزل موجودًا بلا جهة ولا مكان، دَائِمٌ بِلاَ انْتِهَاءٍ، فلا يلحقه عدم ولا شريك لله في الديمومة أي البقاء إلى ما لا نهاية، لأن بقاء الله بقاءٌ ذاتي أي ليس بإبقاء غيره له، لا يَفْنَى ولا يَبِيدُ، والمعنى واحد لكنه جمع بين اللفظين تأكيدًا لدوام بقاءه، ولا يَكونُ إلا مَا يُرِيدُ، أي لا يدخل شيءٌ في الوجود إلا بإرادة الله ومشيئته سواء في ذلك الخير والشر والطاعة والمعصية والكفر والإيمان،
قال الله تعالى {وما تشاؤون إلا أن يشاء الله} الله تعالى جعل للعبد مشيئة حادثة تحت مشيئة الله إن لم يشأ الله تعالى للعبد أن يشاء لا يشاء العبد، إن شاء الله يكون الله تعالى شاء في الأزل لهذا العبد أن يشاء، فمشيئة العباد تحت مشيئة الله سبحانه وتعالى، لا تَبْلُغُه الأوْهَامُ أي لا تصل إليه أوهام الخلائق أي تصوراتهم، انظروا أيها الأحبة يوجد في الخلق ما لا يبلغه وهمك لا تستطيع أن تتصوره، فكيف يطلب الإنسان أن يتصور الخالق سبحانه وتعالى وهو لا يمكنه ذلك، كل إنسانٍ منا يعلم أن الله تعالى خالق كل شيء، وأن الله خلق الضوء خلق النور وخلق الظلام قال تعالى{الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور} وجعل أي خلق،
خلق الظلمات وخلق الأنوار، قبل أن يخلق الله الظلام والنور كان وقتٌ ليس فيه ظلام ولا نور، ولا نستطيع أن نتصور ذلك، ونؤمن جزمًا بأنه كان وقتٌ لا ظلام فيه ولا نور مع كوننا لا نستطيع أن نتصور ذلك، فكيف يطلب الإنسان أن يتصور الخالق، الخالق لا يتصور، لذلك قال لا تبلغه الأوهام وَلَا تُدْرِكُهُ الأفْهَامُ، أي لا تحيط به العقول، أي عقولهم لا تعرف حقيقته، لذلك قال العلماء لا يعرف الله على الحقيقة إلا الله، ولا يُشْبِهُ الأنَامَ، أي لا يشبه الخلق بأي وجهٍ من الوجوه ليس حجمًا ولا يوصف بصفات الأحجام، الحجم يشغل حيزًا من الفراغ هذا الجسم مركب من جوهرين فأكثر، الله خلقه هذا الجسم هذا الجرم هذا الحجم،
يشغل حيزًا من الفراغ، وينتقل من حالٍ إلى حال، الذي خلقه ليس مثله لا يشبهه فإذًا الله ليس حجمًا ليس جسمًا مركبًا لا ينتقل من حالٍ إلى حال، لا يجوز وصف الله بصفات الأحجام، حيٌّ لا يَمُوتُ، أي متصفٌ بحياةٍ أزلية أبديةٍ لا بداية ولا نهاية لها، ليست بروحٍ وجسد، قَيُّومٌ لا يَنَامُ، والقيوم أي الدائم الذي لا يزول وقيل القائم بتدبير خلقه وهو من الأسماء الخاصة بالله لا يسمى به غيره، أي لا يسمى الإنسان بالقيوم كما لا يسمى الإنسان الرزاق أو الرازق أو الخالق أو المحيي أو المميت، ولا يسمى الإنسان الرحمن، ولا يسمى الإنسان بمالك الملك ولا يسمى بهذه الأسماء، هذه أسماءٌ خاصةٌ بالله تعالى، خَالِقٌ بِلاَ حَاجَةٍ،
أي خلق العالم وأحدثه من غير أن يكون له احتياجٌ إليه لجلب منفعةٍ أو دفع مضرة عن نفسه، إنما خلقه إظهارًا لقدرته أي ليكون علامةً على عظيم قدرته، فينتفع من عرفه وعرف أنه تام القدرة لا يعجزه شيء يا أيها الأحبة الله تعالى كماله أزليٌ أبدي، لا يزداد ولا ينقص، يعني لو عبده كل الناس وأطاعوه لا يزداد كمالًا، لو عصاه كل الناس لا ينقص هذا من كمال الله تعالى شيئًا. رَازِقٌ بِلا مؤنَةٍ، أي أنه تعالى يوصل الأرزاق إلى عباده من غير أن تلحقه مشقةٌ أو تعب لأن الله عز وجل يخلق الأشياء بلا جارحةٍ ولا آلةٍ ولا حركةٍ ولا مماسةٍ بشيء، مُمِيتٌ بِلاَ مَخَافَةٍ، أي يميت الأحياء من عباده لا لخوفٍ من أن يلحقه ضررٌ أو أذى إن لم يمتهم إنما يميت من شاء منهم لمقتضى حكمته وإظهارًا لكمال قدرته. بَاعِثٌ بِلا مَشَقَّةٍ، أي يبعث الأموات يوم القيامة من غير أن تلحقه مشقة.
ما زَالَ بِصِفَاتِهِ قَدِيمًا قَبْلَ خَلْقِهِ،أي أن الله تعالى أزليٌ لا بداية لوجوده أي موجودٌ في الأزل بصفاته القديمة قبل خلقه للعباد لأنه لو كان يحدث في ذاته صفةٌ لم تكن في الأزل لوجب أن يكون ذاته حادثًا أي مخلوقا والله تعالى أزليٌ أبديٌ لا تحدث في ذاته صفة. لَمْ يَزْدَدْ بِكَوْنِهِمْ شَيئًا لَمْ يَكن قَبلَهُمْ مِنْ صِفَتِهِ. أي لم يزدد بوجود الخلق شيئًا من صفاته بل صفاته أزليةٌ أبديةٌ لا تزيد ولا تنقص، لذلك أيها الأحبة انتبهوا الله تعالى خلق السموات خلق الأماكن والجهات وخلق العرش، خلق الله للسموات للأماكن للجهات للعرش هذا لا يغير في صفة الله تعالى شيئًا، لأن الله لا يتغير،
أما على مقتضى كلام المشبهة المجسمة الحشوية الذين يقولون إن الله جلس على العرش أو استقر على العرش أو حاذ العرش أو سكن السماء، على مقتضى كلامهم خلق الله للعرش وخلق الله للسماء غيّر في صفته شيئًا وأكسبه صفةً جديدة على مقتضى كلامهم وهي السكون في العرش أو الجلوس عليه أو الاستقرار أو السكنى في السماء وكل هذا لا يجوز على الله محال، وما أدى إلى المحال فهو محال، خلق الله للعرش لا يزيد في صفته شيئًا خلق الله العرش إظهارًا لقدرته ولم يتخذه مكانًا لذاته كما قال سيدنا علي رضي الله عنه، وَكَمَا كَانَ بِصِفَاتِهِ أزَلِيًّا، كَذَلِكَ لا يَزَالُ عَلَيْهَا أبَدِيًّا، أي أن الله تعالى أزليٌ أبديٌ ذاتًا وصفاتٍ لَيْسَ بَعْدَ خَلْقِ الخَلْقِ اسْتَفَادَ اسْمَ الخَالِقِ،
ولا بإحْدَاثِهِ البريَّةَ اسْتَفَادَ اسْمَ الخَالِق، وَلا بإحْدَاثِهِ البريَّةَ اسْتَفَادَ اسْمَ البَارئ. أي لم يحدث لله تعالى صفةٌ بإحداثه البرية أي الخلق فالله تبارك وتعالى خالقٌ متصفٌ بأنه الخالق قبل حدوث الخلق، وبارئٌ قبل حدوث البرية. لَهُ مَعْنَى الرُّبُوبِيَّةِ وَلَا مَرْبُوبَ، ومَعنَى الخَالِقِ ولا مَخْلُوقَ، أي أنه تعالى كان متصفًا بالخالقية والربوبية قبل وجود المخلوقين والمربوبين، يعني في الأزل لم تحدث له صفة الربوبية بوجود المربوبين ولا الخالقية بوجود المخلوقين، وكَمَا أنّهُ مُحْيِي المَوْتَى بَعْدَمَا أحْيا، اسْتَحَقَّ هذا الاسْمَ قَبْلَ إحْيَائِهِم أي أنه تعالى كان متصفًا بالإحياء قبل حدوث الخلق وحدوث الحياة في الموتى لا يقتضي حدوث كونه محييًا لهم،
وكَذَلِكَ اسْتَحَقَّ اسْمَ الخَالِقِ قَبْلَ إنْشَائِهِمْ. أي أنه أن الله مستحقٌ لللاتصاف بكونه خالقا قبل إنشاء الخلق، والمراد بالإنشاء هنا أثره، أي ما يحدث بإنشاء الله، لأن الإنشاء إذا أريد به صفة الله فهو من الصفات الأزلية، كما قال أبو حنيفة رضي الله عنه والإمام البخاري رضي الله عنه فعل الله صفته في الأزل والمفعول حادث، الأثر حادث، وفي قوله ذلك إشارةٌ إلى ما تقدم من الصفات كالإحياء والإيماتة والتخليق، ذَلِكَ بِأَنَّهُ عَلَى كُلّ شيْءٍ قَدِيرٌ، وكُلُّ شَيْءٍ إلَيْهِ فَقِيرٌ، وكُلُّ أمْرٍ عَلَيْهِ يَسِيرٌ، لا يَحْتَاجُ إلى شيْءٍ، يعني أن قدرة الله مؤثرةٌ في كل شيء، في كل ما يقبل الدخول في الوجود وكل ما هو كذلك فهو فقير إلى الله،
أي محتاجٌ إليه في أصل وجوده وبقائه لا يلحقه في إيجاده مشقة ولا يحتاج في ذلك إلى غيره، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}. والمراد بنفي المماثلة عن الله نفي المماثلة من جميع الوجوه والمماثلة من بعض الوجوه وهذه الآية في سورة الشورى هي أعظم وأصرح وأوضح آيةٍ في تنزيه الله تبارك وتعالى عن مشابهة المخلوقين وهذه من الآيات المحكمات {وهو السميع البصير} أي أن الله موصوفٌ بالسمع والبصر فهو تبارك وتعالى يسمع كل المسموعات من غير حاجة إلى أذنٍ أو آلةٍ أخرى سمعه أزلي ويرى كل المرئيات من غير حاجة إلى حدقةٍ أو شعاع ضوء بصره تعالى أزلي.
خَلَقَ الخلْقَ بِعِلْمِهِ، أي على حسب علمه الأزلي لأن الخالق لا بد أن يكون عالمًا بمخلوقه حتى يوجده على حسب ما أراد، وقَدَّرَ لَهُمْ أقْدَارًا، أي قدّر في الأزل مقادير الخلق من الخير والشر، والطاعة والمعصية، والرزق والسعادة والشقاوة ونحو ذلك، وكتب في اللوح المحفوظ ما قدّر حصوله إلى يوم القيامة خلق الله تعالى القلم الأعلى وخلق اللوح المحفوظ وجرى القلم بقدرة الله من غير أن يمسكه ماسكٌ وكتب مقادير الخلائق إلى يوم القيامة، وضَرَبَ لَهُم آجالا، أي قدّر آجال الخلق من البشر والجن وغيره فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون، والأجل عبارةٌ عن وقتٍ يخلق الله فيه الموت، وَلَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ شَيْءٌ قَبْلَ أن يَخْلُقَهُمْ،
وعَلِمَ ما هُمْ عَامِلُونَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُمْ، وأَمَرَهُمْ بِطَاعَتِهِ ونَهَاهُمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ. أي أمر عباده بالطاعة ونهاه عن المعصية امتحانًا واختبارًا ليظهر للعباد المطيع من العاصي على حسب ما سبق في علم الله الأزلي، وكُلُّ شَيْءٍ يَجْرِي بِتَقْدِيرِهِ، ومَشِيئَتِهِ، أي كل ما دخل في الوجود إنما وُجد بتقدير الله الأزلي ومشيئته الأزلية، سواءٌ في ذلك الخير والشر والطاعة والمعصية والكفر والإيمان، ومَشِيئَتُهُ تَنْفُذُ لا مشيئةَ للعبادِ إلا ما شاءَ لَهُمْ أي أن العباد لا يحصل منهم مشيئةٌ إلا أن يشاء الله في الأزل ذلك، فَمَا شَاءَ لَهُمْ كَانَ، أي ما شاء الله لهم أن يفعلوه حصل منهم،
ومَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ. أي ما لم يشأ الله في الأزل حصوله منهم لا يحصل، ويدل على ذلك قوله تعالى {وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين} وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وسُئل إمامنا الشافعي رضي الله عنه عن القدر فقال ما شئت كان وإن لم أشأ وما شئت إن لم تشأ لم يكن خلقت العباد على ما علمت ففي العلم يجري الفتى والمسن على ذا مننت وهذا خذلت وهذا أعنت وذا لم تعن، فمنهم شقي ومنهم سعيدٌ وهذا قبيحٌ وهذا حسن، يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وَيَعْصِمُ ويُعَافي فَضْلًا، أي يهدي من يشاءُ من عباده إلى طاعته ويحفظه عن معصاصيه ويعافيه في نفسه ودينه فضلًا منه،
ويُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ، ويَخْذُلُ ويَبْتَلِي عَدْلا، أي يخلق الضلالة في قلب من شاء من عباده ويترك حفظه ونصرته ويبتليه في نفسه ودينه عدلًا منه لا ظلما، وكُلُّهُمْ يتقلبونَ في مَشِيئَتِهِ بَيْنَ فَضْلِهِ وعَدْلِهِ، أي كل الخلائق يتقلبون في مشيئة الله تعالى، بين فضله إن هداهم، وبين عدله إن أضلهم، وما ربك بظلّامٍ للعبيد، وَهُو مُتَعَالٍ عن الأضْدَادِ والأنْدَادِ، أي منزهٌ على أن يكون له من خلقه من يتصرف على خلاف إرادته كما أنه منزهٌ عن أن يكون له أمثال، لا رَادَّ لِقَضَائِهِ، أي لا يرد قضاء الله رادٌ لأن في رد قضائه إثبات عجزه والعجز على الله محال، والمراد بالقضاء التكوين،
ولا مُعقبَ لِحُكْمِهِ، أي لا يستطيع أحدٌ أن يمنع نفاذ إرادة الله عز وجل ووجود ما شاء الله وجوده، والله غالبٌ على أمره، ولا غالبَ لأمْرِهِ، أي لا أحد يمنع نفاذ مشيئته فهو تعالى يفعل ما يشاء، آمَنَّا بِذَلِكَ كُلِّهِ، وأيْقَنَّا أنَّ كُلًّا مِنْ عِنْدِهِ. أي صدقنا تصديقًا جازما، وأيقنا إيقانًا لا تردد فيه أن كل ما دخل في الوجود من خيرٍ وشر حصل بقضاء الله وإرادته.