ولا نُكَفِّرُ أحَدًا مِنْ أهْلِ القِبْلَةِ بِذَنبٍ مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ، والمراد بأهل القبلة المؤمنون ليس الذين يتوجهون إلى القبلة فقط فمن كان على الإيمان لا يجوز تكفيره بذنبٍ إذا استحله وكان ذلك الذنب معلومٌ من الدين بالضرورة أي معلومٌ من الدين بالضرورة أنه حرام ويعرف ذلك هذا الذي استحله أنه معلومٌ من الدين بالضرورة، ولا نَقُولُ كما تقول المرجئة لا يَضُرُّ مَعَ الإيمانِ ذَنبٌ لِمَنْ عَمِلَهُ. ومرادهم أن العبد المؤمن مهما عمل من الكبائر ومات بلا توبة ليس عليه عذابٌ وهذا ضلالٌ وكفر، لأن المؤمن ينضر بالمعاصي التي يرتكبها بدليل قوله تعالى {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا} نَرْجُو لِلمُحْسِنينَ أي للطائعين منَ المُؤْمِنينَ أن يَعفُوَ عَنهمُ ويدْخِلَهُمُ الجنَّة بلا عذاب برحْمِتِهِ ولا نَأمَنُ عَلَيهِم من عذاب النار،
ولا نَشْهَدُ لَهُمْ بِالجَنَّةِ، أي لا نشهد من تلقاء أنفسنا أن فلانًا بعينه من أهل الجنة إلا إذا ورد النص أنه منهم كأهل بدرٍ وأحدٍ وأناس آخرين بشرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة ونجزم بأن المؤمن إن كان تقيا فإنه يدخل الجنة بلا عذاب ونَسْتَغْفِرُ لِمُسِيئِهم ونَخَافُ عَلَيْهِمْ أي نستغفر لمسيئهم من المسلمين ونخاف عليه أن يعذب بذنوبه إن لم يتب منها أما من تاب منها فنقول إنه آمنٌ من عذاب الله لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال التائب من الذنب كمن لا ذنب له وقول ولا نُقَنِّطُهُمْأي لا نجعل المذنبين من المسلمين آيسين من رحمة الله بل نقول يجوز أن يسامحهم الله ويجوز أن يعذبهم.
والأمْنُ من مكر الله والإيَاس أي اليأس من رحمة الله يَنْقُلَانِ عَن مِلَّةِ الإسْلامِ أي يخرجان الإنسان من دين الله ومعنى الأمن من مكر الله عند الماتريدية اعتقاد أن الله لا يعذب على المعاصي بعد ثبوت الإيمان بالمرة، وأما اليأس من رحمة الله فهو اعتقاد أن الله لا يغفر للمسلمين التائبين وهذا الاعتقاد فاسد وَسبِيلُ الحَقِّ بَيْنَهُمَا لأهْلِ القِبْلَةِ أي ينبغي أن يكون المؤمن بين الأمن والإياس لا يأمن عذاب الله ولا ييأس من رحمة الله أي أن يكون بين الخوف والرجاء، يخاف عقاب الله على ذنوبه ويرجوا رحمة الله، كما قال تعالى {ويرجون رحمته ويخافون عذابه}. ولا يَخرُجُ العَبْدُ مِنَ الإيمانِ إلا بجحُودِ ما أدْخَلَهُ فِيه. أي مهما فعل المؤمن من الذنوب لا يخرج من الإيمان إلا إذا وقع في الكفر أي إلا حصل منه شيءٌ فيه تكذيبٌ للشهادتين.
والإيمانُ هُوَ الإقرَارُ باللسَانِ والتَّصْدِيقُ بالجَنَانِ. ولا يكون العبد مؤمنًا إلا بالجمع بين الأمرين التصديق بالقلب والنطق باللسان قال الحافظ النووي في شرح مسلم من صدق بقلبه ولم ينطق بلسانه فهو كافر مخلد في النار بالإجماع، ولما ثبت أن القرآن منزلٌ من عند الله وأن الرسول صلى الله عليه وسلم مرسلٌ من عند الله فقد ثبت أن جميع ما أنزل الله في القرآن وجَمِيعُ مَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم مِنَ الشَّرْعِ والبَيَانِ كُلُّهُ حَقّ.
والإيمانُ أصله واحدٌ، وهو التصديق بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهْلُهُ في أصْلِهِ سَوَاءٌ وإنما التفاوت في صفته والتَّفاضُلُ في الإيمان بَيْنَهُم أي بين أفراد المؤمنين بحسب تفاضلهم بالخَشْيَةِ والتقى ومُخَالَفَةِ الهَوَى أي هوى النفس وملازَمَةِ الأوْلى أي سلوك مسلك الورع والإكثار من النوافل فالإيمان من حيث الأصل لا يزيد ولا ينقص،
أما من حيث الوصف فإنه يزيد وينقص. والمُؤْمِنُونَ الكاملون كُلُّهُم أوْلِيَاءُ الرَّحْمنِ، وأكْرَمُهُمْ عِنْدَ الله أطْوَعُهُمْ وأتْبَعُهُمْ لِلقُرآنِ. أي أشدهم طاعة وعملًا بالقرآن، والإيمانُ هُوَ الإيمَانُ بالله، ومَلَائِكَتِهِ، وكُتُبِهِ، ورُسُلِهِ، واليَوْمِ الآخِرِ، والقَدَرْ خَيْرِهِ وشَرِّهِ وحُلوِهِ ومُرّهِ مِنَ الله تَعَالى، أي أن الإيمان هو التصديق بوجود الله وأنه لا يشبه شيئا، والتصديق بملائكته وأن الله تعالى أنزل كتبًا على النبيين كلها حق، والتصديق برسله أي أنبيائه واليوم الآخر والتصديق بالقدر خيره وشره وحلوه ومره أنه من الله، أي يحصل ذلك بتقدير الله أي بتدبير الله الأزلي،
والقدر هنا بمعنى المقدور أي ما قدره الله تعالى من المخلوقات، لأن تقدير الله حسنٌ أي صفة الله، ليس شرًا والحلو ما يلائم الطبع كالصحة، والمر ما لا يلائم الطبع كالمرض، ونَحْنُ مُؤمِنُونَ بِذَلِكَ كُلِّهِ أي نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحدٍ من رُسُلِهِ ونُصَدِّقُهُمْ كُلَّهُم عَلَى مَا جاءُوا بِهِ. أي نؤمن بجميع أنبياء الله ورسله، ونصدقهم جميعهم ونؤمن باليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، وهذه الأمور الستة هي أهم أمور الإيمان تسمى أصول الإيمان الستة، أما القدر الذي لا بد منه لحصول أصل الإيمان فهو الإيمان والتصديق بوجود الله مع اعتقاد أن لا أحد يستحق أن يُعبد إلا الله، والإيمان برسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أي لكونه مرسلًا من عند الله وأنه صادق في كل ما جاء به.
وأهْلُ الكَبائِرِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم في النَّارِ لا يَخْلُدُونَ إذَا مَاتُوا وهُمْ مُوحّدُونَ وإنْ لم يكُونُوا تَائِبِينَ بَعْدَ أنْ لَقُوا الله أي ماتوا عَارِفِينَ بالله ورسوله مُؤْمِنينَ به، وهُمْ في مَشِيئَتِهِ وحُكْمِهِ إنْ شَاءِ غَفَرَ لَهُمْ وعفَا عَنْهُمْ بِفَضْلِهِ، كَمَا ذَكَرَ عَزَّ وجَلَّ في كِتَابِهِ {ويَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [سورة النساء]، أي ما دون الكفر من الكبائر والصغائر لمن يشاء من عباده المسلمين المتجنبين للكفر، الله تعالى قال {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} يعني من مات على الكفر من مات على الشرك الله لا يغفر له،
وسيدخل جهنم وسيمكث فيها إلى ما لا نهاية له، فجهنم لا تفنى والكفار فيها لا يفنون يتقلبون في العذاب، وقوله ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء معناه أن الله يغفر للعبد المؤمن ما شاء من الذنوب إن كانت كبائر وإن كانت صغائر، وَإنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ في النَّارِ بِعَدْلِهِ ثُمَّ يُخْرِجُهُمْ مِنْهَا بِرَحْمَتِهِ وشَفَاعَةِ الشَّافِعينَ مِنْ أهْلِ طَاعَتِهِ ثُمَّ يَبْعَثُهُمْ إلى جَنَّتِهِ، أي أن من أصول عقائد أهل السنة أن العصاة من المؤمنين الذين ماتوا بلا توبة وكانوا من أهل الكبائر، إن الله تعالى يعذب قسمًا منهم ويسامح قسما، ومن شاء عذابهم فإنه لا بد يخرج قسمًا منهم من النار بشفاعة الشافعين من أهل طاعته كالأنبياء والعلماء الأتقياء وقسمًا بدون شفاعة أحد،
بل بمحض رحمته عز وجل وذَلِكَ بأنَّ الله تعالى تَوَلَّى أي حفظ أهْلَ مَعْرِفَتِهِ المؤمنين به ولَمْ يَجْعَلْهُمْ في الدَّارَينِ كَأَهْلِ نُكْرَتِهِ الذين خَابُوا أي حُرموا مِنْ هِدَايَتِهِ ولَمْ يَنَالُوا مِنْ وِلايَتِهِ أي الولاية التي ينالها الشخص بسبب كونه مسلما معناه لم يجعل أهل الكبائر من المؤمنين في الدنيا والآخرة كالذين ينكرون وجوده أو يكذبون رسوله، كما قال تعالى {أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون} يعني المسلم ليس كالكافر، والمجرمين هنا بمعنى الكفار، لأن بعض الناس والعياذ بالله يقولون لا فرق العبرة بالأخلاق، وهذا الكلام فاسد {إن أكرمكم عند الله أتقاكم أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون أفمن كان مؤمنًا كمن كان فاسقا لا يستوون} والفاسق هنا معناه الكافر. اللهُمَّ يَا وَلِيَّ الإسْلامِ وأهْلِهِ أي يا ناصر وحافظ دين الإسلام وأهله ثَبّتّنَا على الإسْلاَمِ حتَّى نَلْقَاكَ بِهِ. معناه ثبتنا على الإيمان حتى نموت فإن العبرة بما يختم به للعبد.
ونَرَى الصَّلاَةَ خَلْفَ كُلّ بَرّ وفَاجِرٍ مِنْ أهْلِ القِبْلَةِ، أي نعتقد أن الصلاة تجوز خلف التقي والفاسق مع الكراهة خلف الفاسق والصلاة خلفه لا ثواب فيها، ونعتقد وجوب الصلاة عَلَى مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ أي من المسلمين برهم وفاجرهم لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالصلاة على بعض من أقيم عليه حد الزنا والزنا من أكبر الكبائر. وَلا نُنَزّلُ أحدًا مِنْهُمْ جَنَّةً ولا نَارًا، أي لا نقول بالتعيين إن فلانًا من أهل الجنة ولو كان صالحا، ولا نقول عن مسلمٍ عاصٍ إن فلانًا من أهل النار مهما بلغ في المعصية،
أما من أخبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه من أهل الجنة فنحكم له أنه من أهل الجنة، كأهل بدرٍ والعشرة المبشرين وعبد الله بن سلام ونحكم على أبي لهبٍ أنه من أهل النار لأن القرآن شهد عليه، وهنا تنبيه لا يقال إن الرسول يشفع لأبي لهب ولا يقال إن أبي لهب يخفف عنه العذاب كما يقول بعض الجهال من المتعالمين، يوجد سورةٌ أنزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم في ذم أبي لهب {تبت يدا أبي لهب وتب} تقرأ إلى يوم القيامة ومع ذلك بعض الناس يقولون لعل الله أن يغفر له، يستعملون كلامًا ينطلي على بعض الجهال، يقولون لهم الله لو شاء أن يدخله الجنة نقوله لا، والعياذ بالله يكذبون القرآن ويكذبون الرسول صلى الله عليه وسلم ويموهون على الناس،
أبو لهب من أهل العذاب المقيم، لا يشفع له أحد ولا تنفعه قرابته للرسول صلى الله عليه وسلم والرسول قال من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه، قال ولا نَشْهَدُ عَلَيْهم بكُفْرٍ ولا بِشِرْكٍ ولا بِنِفَاقٍ مَا لَمْ يَظْهَرُ مِنْهُمْ شَيءٌ مِنْ ذَلِكَ، أي لا يجوز أن نقول عن مسلمٍ إنه كافر أو مشرك أو منافق، إن لم يظهر شيئًا من ذلك، والمشرك هو الذي يعبد غير الله،
أما المنافق فهو الذي يبطن الكفر ويتظاهر بالإسلام، ونَذَرُ سرَائِرَهُم إلى الله تعالى. أي نقول الله أعلم بما في قلوبهم، لأن الله هو المطلع عليها دون العباد فوجب تفويض ذلك إليه سبحانه، ولا نَرَى السَّيْفَ عَلى أحَدْ مِنْ أٌمَّةِ مُحَمّدٍ صلى الله عليه وسلم إلا مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ السَّيْفُ. أي لا يجوز قتال المسلم إلا لسببٍ شرعي كقتال البغاة حتى يرجعوا إلى طاعة الخليفة كما قاتل علي رضي الله عنه المتمردين في وقعة الجمل والخوارج الذين لم يصلوا إلى حد الكفر في وقعة النهروان لردهم إلى الحق، ولا نرى الخُروجَ على أئِمَّتِنَا وَوُلاةِ أمُورِنَا وإن جَاروا، أي يحرم الخروج على الخليفة أي يحرم منازعته ومحاربته لخلعه من الخلافة وإن ظلم ما لم يكفر،
لقوله صلى الله عليه وسلم من كره من أميره شيئًا فليصبر عليه، فإنه ليس أحدٌ خرج من السلطان شبرا فمات عليه إلا مات ميتةً جاهلية، أي كأنه مات ميتة جاهلية أي مات ميتة السوء شبهه الرسول صلى الله عليه وسلم من تمرد على الخليفة ومات على ذلك بأهل الجاهلية في ميتته لعظم ذنبه ولا نَدْعُو عَلَيْهِمْ، أي لا يجوز الدعاء على أولاة الأمور دعاءً يحرك فتنة ولا نَنْزعُ يَدًا مِنْ طَاعَتِهِمْ، أي نطيعهم وإن كانوا جائرين فيما لا معصية فيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق، ونَرى طاعَتَهمْ مِنْ طاعة الله عَزَّ وجَلَّ فَريضَةً مَا لَمْ يَأمُروا بِمَعْصِيَةٍ.
أي أن الطاعة التي أمر الله بها المؤمنين لأولي الأمر هي الطاعة في طاعة الله لا في معصيته ونَدْعُوا لَهُمْ بالصَّلَاحِ والمُعَافاة، أي ندعوا لهم أن يصلحهم الله وأن يزيل عنهم ما بهم من الظلم والجور بأن يتوب عليهم، ونَتْبَعُ السُّنَّة والجَمَاعَةَ، والسنة هي شريعة النبي صلى الله عليه وسلم أي ما جاء به من العقيدة والأحكام وأما الجماعة فهم جمهور الأمة أي معظمهم لأن الجمهور ثبتوا على ما كان عليه الصحابة من حيث المعتقد ونَجْتَنِبُ الشُّذُوذَ والخِلاَفَ والفُرْقَةِ، أي نجتنب مخالفة سبيل المؤمنين أي ما أجمع عليه العلماء المجتهدون لأن العلماء إذا أجمعوا على شيء العلماء المجتهدين فإنما يجمعون على الشيء الذي هو صواب لا يجتمعون على ضلالة،
وإنما جمع بين هذه الألفاظ الثلاثة تأكيدًا لحرمة الخروج عن الإجماع لقوله تعالى {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} ونُحِبُّ أهْلَ العدْلِ والأمَانَةِ ونُبْغِضُ أهْلَ الجَوْرِ والخِيَانَةِ. أي نحب أهل السنة المتمسكين بالعدل من ولاة الأمور ونبغض أهل الظلم والخلاف والعصيان ونَقُولُ الله أعْلَمُ فِيمَ اشْتَبَهَ عَلَيْنَا عِلْمُهُ. معناه الشيء الذي لا نعلمه نفوض فيه العلم إلى الله لا نتكلم بغير علم لأن الفتوى بغير علم ذنبٌ من الكبائر أما الشيء الذي لا يعرفه الإنسان فيسأل أهل العلم عنه ويعقد قلبه أن ما جاء به الشرع هو الصحيح.
ونَرَى المَسْحَ عَلَى الخُفَّيْنِ في السَّفَرِ والحَضَرِ كما جَاءَ في الأثَرِ. فإن حديث المسح على الخفين متواترٌ فقد نقل ابن المنذر عن الحسن البصري أنه قال حدثني سبعون من أصحاب محمدٍ صلى الله عليه وسلم أنه صلى الله عليه وسلم مسح على الخفين، والحَجُّ والجهادُ مَاضِيَانِ مع أُولي الأمر مِنَ المُسْلِمِينَ بَرِّهِمْ وفاجِرِهِمْ إلى قيامِ السَّاعةِ لا يُبطِلُهُما شَيْءٌ وَلَا يَنْقُضُهُمَا. أي أنهما يجبان لا يتوقف وجوبوهما وصحتهما على أمر الإيمان لكن إذا أمر الإمام أي الخليفة بالجهاد وجب على المسلمين طاعته أما لو أمر بقتال طائفة من المسلمين بغير حقٍ فلا يطاع، لقوله صلى الله عليه وسلم لا طاعة في مخلوقٍ في معصية الخالق،
ويطاع للحج أن يقتدى به كما فعل سيدنا عثمان رضي الله عنه حين أتم الصلاة ولم يقصرها في الحج، في منى كما قال عبد الله بن عمر صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى الركعتين وأبي بكر وعمر ومع عثمان صدر من إمارته أي أول خلافته ثم أتمها أي صلاها تامّةً أربع ركعات.
وَنُؤْمِنُ بالكِرَامِ الكَاتِبينَ، وهم الملائكة الذين أمرهم الله تعالى بكتابة أعمال العباد فإنَّ الله قَدْ جَعَلَهُمْ عَلَيْنَا حَافِظِينَ، قال تعالى {وإن عليكم لحافظين كرامًا كاتبين يعلمون ما تفعلون} ونُؤْمِنُ بِمَلَكِ الموْتِ عزرائيل عليه السلام المُوَكَّلِ بِقَبْضِ أرْواحِ العَالَمِينَ، أي الإنس والجن والملائكة كما قال تعالى{قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم} وهو الذي يقبض أرواح البهائم ونحوها كالطيور، وبعذابِ القبْرِ لِمَنْ كَانَ لهُ أهْلًا، أي يجب الإيمان بعذاب القبر لمن كان مستحقًا له وهم الكفار وأهل الكبائر من المؤمنين، لكن قسمًا من أهل الكبائر يعفي الله عنهم لا يعذبهم في القبر وعذاب القبر ثابتٌ بالقرآن والحديث وإجماع الأمة فمن أنكره فهو كافرٌ مكذبٌ لله ورسوله،
وممن نقل الإجماع على وجود عذاب القبر، الإمام أبو الحسن الأشعري في الإبانة والإمام الفقيه أبو جعفر الطحاوي في عقيدته وابن القطان في كتابه الإجماع، وقال الإمام أبو منصور البغدادي المتوفى سنة 429 في كتابه الفرق بين الفرق، وقطعوا أي أهل السنة والجماعة بأن المنكرين لعذاب القبر يعذبون في القبر أي لكفرهم، وسُؤَالِ مُنْكَرٍ ونَكِيرٍ في قبْرِهِ عن ربِّهِ ودِينِهِ ونَبيِّهِ عَلى ما جاءَتْ به الأخْبَارُ عَنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وعَنْ الصَّحابةِ رَضْوانُ الله عَلَيْهِم، أي يجب الإيمان بسؤال الملكين للميت بعد دفنه والمؤمن الكامل يفرح برؤيتهما وسؤالهما يسألانه من ربك ومن نبيك وما دينك فيقول الله ربي ومحمدٌ نبيي والإسلام ديني،
أما المسلم العاصي فيجيب الملكين كما يجيب المسلم التقي لكن يخاف من منظرهما لأن منظرهما مخيف، وأما الكافر فيقول لا أدري فيضربه الملائكة بمطرقة من حديد بين أذنيه لو ضرب بها الجبل لتحطم فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين وهم الإنس والجن والقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ أوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النِّيرَانِ. أي هو كروضة من رياض الجنة أو كحفرة من حفر النار، أي أن فيه نعيمًا أو نكدًا وليس المراد أن القبر يصير مثل الجنة أو مثل النار، ونُؤِمْنُ بالبَعْثِ وجَزَاءِ الأعْمَالِ يَوْمَ القِيامَةِ والعَرْضِ والحِسَابِ وَقِرَاءَةِ الكِتَابِ والثَّوابِ والعِقَابِ والصراطِ والمِيزَانِ.
أي يجب الإيمان بالبعث بعد الموت لقوله تعالى {ثم إنكم يوم القيامة تبعثون} أي أنهم يبعثون يوم القيامة للحساب ونيل الجزاء على أعمالهم ويعرض العباد على الله، أي يقفون للحساب كما قال تعالى {وعرضوا على ربك صفا} ويعطى كل إنسانٍ كتابه الذين كتبه الملكان رقيب وعتيد في الدنيا، ويقال له اقرأ كتابه فيرى فيه أعماله مسطورةً في هذا الكتاب، المؤمن يأخذ كتابه بيمينه والكافر يأخذ كتابه بشماله من وراء ظهره، قال تعالى {فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرأوا كتابية} أي من أعطي كتاب أعماله بيمينه يقول لجماعته خذوا وقيل تعالوا اقرأوا كتابية، والمعنى أنه لما بلغ الغاية في السرور وعلم أنه من الناجين بإعطاءه كتابه بيمينه أحب أن يظهر ذلك لغيره حتى يفرحوا له،
الله يجعلنا منهم، وتوزن أعمال العباد يوم القيامة، والذي يتولى وزنها الملكان جبريل وميكائل عليهما السلام، والذي يوزن هو الصحائف الذي كتب عليها الحسنات والسيئات، ومن العلماء من قال إن الله يخلق من الأعمال أجسامًا فتوزن، ثم يعبرون على الصراط وهو جسرٌ عريضٌ يمد فوق جهنم فيرده الناس جميعًا فمنهم من ينجوا ومنهم يقع فيها، جعلنا الله وإياكم من الناجين، والجَنَّةُ والنَّارُ مَخْلُوقَتَانِ الآنت لا تَفْنَيَانِ أبدًا ولا تَبِيدانِ، وهذا هو المذهب الحق وخالف في ذلك ابن تيمية، خالف الإجماع، فقال إن النار تفنى لا يبقى فيها أحد وتبعه في هذه المقالة الفاسدة الوهابية ذكروا ذلك في كتابهم المسمى القول المختار لفناء النار،
وكذلك يوسف القرضاوي وقولهم هذا تكذيبٌ للقرآن والعياذ بالله، قال الله تعالى {إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا خالدين فيها أبدا} وقال تعالى {وما هم بخارجين من النار} لو كانت النار تفنى والكفار يخرجون منها أين يذهبون بزعمهم، وقد حرم الله الجنة على الكافرين، إذ لا يوجد في الآخرة إلا منزلتان إما جنةٌ وإما نار، جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة، وإنَّ الله تَعَالى خَلَقَ الجنَّةَ والنَّارَ قَبْلَ الخَلْقِ أي قبل البشر، وليس معناه أن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل كل شيء، لا، لأن أول شيءٍ خلقه الله الماء كما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم وخَلَقَ لَهُمَا أهْلًا، أي خلق الله الخلق وقد شاء في الأزل قبل أن يخلقهم أن يكون بعضهم من أهل الجنة والآخرون من أهل النار فَمَنْ شَاءِ مِنْهُمْ إلى الجَنَّةِ فَضْلًا مِنْهُ ومَنْ شَاءَ مِنْهُمْ إلى النَّارِ عَدْلًا مِنْهُ،
أي من شاء الله له دخول الجنة فبفضله ومن شاء الله له دخول النار فبعدله، ولا يظلم الله أحدا لأن الله يتصرف في ملكه لا في ملك غيره فلا يتصور منه الظلم ومن نسب الظلم إلى الله فقد كفر، {وما ربك بظلام للعبيد} فالظلم مستحيل على الله شرعًا وعقلا، وكُلٌّ يَعْمَلُ لِمَا قَدْ فرِغَ له وصَائِرٌ إلى مَا خُلِقَ لَهُ. أي أن كلًا من العباد يعمل لما قد كتبه الله تبارك وتعالى له في اللوح المحفوظ لكن الإنسان له اختيارٌ مختارٌ تحت مشيئة الله، لا يقال الإنسان مجبورٌ يعمل دون أن يكون له اختيار ولا يقال أن الإنسان مستقلٌ عن مشيئة الله وعن تقدير الله لا، الإنسان مختارٌ تحت مشيئة الله.