والخَيْرُ والشَّرِّ مُقَدَّرَانِ عَلَى العِبَاد. أي أن كل ما دخل في الوجود من خير أو شر فهو بتقدير الله الأزلي قال تعالى {وخلق كل شيء فقدره تقديرا} والاسْتِطَاعَةِ الباطنة وتسمى القدرة الباطنة التي يَجِبُ بِها الفِعْلُ أي التي يقع بها الفعل من العبد منْ نَحْوِ التَّوفِيقِ الَّذِي لا يجُوزُ أن يُوصَفَ المَخْلُوقُ بِهِ فَهِيَ مَعَ الفِعْلِ، أي مقابلة للفعل وهي في الطاعات تسمى توفيقا وفي المعاصي تسمى خذلانا ولا يتعلق بها خطاب الله التكليفي للعباد ويحدثها الله بالعبد مقرونة بالفعل، والتوفيق معناه خلق القدرة على الطاعة فهذا لله تعالى وقال بعضهم التوفيق فتح باب الخير وإغلاق باب الشر وهذا بيد الله تبارك وتعالى وأّمَّا الاسْتطَاعَة الظاهرة أي القدرة الظاهرة فهي مِنْ جِهَةِ الصحَّةِ والوُسْعِ والتَّمكُنِ وَسَلَامَةِ الأسباب الآلاتِ أي كون الحواس التي يتأتى بها الفعل سالمة فَهِي قَبْلَ الفِعْلِ،

أي متقدمةٌ على الفعل وبِهَا أي بوجودها يَتَعَلَّقُ الخِطَابُ، أي خطاب الله التكليفي للعباد أي يكون العبد مكلفًا بالفعل، وهِيَ كَمَا قَالَ تَعَالى {لا يُكَلِّفُ الله نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا}. أي أن الله عز وجل لا يأمر العبد إلا بما في وسعه، فالأمر بالفعل لا بد له من القدرة على الفعل أي لا بد أن يكون الفعل في استطاعة العبد كالقيام في صلاة الفرض للقادر.

وأًفْعَالُ العِبَادِ خَلْقُ الله وكَسبٌ مِنَ العِبَادِ. أي أن أفعال العباد الاختيارية مخلوقة لله لقوله تعالى {والله خلقكم وماتعملون} أي وعملكم وقوله صلى الله عليه وسلم إن الله صانع كل صانعٍ وصنعته، أي إن الله خالق كل عاملٍ وعمله، فليس للعبد من فعله إلا الكسب وعليه يثاب أو يؤاخذ في الآخرة، وهو أي الكسب توجيه العبد قصده أو إرادته نحو العمل أي الاختياري فيخلقه الله عند ذلك وأما الخلق أي الإبراز من العدم إلى الوجود فليس لغير الله، قال الله تعالى {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} أي النفس تنتفع بما كسبته من الخير وتنضر بما اكتسبه من عمل الشر، فالعبد له اختيارٌ وليس مجبورًا فاقدًا للمشيئة كما تقول الجبرية واعتقادهم فاسد،

ولا هو مختارٌ بغير مشيئة الله كما تقول المعتزلة بل هو مختارٌ تحت مشيئة الله فمذهب أهل السنة هو المذهب الوسط العدل لا جبرٌ ولا تفويضٌ الإنسان ليس مجبورًا وليس مستقلًا عن مشيئة الله، ولَمْ يُكَلِّفْهُمُ الله تعالى إلا مَا يُطِيقُونَ، فالله تعالى لم يأمرنا بفعل ما نعجز عنه ولا يُطَيَّقُونَ إلا ما كَلَّفَهُمْ، أي ليس لمخلوقٍ أن يلزمهم إلا ما كلفهم الله به، وهُوَ تَفْسِيرُ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلا بالله نَقُولُ: لا حِيلَةَ لأحَدٍ ولا حَرَكَةَ لأحَدٍ ولا تَحَولَ لأحَدٍ عَنْ مَعْصِيةِ الله إلا بَمَعُونَةِ الله، أي إلا بعصمة الله بحفظ الله ولا قُوَّةَ لأحدٍ على إقَامَةِ طَاعَةِ الله والثَّبَاتِ عَلَيْهَا إلا بتَوفِيقِ الله.

فالعبد مفتقرٌ إلى الله في العصمة عن المعاصي والتوفيق للطاعات، وفسرها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله أي إلا بحفظ الله ولا قوة على طاعة الله إلا بعون الله وقد في الحديث أن لا حول ولا قوة إلا بالله كنزٌ من كنوز الجنة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه ألا أدلك على كلمةٍ هي كنزٌ من كنوز الجنة قال بلى يا رسول الله، قال لا حول ولا قوة إلا بالله، والكنز هو المال يحرز ويدخر أي لينتفع به بعد ذلك وأطلق على الحوقلة بأن أجرها مدخرٌ لقائلها عند الله تعالى، وكُلُّ شَيءٍ يَجْرِي بمَشِيئَةِ الله تعالى وعِلْمِهِ وقَضَائِهِ وقَدَرَهِ.

أي أن أفعال العباد وغيرها مما دخل في الوجود حصل على حسب مشيئة الله وعلمه وقضاءه وقدره، والمشيئة معناها التخصيص، أي تخصيص الممكن العقلي أي ما يجوز عليه العدم والوجود بالوجود بدل العدم، وبصفة دون صفة، والقضاء معناه التخليق أما القدر فمعناه التقدير أي التدبير، غَلَبَتْ مَشِيئَتُهُ المَشيئَاتِ كُلَّهَا، أي لا يتنفذ شيءٌ من مشيئات العباد إلا أن يشاء الله نفوذها فهم يشاؤون لكن لا تتنفذ مشيئاتهم إلا بمشيئة الله، مشيئة الله أزليةٌ لا ابتداء لها، ومشيئة العباد حادثةٌ فهي محتاجةٌ إلى الله في وجودها فلا تحدث مشيئة للعبد إلا على وفق مشيئة الله، والمشيئة هي تخصيص الممكن العقلي ببعض ما يجوز عليه دون بعض،

قال الإمام الشافعي رضي الله عنه ما شئت كان وإن لم أشأ، وما شئت إن لم تشأ لم يكن، خلقت العباد على ما علمت ففي العلم يجري الفتى المسن، على ذا مننت وهذا خذلت وهذا أعنت وذا لم تعن، فمنهم شقيٌ ومنهم سعيدٌ وهذا قبيحٌ وهذا حسن، وغَلَبَ قضَاؤُهُ الحِيَلَ كُلَّهَا. لا ترد حيل العباد ما قضاه الله تعالى لأن حيلهم حادثةٌ لا تحصل ولا توجد إلا بقضاء الله السابق، والحيل جمع حيلةٌ وهي الحذق في تدبير الأمور وجودة النظر والقدرة على دقة التصرف، يَفْعَلُ ما يَشَاءُ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ أبدًا، لأن الظلم يتصور ممن له آمرٌ وناهٍ كالعباد، إذ الظلم هو مخالفة أمر من له الأمر والنهي، والله تعالى ليس له آمرٌ ولا ناهٍ قال الله تعالى {وما ربك بظلّامٍ للعبيد} تَقَدًّسَ عَنْ كل سُوءٍ وحَيْنٍ، أي تنزه عن كل سوءٍ وظلم، فلا يتصور منه الظلم وتَنَزَّهَ عَنْ كُلّ عَيْبٍ وشَيْنٍ أي تنزّه عن كل نقصٍ أي عن كل ما لا يليق به، {لا يُسْألُ عَمَّا يَفْعَلُ وهُمْ يُسْألُونَ}. أي أن الله تعالى لا يعترض عليه.

وَفِي دُعَاء الأحْيَاءِ وصَدَقَاتِهِمْ مَنْفَعةٌ لِلأمْواتِ، أي أن الأموات ينتفعون بدعاء المسلمين واستغفارهم لهم والتصدق عنهم وقراءة القرآن على قبورهم ويدل على ذلك حديث اقرأوا يس على موتاكم، رواه ابن حبان وصححه وحسنه الحافظ السيوطي، وحديث العسيب الرطب الذي شقه النبي صلى الله عليه وسلم اثنين وغرس على قبر النصف وعلى الآخر النصف وقال لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا، رواه البخاري ومسلم، قال الحافظ النووي، استحب العلماء قراءة القرآن عند القبر لهذا الحديث لأنه إذا كان يرجى التخفيف لتسبيح الجريد فتلاوة القرآن أولى وعلى هذا كل أئمة الإسلام سلفًا وخلفًا وخالف الوهابية كعادتهم كل المسلمين وحرموا ذلك والعياذ بالله،

والله تَعَالى يَسْتَجِيبُ الدَّعَواتِ أي لمن شاء الله أن يستجيب له ويَقْضِي الحَاجَاتِ، فليس في العقل ولا في الشرع ما يمنع الميت بقراءة الحي والدعاء له فإن الله تعالى يَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ ولا يَمْلِكُهُ شَيْءٌ، ولا يجري في ملكه إلا ما يشاء وقد حثنا الله تعالى على الدعاء في القرآن وحثنا عليه الرسول عليه الصلاة والسلام في الحديث وهو تعالى قادرٌ على تحقيق الحاجات وإعطاء الداع سؤله ولا غِنَى عَنِ الله تَعَالى أي لا أحد يستغني عن الله طَرفَةَ عَيْنٍ، ومَنْ [زَعَمَ أنَهُ] اسْتَغْنَى عَنِ الله طَرْفَةَ عَيْنٍ فَقَد كَفَرَ وصَارَ مِنْ أهْلِ الحَينِ.

أي صار من الهالكين المعذبين على التأبيد في الآخرة لكونه كان من الكافرين. والله يَغَضبُ ويَرْضَى لا كأحَدٍ مِنَ الوَرَى.أي ليس غضب الله ورضاه كما يغضب المخلوق ويرضى، بل غضبه ورضاه من صفاته الأزلية، والغضب إذا وصف الله به معناه إرادة الانتقام، وليس انفعالًا أو تغيرًا يحدث في النفس، أما غضب المخلوق يحدث عند غليان الدم في القلب، ورضا إذا وصف الله به، فمعناه إرادة الرحمة، ورحمة الله لعباده إسباغ النعم عليهم وليست رقة القلب كما هي في المخلوق.

ونُحِبُّ أصحَابَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، أي من حيث الجملة ولكل منهم مزية من حيث نصرته للنبي صلى الله عليه وسلم وإيمانه به ولا نُفْرِطُ في حُبّ أحَدٍ مِنْهُمْ، أي لا نصفهم بما ليس فيهم في التعظيم فلا نرفعهم فوق مرتبتهم ولا نفضل أحدًا على الأنبياء، ولا نعتقد فيهم العصمة التي في الأنبياء، الله تعالى لا يحب الغلو والغلو هو مجاوزة الحد الذي سُمح به في الشرح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وإياكم والغلو فإن الغلو أهلك من كان قبلكم، ولا نَتَبرَّأ مِنْ أحَدٍ مِنْهُمْ، فننفي عنه الصحبة الثابتة له ونُبْغِضُ مَنْ يَبْغِضُهُمْ وبِغَيْرِ الخَيْرِ يَذْكُرُهُمْ، فمن أبغضهم جملةً أو سبهم جملةً فهو كافر،

أما من سب واحدًا منهم بما لا ليس فيه تكذيبٌ للشرع فلا يكفر، ولا نذْكُرُهُمْ إلا بِخَيْرٍ أي من حيث الإجمال وليس معناه أنه لا ينتقد أحدٌ منهم مطلقا وحُبُّهُمْ دِينٌ وإيمانٌ وإحْسانٌ وبُغْضُهُمْ أي بغض جميعهم كُفْرٌ ونِفَاقٌ وطُغْيَانٌ. والطغيان مجاوزة الحد.

ونُثْبِتُ الخِلافَةَ بَعْدَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم أوَّلًا لأبي بَكْرٍ الصّدِيقِ رَضِيَ الله عَنْهُ، تَفْضِيلًا لَهُ وتَقْدِيمًا عَلَى جَمِيعِ الأُمَّةِ. فيجب تفضيله على سائر أصحابه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الصحابة أجمعوا على إمامته وبايعوه فمن طعن في إمامته فقد طعن في إجماعهم فيكون طعنًا في خبر الله في القرآن، لأن الله تعالى قال {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه} فلو كان في علم الله أنهم ينقلبون خبيثين خائنين محرفين لدين الله ما أخبر الله أنه رضي عنهم، ويدل على حقية إمامته أن الرسول صلى الله عليه وسلم اختاره ليؤم أمته في الصلاة في آخر حياته،

فلما رضيه الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يصلي بهم في مرض وفاته علمنا أنه أهلٌ لأن يتقدم غيره بالخلافة، ثُمّ نثبت الخلافة لِعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رَضِيَ الله عَنْهُ، ثُمَّ لِعُثْمَانَ رَضِيَ الله عَنْهُ، ثمّ لعليٍّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه، وهُمُ الخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ والأئِمَّةُ المُهْتَدُونَ. وإنَّ العَشَرَةَ الذينَ سَمَّاهُمْ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بحديثٍ واحد وبَشَّرَهُمْ بالجَنَّةِ، نَشْهَدُ لَهُمْ بِالجَنَّةِ عَلَى مَا شَهِدَ لَهُمْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، وقَوْلُهُ الحَقُّ، وهؤلاء يسمون العشرة المبشرين بالجنة، وذلك لأن الرسول ذكرهم في حديثٍ واحد،

أبو بكر في الجنة عثمان في الجنة، علي في الجنة، طلحة في الجنة الزبير في الجنة، سعد في الجنة وهكذا إلى آخرهم، وإلا فقد بشر الرسول صلى الله عليه وسلم غيرهم أيضًا بالجنة، وهُمْ أبُو بَكْرٍ الصديق وعُمَرُ بن الخطاب، وعُثْمَانُ بن عفان، وعليٌّ بن أبي طالبة ، وطَلْحَةُ بن عبيد الله، والزُّبَيْرُ بن العوام، وسَعْدٌ بن أبي وقاص، وسَعِيدٌ بن زيدٍ، وعَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ عَوْفٍ، وأبُو عُبَيْدَةُ بنُ الجَرَّاحِ، وهُوَ أمِينُ هذه الأُمَّةِ رَضِيَ الله عَنْهُمْ أجْمَعِينَ. وتخصيص أبي عبيدة رضي الله عنه بصفة الأمانة يقتضي أن تلك الصفة كانت غالبةً عليه وإن كانت الأمانة من صفات غيره من الصحابة، فالنبي صلى الله عليه وسلم خص بعض الصحابة بصفاتٍ كانت الغالبة عليهم وكانوا بها أخص من غيرهم.

ومَنْ أحْسَنَ القَوْلَ في أصْحَابِ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وأزْوَاجِهِ الطَّاهِرَاتِ مِنْ كُلّ دَنَسٍ وذُرّيَاتِهِ المقدَّسِينَ مِنْ كُلّ رِجسٍ فَقَدْ بَرئ مِنَ النّفَاقِ. أي من جمع بين حسن القول في أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وأزواجه الطاهرات من الدنس أي الشين، وأهل البيت المطهرين من الرجس أي الشرك، سالمًا من النفاق، وكان على نهج أهل السنة والجماعة بعيدًا عن أهل الخلاف والبدعة عاملًا بقوله تعالى {ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} وأهل البيت شاملٌ لعلي وفاطمة والحسن والحسين والعباس ونحوهم وشاملٌ أيضًا لنسائه صلى الله عليه وسلم، وأفضلهن خديجة رضي الله عنها ثم عائشة رضي الله عنها،

وتوفي عليه الصلاة والسلام عن تسعٍ منهن، وعُلَمَاءُ السَّلَفِ مِنَ السَّابِقِينَ ومَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ هم أهْلُ الخَيْرِ والأثَرِ، وأهْلُ الفِقْهِ والنَّظَرِ، وتعظيمهم وتوقيرهم من تعظيم دين الله فإنهم خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في تبليغ الشريعة إلى الناس ووجب توقيرهم وتعظيمهم واتباعهم، لا يُذْكَرُونَ إلا بالجَمِيلِ لأنهم أحباب الله، ومَنْ ذَكَرَهُمْ بِسُوءٍ، فَهُوَ عَلَى غَيْرِ السَّبِيلِ، أي سبيل المؤمنين، والسلف هم أهل القرون الثلاثة الأولى قرن الصحابة وقرن التابعين وقرن أتباع التابعين،

أما التابعيّ فهو الذي لقي بعض الصحابة وكان على الإيمان ومات مسلما، ولا نَفَضّلُ أحَدًا مِنَ الأوْلِيَاءِ عَلَى أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، ونَقُولُ نَبِيٌّ واحِدٌ أفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ الأوْلِيَاءِ. لقوله تعالى {وكلًا فضلنا على العالمين} أي أنبياء الله هم أفضل الخلق، قال القرطبي فالنبي أفضل من الولي وهو أمرٌ مقطوعٌ به عقلًا ونقلًا، والصائر إلى خلافه كافر لأنه أمرٌ معلومٌ من الشرع بالضرورية، انتهى كلامه، وفي ذلك ردٌ على من قال بتفضيل بعض الأئمة على الأنبياء، وإنما استحق الولي الولاية باتباعه النبي واقتداءه به وقد قال الله تعالى بعد ذكر جملةٍ من النبيين {وكلًا فضلنا على العالمين} ونؤْمِنُ بِمَا جَاءَ مِنْ كَرَامَاتِهِمْ،

وصَحَّ عَنِ الثقَاتِ مِنْ روَايَاتِهِمْ. أي يجب الإيمان بكرامات الأولياء والكرامة أمرٌ خارقٌ للعادة يظهر على يد المؤمن المستقيم بطاعة الله وهو الولي، وبذلك تفترق عن السحر والشعوذة وتفترق عن المعجزة، لأن المعجزة تكون لإثبات النبوة، وأما الكرامة فتكون للدلالة على صدق اتباع صاحبها لنبي زمانه، ونُؤْمِنُ بأَشْرَاطِ السَّاعةِ الكبرى أي علامات القيامة مِنْ خُرُوجِ الدَّجَّالِ، ونُزُولِ عيسى ابنِ مَرْيَمَ عَلَيهِ السَّلَامُ مِنَ السَّمَاءٍ، وخروج يأجوج ومأجوج ونُؤْمِنُ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِهَا، وخُرُوجِ دَابَّةِ الأرْضِ مِنْ مَوْضِعِهَا.

فتضع للمؤمن علامة على جبهته وللكافر علامة على أنفه، ومن أشراطها دخانٌ يتشر في الأرض يكاد الكافرون يموتون من شدة هذا الدخان ونارٌ تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى المغرب وثلاثة خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، وهي تقع في أوقات متقاربة، ويحتمل أن تقع في آنٍ واحد، بعد خروج الدجال ونزول المسيح من السماء، والخسوف معناه انشقاق الأرض وبلغ من عليها. ولا نُصَدقُ كَاهِنًا وَلا عَرَّافًا أي لا يجوز تصديق الكاهن الذي يخبر عن المستقبل والعراف الذي يخبر عن الضائع والمسروق ولا يجوز دفع المال لهما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أتى عرّافًا أو كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد رواه الحاكم والبيهقي،

فمن اعتقد أن الكاهن أو العراف يعلم الغيب أو شيئًا من الغيب كفر والعياذ بالله، فلا يجوز الإخبار عن المستقبل اعتمادًا على خبر الجن أو على النجوم أو اعتمادًا على النظر في الكف أو فنجان البن، أو اعتمادًا على الأبراج، فهذه الأبراج لا تأثير لها على الإنسان، وهي مجموعةٌ من النجوم كالحمل والأسد والثور والسرطان والميزان، ولا يجوز مَنْ يَدَّعِي شَيْئًا يُخَالِفُ الكَتَابَ والسُّنَّةِ وإجْمَاعَ الأُمَّةِ. ومعنى الإجماع اتفاق مجتهدي أمة محمد على أمرٍ ديني في عصرٍ من العصور، فمن خالف ما اتفق عليه المجتهدون فقوله مردود، ونَرَى الجَمَاعَةَ أي إجماع أهل الحق في الاعتقاد أو الفروع حَقًّا وصَوَابًا، والفُرْقَةَ أي مخالفة الإجماع زَيْغًا وعذَابًا. أي ميلًا عن الحق وسبب للعذاب في الدنيا والآخرة.