(قَالَتِ الْيَهُودُ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ »صِفْ لَنَا رَبَّكَ«. قَدْ كَانَ سُؤَالُهُمْ تَعَنُّتًا أَىْ عِنَادًا لا حُبًّا لِلْعِلْمِ وَاسْتِرْشَادًا بِهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سُورَةَ الإِخْلاصِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ أَىِ الَّذِى لا يَقْبَلُ التَّعَدُّدَ وَالْكَثْرَةَ وَلَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ فِى الذَّاتِ أَوِ الصِّفَاتِ أَوِ الأَفْعَالِ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ أَىْ لا تُشَبِّهُوهُ بِخَلْقِهِ فَاللَّهُ تَعَالَى لا شَبِيهَ لَهُ فِى ذَاتِهِ (وَلَيْسَ لِأَحَدٍ صِفَةٌ كَصِفَاتِهِ بَلْ قُدْرَتُهُ تَعَالَى قُدْرَةٌ وَاحِدَةٌ) وَلَيْسَتْ مُتَعَدِّدَةً بِتَعَدُّدِ الأَشْيَاءِ (يَقْدِرُ بِهَا عَلَى كُلِّ شَىْءٍ) خَلَقَ بِهَا كُلَّ الْحَادِثَاتِ (وَعِلْمُهُ وَاحِدٌ) أَزَلِىٌّ أَبَدِىٌّ (يَعْلَمُ بِهِ كُلَّ شَىْءٍ) يَعْلَمُ بِهِ الأَزَلِىَّ كَذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَيَعْلَمُ بِهِ الْحَادِثَاتِ أَمَّا قُدْرَتُهُ فَشَامِلَةٌ لِلْحَادِثِ،

وَ(قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ أَىِ الَّذِى تَفْتَقِرُ إِلَيْهِ جَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ مَعَ اسْتِغْنَائِهِ عَنْ كُلِّ مَوْجُودٍ وَالَّذِى يُقْصَدُ عِنْدَ الشِّدَّةِ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهَا) وَفِى اللُّغَةِ الصَّمَدُ السَّيِّدُ الْمَقْصُودُ، الشَّخْصُ الَّذِى هُوَ سَيِّدٌ أَىْ عَالِى الْقَدْرِ فِى النَّاسِ مُعْتَبَرٌ فِيهِمْ هَذَا فِى اللُّغَةِ يُسَمَّى صَمَدًا لِذَلِكَ الصَّمَدُ لَيْسَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْخَاصَّةِ بِهِ

بَلْ يَجُوزُ تَسْمِيَةُ غَيْرِهِ بِهِ (وَلا يَجْتَلِبُ) اللَّهُ (بِخَلْقِهِ نَفْعًا لِنَفْسِهِ) أَىْ لا يَنْتَفِعُ بِخَلْقِهِ (وَلا يَدْفَعُ بِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ضَرًّا) أَىْ لا يَدْفَعُ ضَرَرًا بِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ فَهُمْ لا يَنْفَعُونَهُ وَلا يَضُرُّونَهُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّنْ رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ وَ(قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ نَفْىٌ لِلْمَادِّيَّةِ وَالِانْحِلالِ وَهُوَ أَنْ يَنْحَلَّ مِنْهُ شَىْءٌ أَوْ أَنْ يَحُلَّ هُوَ فِى شَىْءٍ) أَىْ أَنَّهُ لَيْسَ أَبًا وَلا ابْنًا فَقَوْلُهُ ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ يُعْطِى هَذَا الْمَعْنَى أَىْ أَنَّهُ لا يَنْحَلُّ مِنْهُ شَىْءٌ أَىْ لا يَجُوزُ أَنْ يَنْفَصِلَ مِنْهُ شَىْءٌ كَمَا يَنْفَصِلُ عَنِ الرَّجُلِ وَلَدُهُ،

وَقَوْلُهُ ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ يُعْطِى أَنَّهُ لا يَحُلُّ هُوَ فِى شَىْءٍ (وَمَا وَرَدَ فِى كِتَابِ مَوْلِدِ الْعَرُوسِ مِنْ أَنَّ اللَّهَ قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ نُورِ وَجْهِهِ فَقَالَ لَهَا كُونِى مُحَمَّدًا فَكَانَتْ مُحَمَّدًا فَهَذِهِ مِنَ الأَبَاطِيلِ الْمَدْسُوسَةِ) الَّتِى أَدْخَلَهَا بَعْضُ النَّاسِ عَلَى الإِسْلامِ لِأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ تُوهِمُ أَنَّ اللَّهَ لَهُ أَجْزَاءٌ وَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ بَعْضٌ وَجُزْءٌ وَعَنْ أَنْ يَنْحَلَّ مِنْهُ شَىْءٌ (وَحُكْمُ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جُزْءٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى التَّكْفِيرُ قَطْعًا وَكَذَلِكَ الَّذِى يَعْتَقِدُ فِى الْمَسِيحِ أَنَّهُ جُزْءٌ مِنَ اللَّهِ) رُوحٌ مُنْفَصِلٌ مِنَ اللَّهِ فَهُوَ كَافِرٌ.

قَالَ تَعَالَى ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ (وَلَيْسَ هَذَا الْكِتَابُ لِابْنِ الْجَوْزِىِّ رَحِمَهُ اللَّهُ) الَّذِى كَانَ مُحَدِّثًا فَقِيهًا مُفَسِّرًا بَلْ هَذَا الْكِتَابُ مُلْصَقٌ بِهِ (وَلَمْ يَنْسُبْهُ إِلَيْهِ إِلَّا الْمُسْتَشْرِقُ بُروكلْمَان) وَهُوَ رَجُلٌ أَفْرَنْجِىٌّ كَافِرٌ تَعَلَّمَ لُغَةَ الْعَرَبِ وَصَارَ يَنْظُرُ فِى مُؤَلَّفَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَيَقُولُ مِنْ غَيْرِ تَحْقِيقٍ وَدَلِيلٍ هَذَا لِفُلانٍ وَ(قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ أَىْ لا نَظِيرَ لَهُ) فَلا يُشْبِهُ شَيْئًا (بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ).

الآيَاتُ الْمُحْكَمَاتُ وَالْمُتَشَابِهَاتُ

(لِفَهْمِ هَذَا الْمَوْضُوعِ كَمَا يَنْبَغِى يَجِبُ مَعْرِفَةُ أَنَّ الْقُرْءَانَ تُوجَدُ فِيهِ ءَايَاتٌ مُحْكَمَاتٌ) وَهِىَ الَّتِى دِلالَتُهَا عَلَى الْمُرَادِ وَاضِحَةٌ (وَءَايَاتٌ مُتَشَابِهَاتٌ) وَهِىَ الَّتِى دِلالَتُهَا عَلَى الْمُرَادِ غَيْرُ وَاضِحَةٍ (قَالَ تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِى أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ ءَايَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِى الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾)

وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ أَىِ الزَّيْعِ أَىِ ابْتِغَاءَ الإِيقَاعِ فِى الأَمْرِ الْمَحْظُورِ لِأَنَّ الْمُشَبِّهَةَ غَرَضُهُمْ فِى جِدَالِهِمْ أَنْ يُوقِعُوا السُّنِّىَّ فِى اعْتِقَادِهِمُ الْبَاطِلِ وَالَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ هُمْ أَهْلُ الأَهْوَاءِ كَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ. ثُمَّ الْمُتَشَابِهُ قِسْمَانِ أَحَدُهُمَا مَا لا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ كَوَجْبَةِ الْقِيَامَةِ وَالثَّانِى يَعْلَمُهُ أَيْضًا الرَّاسِخُونَ فِى الْعِلْمِ كَمَعْنَى الِاسْتِوَاءِ الْمَذْكُورِ فِى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ فَإِنَّ الرَّاسِخِينَ فَسَّرُوهُ بِالْقَهْرِ.

وَلْيُعْلَمْ أَنَّ الآيَاتِ الْقُرْءَانِيَّةَ أَغْلَبُهَا مُحْكَمَةٌ وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى الْمُحْكَمَاتِ أُمَّ الْكِتَابِ أَىْ أُمَّ الْقُرْءَانِ لِأَنَّهَا الأَصْلُ الَّذِى تُرَدُّ إِلَيْهَا الْمُتَشَابِهَاتُ وَ(الآيَاتُ الْمُحْكَمَةُ هِىَ مَا لا يَحْتَمِلُ مِنَ التَّأْوِيلِ بِحَسَبِ وَضْعِ اللُّغَةِ إِلَّا وَجْهًا وَاحِدًا أَوْ مَا عُرِفَ الْمُرَادُ بِهِ بِوُضُوحٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ وَقَوْلِهِ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ وَقَوْلِهِ ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾) أَىْ مِثْلًا أَيْ لَيْسَ لَهُ مَثِيلٌ وَلا شَبِيهٌ وَهَذِهِ الآيَاتُ لا يَجُوزُ تَأْوِيلُهَا أَيْ إِخْرَاجُهَا عَنْ ظَاهِرِهَا لِأَنَّ إِخْرَاجَ النَّصِّ عَنْ ظَاهِرِهِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ نَقْلِىٍّ أَوْ عَقْلِىٍّ عَبَثٌ لا يَجُوزُ فِى كَلامِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلا فِى كَلامِ نَبِيِّهِ كَمَا قَالَ الرَّازِىُّ.

وَلا يُخَالِفُ تَقْسِيمَ الآيَاتِ إِلَى مُحْكَمٍ وَمُتَشَابِهٍ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ ءَايَاتُهُ﴾ وَقَوْلُهُ ﴿كِتَابًا مُّتَشَابِهًا﴾ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِإِحْكَامِهِ إِتْقَانُهُ وَعَدَمُ تَطَرُّقِ النَّقْصِ وَالِاخْتِلافِ إِلَيْهِ وَبِتَشَابُهِهِ كَوْنُهُ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا فِى الْحَقِّ وَالصِّدْقِ وَالإِعْجَازِ.