وإنَّ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم عَبْدُهُ المُصْطَفى، ونَبِيُّهُ المُجْتَبَى، ورسُولُهُ المُرْتَضى، والمصطفى والمجبتى معناهما واحد وهو المختار، وكذلك المرتضى لكن المصطفى والمجتبى فيهما زيادة مدحٍ على المرتضى، ونبينا محمدٌ صلى الله عليه وسلم نبي رسول، أوحي إليه بشرع جديد وأُمِر بتبليغه،

أما النبي غير الرسول فيوحى إليه باتباع شرع من كان قبله، وكلٌ من النبي الرسول والنبي غير الرسول مأمورٌ بالتبليغ، وإنَّه خاتَمُ الأنبِيَاءِ، أي آخرهم فمن ادعى النبوة بعد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم استقلالًا أو قال هي نبوة ظلية تحت نبوة محمد فهو كافر بتكذيبه القرآن والحديث وإجماع المسلمين، وإمامُ الأتقياء، أي مقدمهم في الآخرة وسيّدُ المُرْسَلِين، أي أفضلهم، وحَبِيبُ ربِّ العَالَمِينَ، أي محبوبه وكُلُّ دَعْوَى نُبُوًّةٍ بَعْدَ نُبُوَّتِهِ صلى الله عليه وسلم فَغَيٌّ وهَوًى.

أي أن من ادعى النبوة بعد نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم فدعواه باطلةٌ لقوله عليه الصلاة والسلام لا نبي بعدي، رواه البخاري والحاكم في المستدرك وهو حديث ثابت، والغي هو الضلال والخيبة وأما الهوى فهو شهوة النفس وميلها إلى الباطل، وهُوَ المَبْعُوثُ إلى عَامَّةِ الجِن وكَافَّةِ الوَرَى أي أنه صلى الله عليه وسلم مرسلٌ إلى كافة الإنس والجن بالحَق والهُدَى أي لبيان طريق الحق والدعوة إليه وبِالنُّورِ والضّيَاءِ. والمراد بالنور القرآن، لأنه يهتدى به.

وإِنَّ القُرآنَ كلامُ الله، معطوفٌ على قوله إن الله واحدٌ والتقدير نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله إن الله واحدٌ وإن محمدٌ عبده المصطفى وإن القرآن كلام الله، مِنْهُ بَدَا أي ظهر بإنزاله على نبيه صلى الله عليه وسلم وليس المراد أنه خرج منه تلفظا كما يخرج كلام أحدنا من لسانه تلفظا بعد أن كان ساكتًا بدليل قوله بلا كَيْفِيةٍ قَولا، أي ليس بحرفٍ ولا صوت ولا لغة، وقوله منه بدا يوهم أن كلام الله حادثٌ لكن الطحاوي نفى بوقله بلا كيفية قولا، أن يكون كلام الله الذاتي حادثا، أي بحرفٍ وصوتٍ ولغة لأن الحرف والصوت واللغة كيفية، وأنزَلَهُ على رَسُولِهِ وَحْيًا، أي أنزله جبريل عليه السلام بأمر الله على سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم قراءةً عليه لا مكتوبًا في صحف،

فإن جبريل عليه السلام أُمر أن يأخذ القرآن الكريم من اللوح المحفوظ، فهو مسطورٌ هناك كسائر الكتب السماوية، وخلق الله صوتًا بحروف القرآن فسمعها جبريل فنزل جبريل عليه السلام بألفاظ القرآن في ليلة القدر، وكانت ليلة الرابع والعشرين من رمضان إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم صار ينزل على سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم بالآيات على حسب الأوامر، وهذه الحروف هي عبارةٌ عن صفة الله، وليست عين الصفة الذاتية التي هي ثابتةٌ لله تبارك وتعالى، فكلام الله الذي هو صفة ذاته ليس حرفًا ولا صوتًا ولا لغة، لأن الحروف يدخلها التعاقب وهذا دليل الحدوث، والأصوات عبارةٌ عن انسلال الهواء واصطكاك الأجرام، وهذا دليل الحدوث واللغة ليست أزلية بل هي حادثة مخلوقة،

فلا يجوز أن تكون صفة الله كصفة الخلق، فهذه الحروف إذًا هي عبارة عن صفة الله، والذي قرأ هذه الحروف على الرسول هو جبريل عليه السلام بدليل قوله تعالى {إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاعٍ ثم أمين} إنه أي القرآن لقول أي مقروء، رسول كريم أي جبريل ذي قوة له قوةٌ عظيمة عند ذي العرش عند خالق العرش، مكين متمكن له درجةٌ عالية، فإذًا جبريل هو الذي قرأ على الرسول وليس الله يقرأ على الرسول كما يقرأ الأستاذ على التلميذ، قول الله تعالى {لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه} يعني أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان حين يقرأ عليه جبريل القرآن الكريم الرسول يقرأ مع قراءته خوف أن ينفلت منه القرآن،

فنزل قول الله تعالى {لا تحرك به لسانك لتعجل به} يعني يا محمد حين يقرأ عليك جبريل القرآن بأمرنا أنصت لقراءته ولا تحرك لسانك مع قراءته خوف أن ينفلت منك، {إنا علينا جمعه وقرآنه} معناه نحن ضمنا لك أن يكون القرآن مجموعًا في صدرك أن تكون حافظًا له، فإذا قرآناه يعني فإذا جمعناه لك في صدرك فاتبع قرآنه فاعمل يا محمد به، وقوله إن القرآن يراد به كلام الله الذي هو صفته،

وأما الهاء في قوله وأنزله فضمير يرجع على القرآن بمعنى اللفظ المنزّل، لأن القرآن له إطلاقان أي له معنيان يطلق على الكلام الذاتي الذي هو صفة الله ويطلق على اللفظ المنزّل وكلاهما يقال له كلام الله، اللفظ المنزل الذي أخذه جبريل عليه السلام من اللوح المحفوظ وليس من تأليفه ونزل به على نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم بأمر الله يقال له كلام الله، لأنه عبارة عن كلام الله الذاتي، ولأنه ليس من تأليف ملك ولا من تصنيف بشر، والوحي إما أن يكون بواسطة الملك أو بالإفاضة على قلب النبي أو بسماع كلام الله الذاتي الأزلي الذي ليس بحرف ولا وصوت ولا لغة كما سمعه موسى عليه السلام لما كان في جبل الطور، طور سيناء، أزال الله عن سمعه الحجاب المعنوي المانع من سماع كلام الله الذي هو موجودٌ أزلًا وأبدًا فسمع موسى كلام الله وفهم منه ما فهم،

وقوله وصدَّقَهُ المُؤْمِنُونَ على ذَلِكَ حَقًّا، وأَيْقَنُوا أنَّهُ كَلَامُ الله تَعالى بالحَقِيقَةِ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ كَكَلامٍ البَريَّةِ، أي أن القرآن يطلق عليه كلام الله حقيقة لا مجازا، وفي ذلك ردٌ على المعتزلة القائلين بأن القرآن سمي كلام الله بطريق المجاز لأنه خالقه فهم لا يعتقدون أن لله كلامًا ذاتيًا أزليًا ليس حرفًا ولا صوتا ولا لغةً لا يبتدأ ولا يختتم وكلامهم باطل، فقد قال الله تعالى {وكلم الله موسى تكليما} أكّد الله تعالى الفعل بالمصدر والعرب إذا أرادت أن تؤكد الفعل على أنه على الحقيقة لا على المجاز تؤكد ذلك بالمصدر، وكلم الله موسى تكليما، والمصدر هو الذي يأتي ثالثًا في تصريف الفعل،

تكلما مصدر فأؤكد الفعل وكلم بالمصدر معناه أن موسى سمع كلام الله تعالى الذي ليس حرفًا ولا صوتًا ولا لغة، وليس شيئًا حادثًا ليس شيئًا مخلوقا، فَمَنْ سَمِعَهُ فَزَعَمَ أنَّه كلامُ البَشَرِ فَقَد كَفَر، أي من سمع القرآن فزعم إنه من تأليف بشرٍ فقد كفر، وقَدْ ذمَّهُ الله وَعَابَهُ وأوْعَدَهُ بسقَرَ أي توعّده بالعذاب الشديد في نار جهنم، حيثُ قال تعالى {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ}، أي سأدخله جهنم، فلمَّا أوْعَدَ الله بسَقَرَ لِمَن قَالَ {إنْ هَذَا إلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ}، أي لما توعد الله من قال إن القرآن هو من تأليف بشر بالعذاب في جهنم عَلِمْنَا وأيْقَنًّا أنَّه قَوْلُ خَالِقِ البَشَر،

ولا يشْبِهُ قوْلَ البَشَرِ. فهو وحيٌ من الله، لا يستطيع إنسانٌ أن يأتي بمثله، ومَنْ وَصَفَ الله بِمعنًى مِنْ مَعانِي البَشَرْ فَقَدْ كَفَرَ، أي من وصف الله بوصفٍ من أوصاف البشر فقد كفر بإثباته المماثلة بين الله وبين خلقه وهي منفية عن الله بقوله تعالى {ليس كمثله شيء} فلو كان الله متصفًا بصفةٍ من أوصاف البشر لجاز عليه ما يجوز على البشر من حدوثٍ وفناءٍ وتغيرٍ وغير ذلك، ومن جاز عليه ذلك فلا يصلح أن يكون مكونًا للحادثات أي المخلوقات، فالعقل السليم يقضي أن الجسم لا يخلق الجسم، وأن الحادث لا يخلق، الله تعالى ليس جسمًا وليس حجمًا وليس حادثًا ولا يتصف بصفات الحوادث، وصفات البشر كثيرة، وبعضها صفاتٌ لغير البشر من ذوي الأرواح وبعضها تشترك فيها الجمادات ومن صفات البشر الجهل والعجز والتغير والانفعال والجلوس والقعود والاستقرار،

والصورة والشكل والهيئة والحد والكون في مكان، كل هذا لا يجوز على الله تبارك وتعالى فَمَنْ أبْصَرَ هَذَا بقلبه اعْتَبَرَ، وعَنْ مِثْلِ قَوْلِ الكُفَّار انْزَجرَ، أي اعتبر بالكفار القائلين بالمماثلة المستحقين لسقر ليكف عن مثل ذلك لأن لا يلزمه ما لزمهم من العذاب، وَعَلِمَ أنَّهُ بِصِفَاتِهِ لَيْس كالبَشَرِ. لأن صفاته تعالى قديمةٌ لا بداية لها، وصفات البشر محدثةٌ أي مخلوقة وحدوث الصفة في شيء يدل على حدوث هذا الشيء، قيام الصفة في شيء بعد أن لم تكن قائمة به حدوثها فيه يدل على أن هذا حادث لأن قيام هذه الصفة بعد أن لم تكن قائمةً به تغير، والتغير أقوى علامات الحدوث، لذلك قال أهل الحق إن خلق الله للأماكن والجهات والعرش وسائر المخلوقات لم يغير في صفته شيئا ليس كما تقول المجسمة المشبهة يقولون الله جلس على العرش فمعنى كلامهم أن خلق الله للعرش غير في صفته، ويقولون إن الله يسكن السماء فمعنى كلامهم أن خلق الله للسماء غيّر غي صفته وهذا لا يجوز على الله، محال، وما أدى إلى المحال فهو محال.

والرؤْيةُ حقٌّ لأهْلِ الجَنَّةِ، بِغَيْرِ إحَاطَةٍ ولا كَيْفِيّةٍ، أي أن رؤية الله في الآخرة حقٌ يجب الإيمان بها يراه المؤمنون وهم في الجنة من غير مشابهة لشيءٍ من خلقه، يرون الله من غير أن يكون في مقابلةٍ منهم أو جهةٍ أو مكان، ومن غير أن يحيطوا معرفةً بذاته سبحانه كَمَا نَطَقَ به كِتَابُ رَبّنا {وجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إلى ربِّهَا نَاظِرَةٌ}، أي ترى ربها ذلك اليوم، وتَفْسِيرُهُ على حسب ما أرَادَهُ الله تَعَالى وعَلِمَهُ، وكُلُّ مَا جَاءَ في ذَلِكَ أي في رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة من مِنَ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم فَهُوَ كما قَالَ ومَعْنَاهُ على حسب ما أرادَ،

كحديث مسلم إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته، شبه الرسول صلى الله عليه وسلم رؤية المؤمنين لربهم من حيث عدم الشك برؤية القمر ليلة البدر، ولم يشبه الله بالقمر، أي أنهم يرونه رؤيةً لا شك فيها، لا يشكون هل الذي رأوه هو الله أم غيره كما أن مبصر القمر ليلة البدر إذا لم يكن سحاب يراه رؤية لا شك فيها، لا تضامون في رؤيته أي لا تتزاحمون في رؤيته وهذا شأن من لا مكان له، لأن الناس إذا أراد من في مكان يتزاحمون ويتدافعون ليروه فيراه الأقربون منه ولا يراه الأبعدون فيتدافعون، لا نَدْخُلُ في ذلك مُتَأولينَ بآرائِنا ولا مُتَوَهِّمين بِأهْوائِنا، أي لا ندخل في تأويل الآيات والأحاديث الواردة في رؤية الله في الآخرة لمجرد الرأي بلا دليلٍ عقلي قاطع أو دليل نقلي ثابت،

أو اتباعًا للوهم والتصور فلا ننفي الرؤية كما فعل المعتزلة ولا نجعل الرؤية بكيفية كما فعل المشبهة فإنَّهُ مَا سَلِمَ في دِينِهِ إلا مَنْ سَلَّمَ لله عَزَّ وجَلَّ وَلِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم أي اعتقد أن ما جاء في الشرع من أمور الدين فهو على حسب ما أراد الله ورسوله، وَرَدَّ عِلْمَ ما اشتَبَه عَلَيْهِ إلى عالِمِهِ. أي من اشتبه عليه فهم شيءٍ من الأمور المتعلقة بالآخرة وغيرها يرجع به إلى أهل العلم الراسخين، وهم العلماء المتمكنون في العلم كابن عباسٍ رضي الله عنهما، ولا تَثْبُتُ قَدَمٌ في الإسْلاَمِ إلا على ظَهْرِ التَّسْلِيمِ والاسْتِسلام، والتسليم هو الرضى بما جاء عن الله عز وجل وأما الاستسلام فهو الانقياد لأوامر الله ونواهيه،

والمعنى أنه لا يصح الثبات على الإسلام إلا من سلم لله تعالى ولم يعترض عليه، ولم يصفه بما لا يليق به وقبل ما جاء في الشرع من العقائد والأحكام فمن رَامَ عِلْمَ ما حُظِرَ عَنْهُ عِلْمُه، أي من طلب علم ما نهانا الله عنه كالخوض في القدر للوصول إلى سره ولَمْ يَقْنَع بالتَّسْلِيمِ فَهْمُهُ، أي ولم يقنع بالتسليم وتفويض العلم إلى الله حَجَبَهُ مَرامُهُ أن منعه مطلوبه عَنْ خَالٍصِ التَّوْحِيدِ، وَصَافِي المَعْرِفَةِ، أي صفاء المعرفة بالله، وَصَحِيحِ الإيمانِ، فيَتَذَبْذَبُ بَيْنَ الكُفْرِ والإيمَانِ والتَّصْدِيقِ والتَّكْذِيبِ، والإقْرَارِ والإنْكَارِ، أي فيكون مضطربًا مؤمنًا ببعض وكافرًا ببعض، مُوَسْوِسًا أي تعتريه الوساوس

تائهًا تائهًا عن طريق الحق، شاكًّا، زائغًا أي مائلًا عن الحق إلى الباطل، لا مؤمنًا مصدِّقًا، بالكل كالمؤمن حقيقة ولا جاحدًا مكذِّبًا. بالكل كالكافر المعلن كفره، ولا يَصِحُ الإيمان بالرؤية لأهلِ دارِ السلام أي أهل الجنة المؤمنين لمن اعتبرَها مِنْهُم بوهْمٍ وهم المشبهة المجسمة الذين يشبهون الله تعالى بخلقه ويصفونه بالأعضاء والجوارح والجسم والحيز والمكان والجهات، أو تأوَّلَها بفهمٍ كالمعتزلة الذين تأولوا الرؤية بفهمهم أي بمجرد الرأي بلا دليل فقالوا إنه يلزم القول بالرؤية تشبيهه بالخلق لأن الذي يُرى لا بد أن يكون في جهة، فأنكروا الرؤية وفسروا قول الله تعالى {إلى ربها ناظرة} بانتظار النعمة،

وقولهم هذا مردود وأما حديث مسلم إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته فيزعمون أنه غير ثابت، وأما المشبهة فإنهم قالوا إنه يرى كما يرى المخلوق في جهةٍ ومسافةٍ ومقابلة وهذا ليس إيمانًا برؤية الله فالحديث إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر معناه عندهم ترونه مواجهةً كما ترون القمر مواجهةً وهذا ضلال وكفر،

أما عند أهل الحق أهل السنة والجماعة فمعناه أنكم ترونه رؤية لا شك فيها كما أن رائي القمر إذا رأى القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب لا يشك هل الذي رآه هو القمر أم غيره، وليس معنى كلام الرسول تشبيه الله تعالى بالقمر والعياذ بالله، إذ كان تأويلُ الرؤيةِ وتأويلُ كلِّ معنًى يضافُ إلى الربوبيةِ بتركِ التأويلِ ولزومِ التسليم، وعليه دينُ المسلمين. ولا يريد الطحاوي رحمه الله بترك التأويل تأويل الإجمالي لأهل السنة، إنما التأويل البعيد عن الحق والإصابة، لأن من نفى التأويل الإجمالي وقع في التشبيه لا محالة، والتأويل الإجمالي هو اعتقاد أن تلك الظواهر للمتشابهات من الآيات والأحاديث الواردة في الصفات الموهمة للجسمية وصفات الجسمية كالحركة والسكون المراد بها غير هذه المعاني التي تتبارد إلى الذهن.

ومَنْ لَمْ يَتَوَقَّ النَفْيَ والتَّشْبِيهَ زَلَّ وَلَمْ يُصِبِ التَّنْزِيه. أي أن المعطل الذي نفى ما أثبته الله تعالى زل أي حاد عن الحق وأن الذي أثبت لفظًا ولم ينزه معنًى بل شبه الله بخلقه لم يصب التنزيه أي لم ينزه الله تعالى عما يجب تنزيهه عنه. فإنّ رَبَّنا جَلَّ وعَلَا مَوْصُوفٌ بصِفاتِ الوَحْدَانِيَّةِ، موصوفٌ بالصفات التي تنفي عن الله تعالى المشابهة لغيره، وفي هذا ردٌ على المعطلة كالمعتزلة والفلاسفة الذين نفوا الصفات عن الله مَنْعُوتٌ بِنُعُوتِ الفَرْدَانِيَّةِ، وهو تأكيدٌ لقوله موصوفٌ بصفات الوحدانية فإن النعت والصفة بمعنًى واحد وكذا الوحدانية والفردانية لَيسَ في مَعْنَاهُ أحَدٌ مِنَ البَرِيَّةِ. أي لا يصح عقلًا ولا شرعًا أن يتصف المخلوق بشيءٍ من صفات الله عز وجل والله تعالى لا يتصف بشيءٍ من صفات المخلوقات كالحد كالحجم كالصورة كالهيئة كالشكل كالمكان كالجهة كالانتقال من مكانٍ إلى مكان كالصعود الحقيقي والنزول الحقيقي لأن الله قال {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}.