(وَيَكْفُرُ مُنْكِرُ عَذَابِ الْقَبْرِ لِقَوْلِ اللَّهِ ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ بِخِلافِ مُنْكِرِ سُؤَالِهِ فَلا يُكَفَّرُ) بَلْ يُفَسَّقُ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ) إِنْكَارُهُ (عَلَى وَجْهِ الْعِنَادِ) كَأَنْ سَمِعَ بِأَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَثْبَتَ ذَلِكَ وَمَعَ ذَلِكَ أَنْكَرَهُ.
الْبَعْثُ
(الْبَعْثُ حَقٌّ) وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ النُّصُوصِ الْقَاطِعَةِ بِحَشْرِ الأَجْسَادِ (وَهُوَ خُرُوجُ الْمَوْتَى مِنَ الْقُبُورِ بَعْدَ إِعَادَةِ الْجَسَدِ الَّذِى أَكَلَهُ التُّرَابُ إِنْ كَانَ مِنَ الأَجْسَادِ الَّتِى يَأْكُلُهَا التُّرَابُ وَهِىَ أَجْسَادُ غَيْرِ الأَنْبِيَاءِ وَشُهَدَاءِ الْمَعْرَكَةِ وَبَعْضِ الأَوْلِيَاءِ لِمَا تَوَاتَرَ مِنْ مُشَاهَدَةِ بَعْضِ الأَوْلِيَاءِ. وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَهْلُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالطَّائِفِ مِنْ أَوَّلِ مَنْ يُبْعَثُ) وَإِنَّمَا قِيلَ مِنْ أَوَّلِ مَنْ يُبْعَثُ لِأَنَّ الأَنْبِيَاءَ هُمْ أَوَّلُ مَنْ يُبْعَثُ.
الْحَشْرُ
(وَالْحَشْرُ حَقٌّ وَهُوَ أَنْ يُجْمَعُوا بَعْدَ الْبَعْثِ إِلَى مَكَانٍ) وَبَرُّ الشَّامِ هِىَ أَرْضُ الْمَحْشَرِ وَالْمَنْشَرِ يُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَيْهَا الْعِبَادُ وَأُمُّ بَرِّ الشَّامِ فِلَسْطِينُ فَهِىَ الأَصْلُ لِأَنَّ الأَنْبِيَاءَ أَكْثَرُهُمْ كَانُوا فِى فِلَسْطِينَ (وَيَكُونُ) الْحَشْرُ (عَلَى الأَرْضِ الْمُبَدَّلَةِ وَهِىَ أَرْضٌ مُسْتَوِيَةٌ كَالْجِلْدِ الْمَشْدُودِ لا جِبَالَ فِيهَا وَلا وِدْيَانَ أَكْبَرُ وَأَوْسَعُ مِنْ أَرْضِنَا هَذِهِ بَيْضَاءُ كَالْفِضَّة وَيَكُونُ الْحَشْرُ عَلَى ثَلاثَةِ أَحْوَالٍ) أَىْ أَنَّ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِى الْحَشْرِ يَكُونُونَ عَلَى هَذِهِ الأَحْوَالِ الثَّلاثَةِ (قِسْمٌ) مِنَ النَّاسِ يُحْشَرُونَ (طَاعِمُونَ كَاسُونَ رَاكِبُونَ عَلَى نُوقٍ رَحَائِلُهَا مِنْ ذَهَبٍ وَهُمُ الأَتْقِيَاءُ وَقِسْمٌ) يُحْشَرُونَ وَهُمْ (حُفَاةٌ عُرَاةٌ وَهُمُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ وَقِسْمٌ يُحْشَرُونَ وَيُجَرُّونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ وَهُمُ الْكُفَّارُ).
الْحِسَابُ
(وَالْحِسَابُ حَقٌّ وَهُوَ عَرْضُ أَعْمَالِ الْعِبَادِ عَلَيْهِمْ) أَىِ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُعْرَضُ عَلَيْهِمْ أَعْمَالُهُمْ كُلٌّ مَعَهُ كِتَابُهُ الَّذِى كُتِبَ فِيهِ مَا عَمِلَ (وَيَكُونُ) الْحِسَابُ (بِتَكْلِيمِ اللَّهِ لِلْعِبَادِ جَمِيعِهِمْ) وَالْعِبَادُ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ الأَزَلِىَّ الَّذِى لا يُشْبِهُ كَلامَ الْعَالَمِينَ (فَيَفْهَمُونَ مِنْ كَلامِ اللَّهِ السُّؤَالَ عَمَّا فَعَلُوا بِالنِّعَمِ الَّتِى أَعْطَاهُمُ اللَّهُ إِيَّاهَا فَيُسَرُّ الْمُؤْمِنُ التَّقِيُّ وَلا يُسَرُّ الْكَافِرُ لِأَنَّهُ لا حَسَنَةَ لَهُ فِى الآخِرَةِ بَلْ يَكَادُ يَغْشَاهُ الْمَوْتُ) وَيَغْلِبُ عَلَيْهِ الْخَوْفُ وَالِانْزِعَاجُ وَالْخَجَلُ وَالتَّضَايُقُ وَالْقَلَقُ وَأَمَّا عُصَاةُ الْمُسْلِمِينَ فَيَكُونُونَ عَلَى حَالَيْنِ قِسْمٌ مِنْهُمْ يُصِيبُهُمْ خَوْفٌ وَانْزِعَاجٌ وَقِسْمٌ لا يُصِيبُهُمْ ذَلِكَ (فَقَدْ وَرَدَ فِى الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ »مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ« رَوَاهُ أَحْمَدُ) فِى مُسْنَدِهِ (وَالتِّرْمِذِىُّ) فِى سُنَنِهِ.
الْمِيزَانُ
(وَالْمِيزَانُ حَقٌّ) قَالَ تَعَالَى ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (وَهُوَ كَمِيزَانِ الدُّنْيَا لَهُ قَصَبَةٌ وَعَمُودٌ وَكَفَّتَانِ كَفَّةٌ لِلْحَسَنَاتِ وَكَفَّةٌ لِلسَّيِّئَاتِ تُوزَنُ بِهِ الأَعْمَالُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالَّذِى يَتَوَلَّى وَزْنَهَا جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَمَا يُوزَنُ إِنَّمَا هُوَ الصَّحَائِفُ الَّتِى كُتِبَ عَلَيْهَا الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ فَمَنْ رَجَحَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّجَاةِ وَمَنْ تَسَاوَتْ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّجَاةِ أَيْضًا وَلَكِنَّهُ أَقَلُّ رُتْبَةً مِنَ الطَّبَقَةِ الأُولَى وَأَرْفَعُ مِنَ الثَّالِثَةِ) وَيُؤَخَّرُ بُرْهَةً عَنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ ثُمَّ يَدْخُلُ يَكُونُ عَلَى الأَعْرَافِ عَلَى أَعْلَى سُورِ الْجَنَّةِ،
الْجَنَّةُ لَهَا سُورٌ يُحِيطُ بِهَا وَسُورُهَا عَرِيضٌ وَاسِعٌ (وَمَنْ رَجَحَتْ سَيِّئَاتُهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ فَهُوَ تَحْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ. وَأَمَّا الْكَافِرُ فَتَرْجَحُ كَفَّةُ سَيِّئَاتِهِ لا غَيْرَ لِأَنَّهُ لا حَسَنَاتَ لَهُ فِى الآخِرَةِ لِأَنَّهُ أُطْعِمَ بِحَسَنَاتِهِ فِى الدُّنْيَا).
الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ
(الثَّوَابُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ لَيْسَ بِحَقٍّ لِلطَّائِعِينَ وَاجِبٍ عَلَى اللَّهِ وَإِنَّمَا هُوَ فَضْلٌ مِنْهُ وَهُوَ الْجَزَاءُ الَّذِى يُجْزَى بِهِ الْمُؤْمِنُ مِمَّا يَسُرُّهُ فِى الآخِرَةِ. وَالْعِقَابُ لا يَجِبُ عَلَى اللَّهِ أَيْضًا إِيقَاعُهُ لِلْعُصَاةِ وَإِنَّمَا هُوَ عَدْلٌ مِنْهُ وَهُوَ مَا يَسُوءُ الْعَبْدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ أَكْبَرَ وَأَصْغَرَ فَالْعِقَابُ الأَكْبَرُ
هُوَ دُخُولُ النَّارِ وَالْعِقَابُ الأَصْغَرُ مَا سِوَى ذَلِكَ كَأَذَى حَرِّ الشَّمْسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِنَّهَا تُسَلَّطُ عَلَى الْكُفَّارِ فَيَعْرَقُونَ حَتَّى يَصِلَ عَرَقُ أَحَدِهِمْ إِلَى فِيهِ وَلا يَتَجَاوَزُ عَرَقُ هَذَا الشَّخْصِ إِلَى شَخْصٍ ءَاخَرَ بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ حَتَّى يَقُولَ الْكَافِرُ مِنْ شِدَّةِ مَا يُقَاسِي مِنْهَا رَبِّ أَرِحْنِى وَلَوْ إِلَى النَّارِ وَيَكُونُ الْمُؤْمِنُونَ الأَتْقِيَاءُ تِلْكَ السَّاعَةَ تَحْتَ ظِلِّ الْعَرْشِ وَهَذَا مَعْنَى الْحَدِيثِ »سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِى ظِلِّهِ« أَىْ فِى ظِلِّ عَرْشِهِ) رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ وَغَيْرُهُ وَتَمَامُ الْحَدِيثِ »سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِى ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ إِمَامٌ عَادِلٌ وَشَابٌّ نَشَأَ فِى عِبَادَةِ اللَّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِى الْمَسَاجِدِ وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِى اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَافْتَرَقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّى أَخَافُ اللَّهَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ« وَيَلْتَحِقُ بِهِمْ أُنَاسٌ ءَاخَرُونَ ذُكِرُوا فِى أَحَادِيثَ أُخْرَى صَحِيحَةٍ.
