ودِينُ الله في الأرضِ والسَّمَاءِ وَاحِدٌ أي أن دين الملائكة وهم أهل السماء ودين المؤمنين من الإنس والجن وهم أهل الأرض واحد، وهُوَ دِينُ الإسْلاَمِ، قَالَ الله تَعَالَى {إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإسْلاَمُ}. أي الدين الصحيح المقبول عند الله هو الإسلام وقال تعالى {ورَضِيتُ لَكُمْ الإسْلَامَ دِينًا}. أي أن الإسلام هو الدين الذي رضيه أي أحبه الله لعباده، من الإنس والجن والملائكة، وأمرنا باتباعه وهو دين جميع الأنبياء من آدم إلى محمد عليهم الصلاة والسلام لقوله صلى الله عليه وسلم الأنبياء إخوةٌ لعلات دينهم واحد وأمهاتهم شتى، رواه الإمام أحمد، شبه الرسول الأنبياء بالإخوة لعلات أي كما أن الإخوة لعلات أبوهم واحد وأمهاتهم مختلفات كذلك الأنبياء هم إخوة في الدين دينهم واحد وهو الإسلام،

أي عقيدتهم واحدةٌ وشرائعهم مختلفة، والإسلام هو الدين السماوي الوحيد الذي أنزله الله على أنبيائه ولا دين سماوي إلا الإسلام، وهُوَ بَيْنَ الغُلُوِّ والتَّقْصِيرِ، والغلو هو المجاوز عن الحد المجعول للعباد في الدين والتقصير نزولٌ عن الحد المجعول لهم وكل منهما مذموم وباطل، الغلو والتقصير، وبَينَ التَّشْبِيهِ والتَّعْطِيلِ، أي أن الإسلام هو إثبات الأسماء والصفات لله من غير تشبيهٍ كما فعلت المشبهة ولا تعطيل أي من غير إنكارٍ كما فعلت المعتزلة، وبَيْنَ الجَبْرِ والقَدرِ، أي أن الإسلام هو التسليم لله، من غير جبرٍ بإسقاط فعل الاكتساب عن العباد ومن غير إثبات قدرة تخليق الأفعال للعباد، لأن الخالق هو الله وحده، وبَيْنَ الأمْنِ والإيَاسِ. أي أن الإسلام هو أن يكون العبد بين الأمن والإياس لا يأمن عذاب الله ولا ييأس من رحمة الله، أي أن يكون بين الخوف والرجاء، يخاف عقاب الله على ذنوبه ويرجوا رحمة الله.

فَهذَا دِيْنُنَا واعْتِقَادُنَا ظَاهِرًا وبَاطِنًا، لأن المخالفة بين الظاهر والباطن من أوصاف المنافقين ونَحْنُ برءَاءُ إلى الله مِنْ كلّ مَنْ خَالَفَ الذي ذَكَرْنَاهُ وبَيَّنَّاهُ. ونَسْألُ الله تَعَالى أنْ يُثَبتَنا على الإيمانِ ويَخْتِمْ لَنَا به، ويَعْصِمَنا مِنَ الأهْوَاءِ المُخْتَلِفَةِ أي ونسأله تعالى أن يحفظنا من العقائد التي مال إليها المخالفون لأهل السنة، وأن يحفظنا من الآراءِ المُتَفرِقَةِ والمَذَاهِبِ الرَّدِيَّةِ مِثْلِ المُشَبِهةِ الذين يصفون الله بصفات البشر كالجلوس والقعود والاستقرار والنزول والصعود الحقيقيين والأعضاء والجوارح والمُعتَزِلَةِ القائلين بأن العبد يخلق أفعاله الاختيارية أي يحدها من العدم إلى الوجود وهذا شرك والجَهْمِيةِ وهم طائفةٌ منسوبةٌ إلى جهم بن صفوان الذي كان يقول إن الله هو هذا الهواء وعلى كل شيء،

والجَبْرِيَّةِ القائلين بأن العبد لا فعل له بالمرة فنفوا التكليف عنه، والقَدَرِيَّةِ أي المعتزلة، وغَيْرهِمْ مِن الذينَ خالفوا السُّنَّةَ والجَمَاعَةَ وحالفوا الضَّلَالَةَ، أي لزوموها، ونَحْنُ مِنْهُمْ بَرَاءٌ وهُمْ عِندَنَا ضُلَّالٌ وأرْدِيَاء. وبالله العِصْمَةُ عن المعاصي والتَّوْفِيقُ للطاعات. ومعنى التوفيق فتح باب الخير وإغلاق باب الشر. وقال بعضهم التوفيق خلق القدرة على الطاعة وهذا بيد الله وحده سبحانه وتعالى هذا والله تعالى أعلم وأحكم.