بَعْدَ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ مِنْ رَفْعِ عِيسَى إِلَى السَّمَاءِ كَثُرَ الَّذِينَ حَرَّفُوا دِينَ الْمَسِيحِ وَقَلَّ الآخَرُونَ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى الإِسْلامِ قِلَّةً ظَاهِرَةً ثُمَّ بَعْدَ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ وَشَىْءٍ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْ أُولَئِكَ الْمُسْلِمِينَ الْمُؤْمِنِينَ.
وَقَوْمُ مُوسَى مَا ثَبَتُوا عَلَى الإِسْلامِ كَمَا ثَبَتَتْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ، أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ثَبَتَتْ عَلَى الإِسْلامِ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ إِلَى الآنَ، قِسْمٌ كَبِيرٌ مِنْ قَوْمِ مُوسَى كَفَرُوا بَعْدَ مِئَاتٍ مِنَ السِّنِينَ وَحَرَّفُوا دِينَهُ وَلَمَّا جَاءَ الْمَسِيحُ كَذَّبُوهُ وَأَنْكَرُوا نُبُوَّتَهُ.
الْعِبَادُ عَلَيْهِمْ أَنْ يُصَدِّقُوا بِالنَّبِىِّ الَّذِى يَأْتِى بَعْدَ النَّبِىِّ السَّابِقِ، لا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا لَهُ نَحْنُ كُنَّا تَابِعِينَ لِلنَّبِىِّ السَّابِقِ فَنَحْنُ لا نَعْتَرِفُ بِكَ، فَكَانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ لَمَّا ظَهَرَ الْمَسِيحُ وَأَظْهَرَ الْمُعْجِزَاتِ أَنْ يَتَّبِعُوهُ.
وَالأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا يُكَذِّبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَانَ يَأْمُرُ بِتَصْدِيقِ سَائِرِ الأَنْبِيَاءِ وَعَلَى النَّاسِ أَنْ يَتَّبِعُوا شَرِيعَةَ النَّبِىِّ الَّذِى فِى زَمَنِهِمْ.
أَمَّا الدِّينُ الَّذِى أَنْزَلَهُ اللَّهُ فَوَاحِدٌ وَالْعَقِيدَةُ وَاحِدَةٌ وَهِىَ الإِيـمَانُ بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ الَّذِى أَرْسَلَهُ اللَّهُ وَالْمَلائِكَةِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ الَّتِى أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى بَعْضِ أَنْبِيَائِهِ وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ أَىْ أَنَّ كُلَّ مَا يَحْصُلُ فِى هَذَا الْعَالَمِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ فَهُوَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ فَالْخَيْرُ مِنْ أَعْمَالِ الْعِبَادِ بِمَحَبَّتِهِ وَرِضَاهُ وَالشَّرُّ مِنْ أَعْمَالِ الْعِبَادِ لا بِمَحَبَّتِهِ وَلا بِرِضَاهُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ وَأَنَّهُ لا يُشْبِهُ الْمَخْلُوقَاتِ. فَكُلُّ هَذِهِ الأُمُورِ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ التَّصْدِيقُ بِهَا. وَالْمُكَلَّفُ هُوَ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ الَّذِى بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ الإِسْلامِ.
الأَسْئِلَةُ
(1) مَتَى كَثُرَ الَّذِينَ حَرَّفُوا دِينَ الْمَسِيحِ أَىِ الإِسْلامَ.
(2) بَعْدَ كَمْ سَنَةٍ مِنْ رَفْعِ الْمَسِيحِ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْ أَتْبَاعِهِ.
(3) قَوْمُ مُوسَى هَلْ ثَبَتُوا عَلَى الإِسْلامِ، كَيْفَ.
(4) هَلْ تَحْفَظُ دَلِيلًا مِنَ الْقُرْءَانِ عَلَى أَنَّ الدِّينَ الصَّحِيحَ هُوَ الإِسْلامُ.
(5) مَا هِىَ عَقِيدَةُ كُلِّ الأَنْبِيَاءِ.
(6) هَلْ تَعْرِفُ مَنْ هُوَ الْمُكَلَّفُ.
مِنْ وَصَايَا سَيِّدِنَا الْمَسِيحِ
كَانَ مِنْ جُمْلَةِ وَصَايَا الْمَسِيحِ لِأَتْبَاعِهِ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ إِنَّهُ يَأْتِى بَعْدِى نَبِىٌّ اسْمُهُ أَحْمَدُ فَآمِنُوا بِهِ وَاتَّبِعُوهُ إِذَا ظَهَرَ وَكَانَ مِمَّنْ سَمِعَ وَصِيَّةَ الْمَسِيحِ وَاحِدٌ مِنَ الْجِنِّ الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ أَخْبَرَ بِذَلِكَ جَمَاعَةً مِنَ الْبَشَرِ مِنَ الْيَمَنِ كَانُوا خَرَجُوا مِنْ بِلادِهِمْ وَنَزَلُوا بِأَرْضٍ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ اسْمُ رَسُولِ اللَّهِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ فِى الدُّنْيَا ظُهُورًا تَامًّا. ثُمَّ أَدْرَكَهُمُ الْمَبِيتُ بِالْبَرِّيَّةِ وَفِى ءَاخِرِ اللَّيْلِ سَمِعَ أَحَدُهُمْ وَهُوَ الْجَعْدُ ابْنُ قَيْسٍ صَوْتَ هَاتِفٍ أَىْ صَوْتَ الْجِنِّىِّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرَى شَخْصَهُ يَقُولُ
أَلا أَيُّهَا الرَّكْبُ الْمُعَرِّسُ [أَىِ النَّازِلُ بِاللَّيْلِ] بَلِّغُوا إِذَا مَا وَقَفْتُمْ بِالْحَطِيمِ [مَكَانٌ فِى مَكَّةَ] وَزَمْزَمَا
مُحَمَّدًا الْمَبْعُوثَ مِنَّا تَحِيَّةً تُشَيِّعُهُ مِنْ حَيْثُ سَارَ وَيَمَّمَا
وَقُولُوا لَهُ إِنَّا لِدِينِكَ شِيعَةٌ [أَىْ أَنْصَارٌ] بِذَلِكَ أَوْصَانَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَا
وَهَذَا الْجِنِّىُّ كَانَ مُؤْمِنًا أَدْرَكَ الْمَسِيحَ قَبْلَ أَنْ يَصْعَدَ إِلَى السَّمَاءِ وَسَمِعَ كَلامَهُ فَآمَنَ وَأَسْلَمَ. ثُمَّ عَرَفَ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا ﷺ وَشَاهَدَهُ وَءَامَنَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَهُ هَؤُلاءِ النَّاسُ الَّذِينَ كَانُوا مُتَوَجِّهِينَ مِنَ الْيَمَنِ إِلَى مَكَّةَ لِأُمُورٍ دُنْيَوِيَّةٍ.
وَأَمَّا هَذَا الَّذِى سَمِعَ الْهَاتِفَ لَمَّا دَخَلَ إِلَى مَكَّةَ سَأَلَ عَنِ النَّبِىِّ حَتَّى دُلَّ عَلَيْهِ فَاجْتَمَعَ بِهِ وَءَامَنَ بِهِ وَأَسْلَمَ.
الأَسْئِلَةُ
(1) مَا هِىَ وَصِيَّةُ سَيِّدِنَا الْمَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأَتْبَاعِهِ الْمُسْلِمِينَ.
(2) هَلْ سَمِعَ أَحَدُ الْجِنِّ هَذِهِ الْوَصِيَّةَ، مَنْ أَخْبَرَ بِهَا، أَيْنَ كَانَ هَؤُلاءِ الْبَشَرُ.
(3) مَا اسْمُ الرَّجُلِ الَّذِى سَمِعَ صَوْتَ الْجِنِّىِّ الَّذِى كَانَ يُنْشِدُ.
(4) هَلْ تَحْفَظُ مَا قَالَ.
(5) مَاذَا فَعَلَ الرَّجُلُ الَّذِى سَمِعَ الْهَاتِفَ.
قِصَّةُ أَصْحَابِ الْفِيلِ
وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِى الْعَامِ الَّذِى غَزَا فِيهِ أَبْرَهَةُ الْحَبَشِىُّ الْكَعْبَةَ فَأَهْلَكَهُ اللَّهُ وَجَيْشَهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ.
وَكَانَ أَبْرَهَةُ قَدْ بَنَى فِى الْيَمَنِ كَنِيسَةً سَمَّاهَا الْقُلَّيْس فَلَمَّا وَجَدَ أَنَّ قُلُوبَ الْعَرَبِ مَا زَالَتْ مُتَعَلِّقَةً بِالْكَعْبَةِ سَارَ بِجُنُودِهِ إِلَيْهَا لِيَهْدِمَهَا وَكَانَ مَعَهُ فِيلٌ كَبِيرٌ فَلَمَّا دَنَا مِنْ مَكَّةَ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالْغَارَةِ عَلَى الْمَوَاشِى فَأَصَابُوا إِبِلًا لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَبَعَثَ أَحَدَ جُنُودِهِ إِلَى مَكَّةَ فَلَقِىَ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بنَ هَاشِمٍ فَقَالَ إِنَّ الْمَلِكَ أَرْسَلَنِى إِلَيْكَ لِأُخْبِرَكَ بِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ لِقِتَالٍ إِلَّا أَنْ تُقَاتِلُوهُ وَإِنَّمَا جَاءَ لِهَدْمِ هَذَا الْبَيْتِ ثَمَّ يَنْصَرِفُ عَنْكُمْ فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ «مَا لَهُ عِنْدَنَا قِتَالٌ وَمَا لَنَا بِهِ يَدٌ إِنَّا سَنُخْلِى بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا جَاءَ لَهُ».
رَجَعَ مَبْعُوثُ أَبْرَهَةَ وَمَعَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إِلَى أَبْرَهَةَ فَلَمَّا دَخَلَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ عَلَى أَبْرَهَةَ عَظَّمَهُ وَكَرَّمَهُ ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ قُلْ لَهُ مَا حَاجَتُكَ إِلَى الْمَلِكِ فَسَأَلَهُ التَّرْجُمَانُ فَقَالَ «حَاجَتِى أَنْ يَرُدَّ عَلَىَّ مِائَتَىْ بَعِيرٍ أَصَابَهَا».
فَقَالَ أَبْرَهَةُ لِتَرْجُمَانِهِ قُلْ لَهُ لَقَدْ كُنْتَ أَعْجَبْتَنِى حِينَ رَأَيْتُكَ وَلَقَدْ زَهِدْتُ الآنَ فِيكَ جِئْتُ إِلَى بَيْتٍ هُوَ دِينُكَ لِأَهْدِمَهُ فَلَمْ تُكَلِّمْنِى فِيهِ وَتُكَلِّمُنِى فِي إِبِلٍ أَصَبْتُهَا.
فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ «أَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الإِبِلِ وَلِهَذَا الْبَيْتِ رَبٌّ سَيَمْنَعُهُ» فَأَمَرَ بِإِبِلِهِ فَرُدَّتْ عَلَيْهِ فَخَرَجَ فَأَخْبَرَ قُرَيْشًا وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَتَفَرَّقُوا فِى الشِّعَابِ وَرُءُوسِ الْجِبَالِ خَوْفًا مِنْ أَذَى الْجَيْشِ إِذَا دَخَلَ فَفَعَلُوا.
أَصْبَحَ أَبْرَهَةُ بَعْدَ أَنْ كَلَّمَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ مُتَهَيِّئًا لِدُخُولِ مَكَّةَ فَبَرَكَ الْفِيلُ فَحَرَّكُوهُ لِلنُّهُوضِ فَأَبَى فَضَرَبُوهُ فَأَبَى فَوَجَّهُوهُ إِلَى الْيَمَنِ رَاجِعًا فَقَامَ يُهَرْوِلُ وَوَجَّهُوهُ إِلَى الشَّامِ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ وَإِلَى الْمَشْرِقِ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ فَوَجَّهُوهُ إِلَى الْحَرَمِ فَأَبَى وَأَرْسَلَ اللَّهُ طَيْرًا مِنَ الْبَحْرِ جَمَاعَاتٍ جَمَاعَاتٍ.
وَكَانَ مَعَ كُلِّ طَيْرٍ ثَلاثَةُ أَحْجَارٍ حَجَرَانِ فِى رِجْلَيْهِ وَحَجَرٌ فِى مِنْقَارِهِ وَكَانَ كُلُّ حَجَرٍ فَوْقَ حَبَّةِ الْعَدَسِ وَدُونَ حَبَّةِ الْحِمَّصِ مَكْتُوبٌ عَلَى كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ رَجُلٍ مِنْ جَيْشِ أَبْرَهَةَ يَنْزِلُ عَلَى رَأْسِهِ وَيَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ فَهَلَكُوا وَلَمْ يَدْخُلُوا الْحَرَمَ.
وَمِرِضَ أَبْرَهَةُ فَتَقَطَّعَ أَنْمُلَةً أَنْمُلَةً وَمَا مَاتَ حَتَّى انْصَدَعَ صَدْرُهُ عَنْ قَلْبِهِ. وَقِيلَ كَانَ الْعَسْكَرُ سِتِّينَ أَلْفًا لَمْ يَرْجِعْ مِنْهُمْ إِلَّا أَمِيرُهُمْ فِى مَجْمُوعَةٍ قَلِيلَةٍ.
الأَسْئِلَةُ
(1) مَتَى وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَيْنَ.
(2) مَنْ هُوَ أَبْرَهَةُ، مَاذَا فَعَلَ.
(3) لَمَّا دَخَلَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ عَلَى أَبْرَهَةَ مَاذَا حَصَلَ.
(4) كَيْفَ حَاوَلَ أَبْرَهَةُ أَنْ يَهْدِمَ الْكَعْبَةَ، مَاذَا فَعَلَ الْفِيلُ.
(5) مَا هِىَ قِصَّةُ الطُّيُورِ الَّتِى جَاءَتْ مِنَ الْبَحْرِ، مَاذَا كَانَ مَعَهَا، مَاذَا فَعَلَتْ بِجَيْشِ أَبْرَهَةَ.
(6) كَيْفَ مَاتَ أَبْرَهَةُ، كَمْ كَانَ عَدَدُ جَيْشِهِ.
