وقوله تَعَالَى أي تنزه عَنِ الحُدُودِ والغَايَاتِ والأرْكَانِ والأعْضَاءِ والأدَوَاتِ، والحد معناه نهاية الشيء فيجب اعتقاد أن الله ليس بمحدود أي ليس له كمية لا كمية صغيرة ولا كمية كبيرة، ولا كمية وسط بين الصغيرة والكبيرة، والمحدود إما أن يكون جسمًا لطيفًا حجمًا لطيفًا كالهواء والروح والجن والملائكة وإما أن يكون حجمًا كثيفًا أي يمس باليد يجس باليد كالإنسان والحجر، لأن الشيء الذي له حد يحتاج إلى من جعله على ذلك الحد الذي هو عليه ونفي الحد عن الله عبارة عن نفي الحجم وليس معنى نفي الحد عن الله أنه شيءٌ ممتد إلى غير نهاية فالذرة لها حد لها حجم والعرش هو أكبر جرم خلقه الله له حجم العرش جسم خلقه الله تعالى إظهارًا لقدرته ليس ممتدًا إلى ما لا نهاية له لا بل له نهاية،
من ظن أن الله له امتدادٌ لا نهائي كافر وكذلك الذي يعتقد أن الله له امتدادٌ ينتهي صغيرٌ أو كبير، وقوله الغايات جمع غايةٍ والغاية ما ينتهي إليه الشيء، أما الأركان فهي الجوانب وأما الأعضاء فهي الأجزاء الكبيرة من البدن كاليد والرجل والرأس، فالله تعالى منزّهٌ عن أن يكون مركبٌ من أعضاء كالإنسان وغيره من ذوي الأرواح،
أما الأدوات فهي الأجزاء الصغيرة كاللسان والأضراس واللهات والأذن والإصبع فالله تعالى لا يجوز أن يتصف بالأعضاء صغيرةً كانت أو كبيرة، وفسر بعضهم الأدوات بالآلات التي يستعين بها الإنسان في عمله، كآلات البناء وآلات النجار أما الله تعالى فيخلق ما يشاء بقدرته الأزلية من غير حاجة إلى استعمال الآلات من غير مباشرة، قال الإمام البخاري والإمام أبو حنيفة رضي الله عنهما فعله تعالى صفته في الأزل والمفعول حادث، لا تحويهِ الجهاتُ الستُّ أي لا تحيط به الجهات الست كسائرِ المبتدعاتِ أي المخلوقات إذ المخلوقات لا تخلو عن التحيز في إحدى الجهات الست لأن الحادثة لا بد أن يكون بمكان والجهات الست هي فوق وتحت ويمين وشمال وأمام وخلف،
لذلك قال أهل الحق أهل السنة والجماعة الله تعالى موجودٌ بلا جهةٍ ولا مكان لأن الموجود في جهة يشغل حيزًا من الفراغ، الموجود في مكان يشغل حيزًا من الفراغ لأن المكان هو الفراغ الذي يشغله الحجم، الله كان في الأزل ولم يكن أحجام ولم يكن أنوار ولا ظلمات، ولم تكن الجهات ولم يكن العرش، كان الله موجودًا في الأزل بلا جهةٍ ولا مكان وبعد أن خلق الخلق لم يتغير لم يزل كما كان، لأن التغير أقوى علامات الحدوث، فهو ما زال موجودًا بلا جهة ولا مكان وهذا ليس نفيًا لوجوده تعالى بل هذا تنزيهٌ لله عن صفات المخلوقين.
والمِعْرَاجُ حقٌّ، يجب الإيمان به وهو الصعود إلى السموات والسبع وإلى ما فوقها وقدْ أُسْرِيَ بالنَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أي ذُهب به ليلًا من المسجد الحرام في مكة إلى المسجد الأقصى في فلسطين قال تعالى {سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا} وَعُرِجَ بِشَخْصِهِ صلى الله عليه وسلم بروحه وجسده في اليَقَظَةِ إلى السَّمَاءِ ثُمَّ إلى حَيْثُ شاءَ الله مِنَ العُلى، بواسطة المرقاة وهي شبه السلم وأَكْرَمَهُ الله بِمَا شَاءِ، بإطلاعه على عجائب العالم العلوي ورؤيته لربه بفؤاده من غير أن يكون الله في مكان ليس معناه أن الله حلّ بقلب النبي صلى الله عليه وسلم لا إنما جعل الله بالرسول قوة البصر بالفؤاد فرأى الله الذي ليس كمثله شيء وأوحى إلَيْهِ مَا أوْحى،
ومن جملة ما أوحى الله إليه فرضية الصلوات الخمس واستدل أهل الحق على أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه تلك الليلة بقلبه لا بعينه لقوله تعالى {ما كَذَبَ الفُؤَادُ ما رَأَى}، فصلّى الله عَلَيهِ وسَلَّم فِي الآخِرَةِ والأُولى. والحَوْضُ الذي أكْرَمَهُ الله تَعَالى به غِياثًا لأُمتِهِ حقٌّ، يجب الإيمان به طوله مسيرة شهر وعرضه كذلك يشرب منه المؤمنون يوم القيامة قبل دخول الجنة فلا يصيبهم بعد ذلك ظمأ فمنهم يشرب عطشا وهم العصاة ومنهم من يشرب تلذذًا وهم الأتقياء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حوضي مسيرة شهر ماءه أبيض من اللبن وريحه أطيب من المسك وكيزانه كنجوم السماء، أي أكوابه كعدد نجوم السماء من شرب منه لا يظمأ أبدا رواه البخاري،
والشَّفَاعَةُ التي ادَّخَرَهَا النبي صلى الله عليه وسلم لَهُمْ أي لأهل الكبائر من أمته حَقٌّ، كما رُوِيَ في الأخبارِ، كحديث الترمذي شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي، ومعنى الشفاعة أن الرسول يطلب من ربه يوم القيامة إنقاذ خلق كثيرٍ من أمته من النار بإخراج قسمٍ منهم منها بعد أن دخلوها وبعدم دخولها لبعضٍ آخرين،
أما الأتقياء والذين ماتوا تائبين لا يحتاجون للشفاعة وأما الكفار فلا شفاعة لهم يوم القيامة لقوله تعالى {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} أي إلا لمن ارتضى الإسلام دينا أي لا يشفعون إلا لمن مات على الإيمان، الرسول لا يشفع لكافر، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لن يشفع لأبي لهب الذي هو عمه لكن مات على الكفر لأن بعض الناس يقولون يشفع له الرسول، الرسول لا يشفع لكافر، وغير الرسول أيضًا لا يشفع لكافر، والمِيثَاقُ أي العهد الذي أخَذَهُ الله تعالى مِنْ آدَمَ وذُريَّته حَقٌّ. أي أن الميثاق الذي أخذه الله على آدم وسائر الأنبياء أن يبلغوا الرسالة ويقيموا الدين أما الميثاق الذي أخذ من ذرية آدم فهو اعترافهم بعد أن أخرجت أرواحهم من ظهر آدم في نعمان الأراك في عرفات، لأن الله خالقها ومالكها، صورهم الله تعالى بصور بني آدم وبحجم النمل الصغير الذر وخلق فيهم المعرفة بأنه لا إله لهم إلا الله، ثم استنطقهم أي جاء إليهم ملك بأمر الله وقال لهم إن ربكم يقول ألست بربكم قالوا بلى، جميع أرواح ذرية آدم اعترفوا ذلك اليوم.
وقَد عَلِمَ الله تعالى فيما لَمْ يَزَلْ أي علم لعلمه الأزلي عَدَدَ مَنْ يَدْخُلُ الجَنَّةَأنهم يؤمنون ويطيعون عن اختيار منهم وعلم وعَدَدَ مَنْ يَدْخُلُ النَّارَ أنهم يكفرون ويخالفون أوامره عن اختيارٍ منهم لا عن جبر جُمْلَةً وَاحِدَةً، فلا يُزادُ في ذلِكَ العَدَدِ وَلا يُنْقَصُ مِنْهُ، وكَذَلِكَ أفْعَالُهُمْ فِيمَا عَلِم مِنْهُمْ أنْ يَفْعَلُوه، لأنه يستحيل أن لا يعلم ما يكون من مخلوقاته وكلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أي مسهل له العمل الذي اختاره فمن قدّر أنه من أهل الجنة قدّر له ما يقربه إليها من قولٍ وعمل، ووفّق لذلك، ومن قدّر أنه من أهل النار قدّر له خلاف ذلك فأتى بأعمال أهل النار وأصر عليها والأعْمَالُ بالْخَواتِيم،
أي أن العمل الذي يجازى به العبد يوم القيامة فيظهر أنه سعيدٌ أو شقي هو ما يختم له به من الأعمال، والسَّعيدُ مَنْ سَعِدَ بِقَضَاءِ الله تعالى، والشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ بِقَضَاءِ الله تَعَالى. أي أنه لا يكون سعيدً أو شقيًا إلا على حسب ما سبق في علم الله فمن علم الله في الأزل أنه يموت على الإيمان فإنه يموت على الإيمان ولو سبق له كفر، ومن علم الله أنه يموت على الكفر فإنه يموت على الكفر ولو سبق له إيمانٌ وطاعة.
وأصْلُ القَدَرِ أي حقيقة القدر سرُّ الله تَعَالى في خَلْقِهِ، لَمْ يَطَّلِعُ على ذَلِكَ مَلَكٌ مُقرَّبٌ ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ. لذلك نُهينا عن الخوض فيه لقوله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر القدر فأمسكوا رواه الطبراني وروى الشافعي والحافظ ابن عساكر عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه قال للسائل عن القدر سر الله فلا تتكلف أي لا تتكلف محاولة الوصول إلى معرفة حقيقته لأن هذا شيءٌ لن تصل إليه فعلم القدر مكتوم عن الخلائق لأن الله منفردٌ بالإحاطة بالغيب علمًا لقوله تعالى {عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا} معناه أن الله تعالى لا يطلع على جميع غيبه أحدًا من الخلق، إنما يطلع على بعض الغيب من شاء من عباده من أنبياء وملائكة وأولياء،
والغيب هو ما غاب عن حس الخلق فما غاب عن حس الخلق لا يعلم جميعه إلا الله تبارك وتعالى، أما المعرفة معنى القدر والإيمان به فهو واجب وليس هذا من الخوض الذي نهانا النبي صلى الله عليه وسلم عنه فقوله عليه الصلاة والسلام إذا ذكر القدر فأمسكوا ليس معناه لا تتعلموا شيئًا عن القدر، لا، فإن القدر مذكورٌ بحديث جبريل الطويل والذي فيه أن جبريل سأل الرسول عن الإيمان فقال الرسول صلى الله عليه وسلم الإيمان أن تؤمن بالله وملائكة وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، فمعنى الحديث بعد أن تتعلموا ما فرض الله تعالى عليكم من أمر القدر لحفظ العقيدة بعد ذلك يعني بعد إتمام الواجب في شرع الله سبحانه وتعالى لا تخوضوا لمعرفة سر القدر لأن هذا شيءٌ لا يتوصل إليه،
لا يستطيع الإنسان أن يحيط معرفة بسر القدر، فسيدنا عليٌ رضي الله عنه لما قال للسائل سر الله فلا تتكلف، فلما ألح عليه السائل قال له سيدنا عليٌ رضي الله عنه أما إن أبيت فإنه أمر بين أمرين، لا جبرٌ ولا تفويض، معناه أن الإنسان ليس مجبورًا على ما يحصل منه باختياره وليس مستقلًا عن مشيئة الله تبارك وتعالى بل الإنسان مختارٌ تحت مشيئة الله، والقدر هو إيجاد الله الأشياء على حسب علمه ومشيئته الأزليين، ويقال بعبارة أخرى القدر هو جعل كل شيءٍ على ما هو عليه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم وتؤمن بالقدر خيره وشره، معناه أن تعتقد أن المخلوقات كلها وفيها الخير والشر وجدت بتقدير الله تعالى يعني ليس الأمر كما تقول المعتزلة،
يقولون الله قدر الخير ولم يقدر الشر والعياذ بالله أو كما يقول أيضًا غير المعتزلة بعضهم يقولون الله خلق الخير ولم يخلق الشر وهذا كلامٌ باطلٌ وفاسد، لأن الخير ممكنٌ عقلي والشر ممكنٌ عقلي وكلٌ يحتاج إلى القادر ليكون موجودًا لأن الممكن العقلي هو ما يجوز في العقل وجوده وعدمه، يجوز عقلًا أن يُوجد ويجوز عقلًا أن يُعدم، فكيف صار موجودًا بدلًا أن يكون معدومًا بترجيح مرجح بإرادة الله وعلم الله وتقدير الله وتخليق الله سبحانه وتعالى، وقوله والتَّعَمُّقُ والنَّظَرُ في ذلِكَ ذَرِيعَةُ الخِذْلانِ وسُلَّمُ الحِرْمَانِ ودَرَجَة الطُّغْيَانِ، أي أن الخوض في القدر للوصول إلى معرفة سره يؤدي إلى الخذلن ويوصل إلى الحرمان والطغيان والخذلان هو الحرمان من الهداية وأما الطغيان فهو مجاوزة الحد ثم زاد المؤلف رحمه الله في التحذير فقال فالحَذَرَ كُلَّ الحَذَرِ مِنْ ذَلِكَ نَظَرًا وفِكْرًا وَوَسْوَسَةً،
لأن الله تعالى لم يجعل للخلق سبيلًا إلى معرفة حقيقة القدر أي التقدير كما روى الطبراني عن سيدنا علي رضي الله عنه أنه سئل عن القدر فقال للسائل سر الله فلا تتكلف، فلما ألح السائل قال سيدنا علي أما إذ أبيت فإنه أمرٌ بين أمرين لا جبرٌ ولا تفويض، أي ليس العبد مجبرًا على أفعاله بلا اختيار منه وليس الأمرٌ مفوضًا إليه بحيث تخرج مشيئته عن مشيئة الله وإنما العبد مختارٌ تحت مشيئة الله قال تعالى {وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين} فَإنَّ الله تَعَالى طَوَى عِلْمَ القَدَرِ عَنْ أنَامِهِ ونَهَاهُمُ عَنْ مَرَامِهِ أي نهاهم عن طلبه لأنه أمرٌ لا سبيل إلى معرفته كَمَا قال تَعَالى في كِتَابِهِ {لا يُسْألُ عَمَّا يَفْعَلُ وهُمْ يُسْألُونَ}، فمَن سَألَ لِمَ فَعَلَ فَقَدْ رَدَّ حُكْمَ الكِتَابِ، ومَنْ رَدَّ حُكْمَ الكِتَابِ كَانَ مِنَ الكافرينَ. أي أن من قال لما فعل الله كذا اعتراضًا على الله فقد رد قول الله تعالى لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
فَهذِهِ جُمْلَةُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مَنْ هُوَ مُنَوَّرٌ قَلْبُهُ مِنْ أوْلياءِ الله تَعَالى، وفي هذا إشارةٌ إلى جميع ما تقدم مما يجب اعتقاده والعمل به فمن وفّقه الله لذلك فقد نوّر الله قلبه وانتظم في سلك الأولياء، وَهِيَ دَرَجَةُ الرَّاسِخِينَ في العِلْمِ، أي درجة المتمكنين في العلم وهم الذين ثبتوا فيه وتمكنوا لأنَّ العِلمَ علْمانِ: عِلمٌ في الخَلْقِ مَوْجُودٌ، وهو ما جعل الله للعباد سبيلًا إليه كعلم العقائد والأحكام وعلم ما ينتفع به في المعيشة، وعِلْمٌ في الخَلْقِ مَفْقُودٌ، وهو ما اختص الله به ولم يجعل للخلق سبيلًا إليه فدعواه كفرٌ كالذي يدعي علم وجبة القيامة أي وقت وقوعها على التحديد لأن هذا لا يعلمه أحدٌ إلا الله لما سأل جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الساعة يعني متى تكون فقال الرسول صلى الله عليه وسلم ما المسؤول عنها بأعلم من السائل،
فإنكارُ العلمِ الموجودِ كفرٌ، كإنكار السفسطائية وجود الأشياء وإنكار أحمد بن تيمية حدوث العالم، لأن أحمد بن تيمية قال إن جنس العالم لم يزل مع الله وهذا تبع به ابن تيمية بعض الفلاسفة وهذا والعياذ بالله خروجٌ من الملة، لأن الله تعالى قال {هو الأول} أي الله وحده الموجود الذي لا ابتداء لوجوده وكل ما سوى الله لوجوده بداية وكذلك روى البخاري أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال كان الله ولم يكن شيءٌ غيره وهذا صريح في أن الله كان وحده في الأزل ولم يكن سواه، لا أفراد العالم ولا جنس العالم، وادّعاءُ العِلْمِ المفقودِ كفرٌ، كادعاء العلم بالغيب والعلم بحقيقة القدر وقيام الساعة، ولا يثبتُ الإيمانُ إلا بقبولِ العلمِ الموجود، وتركِ طلبِ العلمِ المفقودِ.
ونُؤْمِنُ باللَّوْحِ والقَلَمِ أي يجب على المكلفين الإيمان باللوح والقلم واللوح خلق بعد الماء، الله تعالى خلق الماء أولًا هو أول شيءٍ خلقه الله الماء، كان الله ولم يكن شيءٌ غيره وكان عرشه على الماء، أي خلق الله الماء ثم خلق العرش فوق الماء، خلقه الله إظهارًا لقدرته ولم يتخذه مكانًا لذاته فاللوح خلق بعد الماء والعرش والقلم، وهو تحت العرش، وقيل فوقه، طوله ما بين السماء والأرض، وعرضه ما بين المشرق والمغرب، ومساحته مسيرة خمسمائة عام،
أما القلم فهو القلم الأعلى، خلق بعد الماء والعرش ثم أمر بالكتابة على اللوح فجرى بقدرة الله تعالى من غير أن يمسكه أحدٌ فكتب ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وقوله وبجمِيعِ ما فِيهِ قَدْ رُقِمَ. أي نؤمن بجميع ما فيه فالكتب السماوية مكتوبة في اللوح المحفوظ وكذا ما يكون إلى يوم القيامة، وفي هذا اللوح المحفوظ جميع اللغات فَلَوِ اجْتَمَعَ الخَلْقُ كُلُّهُمْ عَلَى شَيْءٍ كَتَبَهُ الله تعالى فِيهِ أنَّه كَائِنٌ ليَجْعَلُوهُ غَيْرَ كَائِن لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ.
وَلَو اجْتَمَعُوا كُلُّهُمْ على شَيْءٍ لَمْ يَكْتُبُهُ الله تَعَالى فِيهِ ليَجْعَلُوهُ كَائِنًا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ. جَفَّ القَلَمُ بمَا هُو كَائِنٌ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ، أي فرغ القلم من كتابة ذلك وهذا الذي شاءه الله تعالى مما كتبه هذا القلم لن يتغير، وهذه الألفاظ التي ذكرها المؤلف وردت في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمعنى كحديث البيهقي في شعب الإيمان قد جف القلم بما هو كائنٌ فلو اجتمع الخلق على أن ينفعوك بشيءٍ لم يكتبه الله في أم الكتاب لن يستطيعوا ولو اجتمع الخلق على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله في أم الكتاب لن يستطيعوا، وما أخطَأَ العبدَ لَمْ يَكُنْ ليصيبَهُ، أي إن لم يصبه فأراد الله أن لا يصيبه ومَا أصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيخطِئَهُ.
أي ما قدر الله أن يصيبه من رزقٍ أو مصيبة أو غير ذلك لا بد أن يصيبه لأن علم الله سبق بذلك، وهذا أيضًا ورد في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم إن الله لو عذب أهل أرضه وسمواته لعذبهم وهو غير ظالمٍ لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحدٍ ذهبًا في سبيل الله يعني واحد أنفق مثل جبل أحد من الذهب في سبيل الله لم يقبله الله منك حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك وإن مت على غير هذا دخلت النار، وهذا حديث صحيحٌ رواه الحافظ ابن حبان وأبو داود والترمذي وغيرهم، وعلى العَبْدِ أنْ يَعْلَمَ أنَّ الله قَدْ سَبَقَ عِلْمُهُ بكلّ كائِنٍ مِنْ خَلْقِهِ.
أي يجب على العبد أن يعلم أن ما سبق في علم الله أنه يكون لا بد أن يكون فقَدَّرَ ذلِكَ تَقْدِيرًا مُحْكَمًا مُبْرَمًا أي قدره تقديرًا نافذًا لا يتغير، لَيْسَ فِيهِ نَاقِضٌ أي ليس له مفسدٌ يفسده ولا مُعَقبٌ أي ولا من يؤخره عن وقته ولا مُزِيلٌ ولا مُغَيّرٌ ولا مُحَوّلٌ ولا ناقِصٌ ولا زَائِدٌ مِنْ خَلْقِهِ في سَمَاواته وأرْضِهِ، أي إن كان ذلك في العالم العلوي أو السفلي فلا بد أن يجري على حسب ما سبق في علم الله الأزلي، وذَلِكَ مِنْ عَقْدِ الإيمانِ وأُصُولِ المَعْرِفَةِ والاعْتِرَافِ بتَوْحِيدِ الله تَعَالى ورُبُوبِيّتِهِ، أي أن في هذا الاعتقاد إثبات الوحدانية والربوبية لله عز وجل ونفي التدبير الشامل عما سوى الله ولا يتم التوحيد والاعتراف بالربوبية إلا بالاعتراف بصفات الله عز وجل كَمَا قَالَ تعالى في كِتَابِهِ {وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فقَدَّرَهُ تَقْدِيرا}،
وقال تعالى {وكَانَ أمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدُورًا}. أي أن الحادث شيءٌ مقدّر وُجد بتقدير الله الأزلي فوَيْلٌ لِمَنْ صَارَ لله تعالى في القَدَر خَصِيمًا، أي أن من أنكر تقدير الله لأعمال العباد صار خصيمًا لله واستحق الويل وهو العذاب الشديد، وسمي خصيمًا لله لأنه يدعي مشاركة الله في التقدير، وأحْضَرَ للنَّظر فِيهِ قَلْبًا سَقِيمًا، لَقَدِ الْتَمَسَ بوَهْمِهِ في فَحْصِ الغَيْبِ سِرًّا كَتِيمًا، وَعَادَ بِمَا قالَ فيهِ أفَّاكًا أثِيمًا.أي نظر في أمر القدر في قلب سقيم مرتاب أو مكذبٍ فيما ثبت بالأدلة القاطعة طالبًا للوقوف على سر القدر المكتوب الذي لا يدركه علم غير مسلمٍ لله، فصار بهذا أفاكًا أثيما، والأفّاك كثير الكذب والأثيم الفاجر كثير الإثم، ولا يقال أيها الأحبة كما يقول كثيرٌ من العوام لا قدر الله أو الله لا يقدر، فهذا الكلام مخالفٌ لكلام الله قال الله تعالى {إنا كل شيء خلقناه بقدر} وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قدّر الله وما شاء فعل.