الصِّفَاتُ الثَّلاثَ عَشْرَةَ هِىَ الصِفَاتُ الْقَائِمَةُ بِذَاتِ اللَّهِ بِالِاتِّفَاقِ وَمَعْنَى الْقَائِمَةِ بِذَاتِ اللَّهِ الثَابِتَةُ لَهُ وَهِىَ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْحَقِّ أَىْ لَيْسَتْ حَادِثَةً فِى ذَاتِ اللَّهِ بَلْ هِىَ قَائِمَةٌ بِذَاتِ اللَّهِ أَزَلًا وَأَبَدًا فَلا تَتَغَيَّرُ وَلا تَزِيدُ وَلا تَنْقُصُ كَصِفَاتِ الْخَلْقِ فَمَنْ نَفَى صِفَةً مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ فَهُوَ كَافِرٌ وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِهِ أَنَّ لِلَّهِ ثَلاثَ عَشْرَةَ صِفَةً لِجَهْلِهِ وَلَمْ يَنْفِ وَلَمْ يَشُكَّ فِى وَاحِدَةٍ مِنْهَا ومَا مَرَّتْ عَلَى بَالِهِ بِالْمَرَّةِ لَكِنَّهُ اعْتَقَدَ مَعْنَى الشَّهَادَتَيْنِ فَهُوَ مُسْلِمٌ.

وَقَدْ ذَكَرَ عَبْدُ الْمَجِيدِ الشُّرْنُوبِىُّ فِى شَرْحِ تَائِيَّةِ السُّلُوكِ وَأَبُو بَكْرٍ الدِّمْيَاطِىُّ فِى كِتَابِهِ إِعَانَةُ الطَّالِبِينَ أَنَّهُ (جَرَتْ عَادَةُ الْعُلَمَاءِ الْمُؤَلِّفِينَ فِى الْعَقِيدَةِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى قَوْلِهِمْ إِنَّ الْوَاجِبَ الْعَيْنِىَّ الْمَفْرُوضَ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَىِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ أَنْ يَعْرِفَ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ ثَلاثَ عَشْرَةَ صِفَةً الْوُجُودَ وَالْقِدَمَ وَالْمُخَالَفَةَ لِلْحَوَادِثِ وَالْوَحْدَانِيَّةَ وَالْقِيَامَ بِنَفْسِهِ وَالْبَقَاءَ وَالْقُدْرَةَ وَالإِرَادَةَ وَالْحَيَاةَ وَالْعِلْمَ وَالْكَلامَ وَالسَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ عَلَى اللَّهِ مَا يُنَافِى هَذِهِ الصِّفَاتِ.

وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الصِّفَاتُ ذُكِرَتْ كَثِيرًا فِى النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ قَالَ الْعُلَمَاءُ يَجِبُ مَعْرِفَتُهَا وُجُوبًا عَيْنِيًّا أَىْ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ بِعَيْنِهِ) وَلا يَجِبُ حِفْظُ أَلْفَاظِهَا عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ، وَعِنْدَ الأَشَاعِرَةِ صِفَاتُ اللَّهِ الَّتِى يَجِبُ مَعْرِفَتُهَا عَيْنًا ثَلاثَ عَشْرَةَ صِفَةً وَمَا عَدَا هَذِهِ الثَّلاثَ عَشْرَةَ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ السُّنَّةِ إِنَّهَا حَادِثَةٌ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ قَائِمَةً بِذَاتِ اللَّهِ وَأَمَّا عِنْدَ الْمَاتُرِيدِيَّةِ فَصِفَاتُ اللَّهِ لا تُحْصَرُ بِعَدَدٍ وَذَلِكَ لِأَنَّ صِفَاتِ الأَفْعَالِ كَالإِحْيَاءِ وَالإِمَاتَةِ وَالرَّزْقِ وَالإِسْعَادِ وَالإِشْقَاءِ عِنْدَهُمْ صِفَاتٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِ اللَّهِ لِذَلِكَ قَالُوا إِنَّهَا أَزَلِيَّةٌ قَدِيمَةٌ أَبَدِيَّةٌ (وَقَالَ بَعْضُهُمْ بِوُجُوبِ مَعْرِفَةِ عِشْرِينَ صِفَةً فَزَادُوا سَبْعَ صِفَاتٍ مَعْنَوِيَّةٍ قَالُوا وَكَوْنُهُ تَعَالَى قَادِرًا وَمُرِيدًا وَحَيًّا وَعَالِمًا وَمُتَكَلِّمًا وَسَمِيعًا وَبَصِيرًا وَالطَّرِيقَةُ الأُولَى هِىَ الرَّاجِحَةُ).

الْوُجُودُ

(اعْلَمْ رَحِمَكَ اللَّهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَوْجُودٌ أَزَلًا وَأَبَدًا فَلَيْسَ وُجُودُهُ تَعَالَى بِإِيجَادِ مُوجِدٍ) فَالأَصْلُ الَّذِى تُبْنَى عَلَيْهِ الْعَقِيدَةُ الإِسْلامِيَّةُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ وَمَعْرِفَةُ رَسُولِهِ فمَعْرِفَةُ اللَّهِ هُوَ الْعِلْمُ بِأَنَّهُ تَعَالَى مَوْجُودٌ فَيَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّهُ مَوْجُودٌ لا ابْتِدَاءَ لِوُجُودِهِ وَأَنَّهُ مُنْفَرِدٌ بِذَلِكَ فَلا مَوْجُودَ قَدِيمٌ أَزَلِىٌّ إِلَّا اللَّهُ قَالَ تَعَالَى ﴿هُوَ الأَوَّلُ﴾ (وَقَدِ اسْتَنْكَرَ بَعْضُ النَّاسِ قَوْلَ اللَّهُ مَوْجُودٌ لِكَوْنِهِ عَلَى وَزْنِ مَفْعُولٍ وَالْجَوَابُ أَنَّ مَفْعُولًا قَدْ يُطْلَقُ عَلَى مَنْ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ فِعْلُ الْغَيْرِ كَمَا نَقُولُ اللَّهُ مَعْبُودٌ وَهَؤُلاءِ ظَنُّوا بِأَنْفُسِهِمْ أَنَّ لَهُمْ نَصِيبًا فِى عِلْمِ اللُّغَةِ وَلَيْسُوا كَمَا ظَنُّوا. قَالَ اللُّغَوِىُّ الْكَبِيرُ شَارِحُ الْقَامُوسِ الزَّبِيدِىُّ فِى شَرْحِ الإِحْيَاءِ مَا نَصُّهُ وَالْبَارِئُ تَعَالَى مَوْجُودٌ فَصَحَّ أَنْ يُرَى وَقَالَ الْفَيُّومِىُّ اللُّغَوِىُّ صَاحِبُ الْمِصْبَاحِ الْمَوْجُودُ خِلافُ الْمَعْدُومِ).

الْقِدَمُ

(يَجِبُ لِلَّهِ الْقِدَمُ بِمَعْنَى الأَزَلِيَّةِ لا بِمَعْنَى تَقَادُمِ الْعَهْدِ وَالزَّمَنِ) وَالدَّلِيلُ النَّقْلِىُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ قَدِيمٌ أَىْ أَزَلِىٌّ ءَايَاتٌ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿هُوَ الأَوَّلُ﴾ (لِأَنَّ لَفْظَ الْقَدِيمِ وَالأَزَلِىِّ إِذَا أُطْلِقَا عَلَى اللَّهِ كَانَ الْمَعْنَى أَنَّهُ لا بِدَايَةَ لِوُجُودِهِ فَيُقَالُ اللَّهُ أَزَلِىٌّ اللَّهُ قَدِيمٌ، وَإِذَا أُطْلِقَا عَلَى الْمَخْلُوقِ كَانَا بِمَعْنَى تَقَادُمِ الْعَهْدِ وَالزَّمَنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِى الْقَمَرِ ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾)

وَالْعُرْجُونُ هُوَ عِذْقُ النَّخْلِ وَهُوَ شَىْءٌ فِى أَعْلَى النَّخْلِ فَإِنَّهُ إِذَا مَضَى عَلَيْهِ زَمَانٌ يَيْبَسُ فَيَتَقَوَّسُ فَالْقَمَرُ فِى ءَاخِرِهِ يَصِيرُ بِهَيْئَةِ ذَلِكَ فَهُنَا الْقَدِيمُ جَاءَ بِمَعْنَى الشَّىْءِ الَّذِى مَضَى عَلَيْهِ زَمَانٌ طَوِيلٌ (وَقَالَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ الْفَيْرُوزَابَادِىُّ »الْهَرَمَانِ بِنَاءَانِ أَزَلِيَّانِ بِمِصْرَ« وَأَمَّا بُرْهَانُ قِدَمِهِ تَعَالَى) الْعَقْلِىُّ (فَهُوَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ قَدِيمًا لَلَزِمَ حُدُوثُهُ فَيَفْتَقِرُ إِلَى مُحْدِثٍ فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ)

وَمَعْنَاهُ تَوَقُّفُ وُجُودِ الشَّىْءِ عَلَى مَا يَتَوَقَّفُ وُجُودُهُ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ قِيلَ زَيْدٌ أَوْجَدَهُ عَمْرٌو وَعَمْرٌو أَوْجَدَهُ بَكْرٌ وَبَكْرٌ أَوْجَدَهُ زَيْدٌ هَذَا مَعْنَاهُ فِيهِ وَقْفُ وُجُودِ زَيْدٍ عَلَى وُجُودِ عَمْرٍو وَعَلَى وُجُودِ بَكْرٍ وَهَذَا شَىْءٌ لا يَقْبَلُهُ الْعَقْلُ لِأَنَّهُ يُؤَدِّى إِلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ هَذَا مَخْلُوقٌ لِشَىْءٍ هُوَ مَخْلُوقٌ لَهُ أَىْ مَخْلُوقٌ لِمَخْلُوقِهِ (أَوْ) يَلْزَمُ (التَّسَلْسُلُ) وَهُوَ تَوَقُّفُ وُجُودِ شَّىْءٍ عَلَى شَىْءٍ يَتَوَقَّفُ وُجُودُهُ عَلَى غَيْرِهِ وَذَلِكَ وُجُودُهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى غَيْرِهِ وَذَلِكَ يَتَوَقَّفُ وُجُودُهُ عَلَى غَيْرِهِ أَىْ كُلُّ هَؤُلاءِ خَالِقٌ لِمَا يَلِيهِ إِلَى غَيْرِ انْتِهَاءٍ وَهَذَا لا يَقْبَلُهُ الْعَقْلُ.

وَمِثَالُ التَّسَلْسُلِ أَنْ يَقُولَ شَخْصٌ لِآخَرَ لا أُعْطِيكَ دِرْهَمًا حَتَّى أُعْطِيَكَ قَبْلَهُ دِرْهَمًا وَلا أُعْطِيكَ دِرْهَمًا حَتَّى أُعْطِيَكَ قَبْلَهُ دِرْهَمًا وَهَكَذَا لا إِلَى أَوَّلٍ فَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَنْ يُعْطِيَهُ دِرْهَمًا (وَكُلٌّ مِنْهُمَا) أَىِ الدَّوْرُ وَالتَّسَلْسُلُ (مُحَالٌ فَثَبَتَ أَنَّ حُدُوثَهُ تَعَالَى مُحَالٌ وَقِدَمَهُ ثَابِتٌ) وَلَمْ يَقُلْ بِالتَّسَلْسُلِ مُسْلِمٌ فِى السَّلَفِ وَلا فِى الْخَلَفِ إِلَّا أَنَّ بَعْضَ أَدْعِيَاءِ الْحَدِيثِ وَهُوَ ابْنُ تَيْمِيَةَ قَالَ بِأَنَّ نَوْعَ الْعَالَمِ أَزَلِىٌّ قَدِيمٌ أَىْ لَمْ يَزَلْ مَخْلُوقٌ مَعَ اللَّهِ وَهَذَا كُفْرٌ صَرِيحٌ كَمَا قَالَ الزَّرْكَشِىُّ وَغَيْرُهُ.

وَيَكْفِى فِى رَدِّ عَقِيدَةِ ابْنِ تَيْمِيَةَ هَذِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿هُوَ الأَوَّلُ﴾ وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ »كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَىْءٌ غَيْرُهُ« لِأَنَّ نَوْعَ الْعَالَمِ غَيْرُ اللَّهِ كَمَا أَنَّ أَفْرَادَهُ غَيْرُ اللَّهِ. وَسَبَقَ ابْنَ تَيْمِيَةَ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الإِسْلامِ إِلَى الْقَوْلِ بِمَا يُشْبِهُهُ ابْنُ سِينَا وَالْفَارَابِىُّ وَمَنْ وَافَقَهُمَا بِأَنَّ الْعَالَمَ أَزَلِىٌّ مَادَّتُهُ وَأَفْرَادُهُ وَكِلْتَا الْمَقَالَتَيْنِ لِلْفَلاسِفَةِ الأُولَى لِمُحْدَثِيهِمْ وَالثَّانِيَةُ لِمُتَقَدِّمِيهِمْ لَكِنَّ ابْنَ تَيْمِيَةَ يَرْبَأُ بِنَفْسِهِ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ أَخَذَ بِعَقِيدَةِ الْفَلاسِفَةِ وَأَرَادَ أَنْ يَتَسَتَّرَ بِنِسْبَةِ هَذِهِ الْعَقِيدَةِ إِلَى أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ مِنَ السَّلَفِ وَهُوَ كَذِبٌ ظَاهِرٌ وَمَا سَبَقَهُ بِهَا أَحَدٌ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْحَدِيثِ حَتَّى مِنْ مُشَبِّهَةِ الْمُحَدِّثِينَ كَالدَّارِمِىِّ الْمُجَسِّمِ.