(وَالنَّارُ حَقٌّ) أَىْ وُجُودُهَا ثَابِتٌ (فَيَجِبُ الإِيمَانُ بِهَا وَبِأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ الآنَ كَمَا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنَ الآيَاتِ وَالأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ) كَحَدِيثِ »أُوقِدَ عَلَى النَّارِ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى احْمَرَّتْ وَأَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ وَأَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ فَهِىَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ« رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ (وَهِىَ مَكَانٌ أَعَدَّهُ اللَّهُ لِعَذَابِ الْكُفَّارِ الَّذِى لا يَنْتَهِى أَبَدًا وَبَعْضِ عُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ وَمَكَانُهَا تَحْتَ الأَرْضِ السَّابِعَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً بِهَا) وَلَهَا أَرْضُهَا وَسَقْفُهَا الْمُسْتَقِلَّانِ (وَيَزِيدُ اللَّهُ فِى حَجْمِ الْكَافِرِ فِى النَّارِ لِيَزْدَادَ عَذَابًا حَتَّى يَكُونَ ضِرْسُهُ كَجَبَلِ أُحُدٍ) وَمَا بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ
مَسِيرَةَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ وَلَوْ كَانَتْ خِلْقَتُهُمْ تَكُونُ كَمَا هِىَ فِى الدُّنْيَا لَذَابُوا بِلَحْظَةٍ (وَهُوَ خَالِدٌ فِى النَّارِ أَبَدًا) لا يَخْرُجُ مِنْهَا كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِى النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ وَ(لا يَمُوتُ فِيهَا) فَيَرْتَاحَ مِنَ العَذَابِ (وَلا يَحْيَا أَىْ حَيَاةً فِيهَا رَاحَةٌ) بَلْ هُوَ دَائِمًا فِى نَكَدٍ وَعَذَابٍ.
وَأَهْلُ النَّارِ (لَيْسَ لَهُمْ فِيهَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ) وَهُوَ شَجَرٌ كَرِيهُ الْمَنْظَرِ كَرِيهُ الطَّعْمِ كَرِيهُ الرَّائِحَةِ قَالَ تَعَالَى ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ لَّا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِى مِنْ جُوعٍ﴾ (وَشَرَابُهُمْ مِنَ الْمَاءِ الْحَارِّ الْمُتَنَاهِى الْحَرَارَةِ) قَالَ تَعَالَى ﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ وَالْحَمِيمُ هُوَ الْمَاءُ الْمُتَنَاهِى فِى الْحَرَارَةِ وَالْغَسَّاقُ هُوَ مَا يَسِيلُ مِنْ جُلُودِ أَهْلِ النَّارِ مَلائِكَةُ الْعَذَابِ يَسْقُونَهُمْ مِنْ هَذَا فَتَقَطَّعُ أَمْعَاؤُهُمْ (وَأَمَّا كَوْنُ الْجَنَّةِ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَذَلِكَ ثَابِتٌ فِيمَا صَحَّ مِنَ الْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ »وَفَوْقَهُ يَعْنِى الْفِرْدَوْسَ عَرْشُ الرَّحْمٰنِ« وَأَمَّا كَوْنُ جَهَنَّمَ تَحْتَ الأَرْضِ السَّابِعَةِ فَقَدْ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمُ فِى) كِتَابِهِ (الْمُسْتَدْرَكِ) عَلَى الصَّحِيحَيْنِ (إِنَّ ذَلِكَ جَاءَتْ فِيهِ رِوَايَاتٌ صَحِيحَةٌ).
الشَّفَاعَةُ
(وَالشَّفَاعَةُ حَقٌّ) يَجِبُ الإِيمَانُ بِهَا (وَهِىَ) لُغَةً (سُؤَالُ الْخَيْرِ) أَىْ طَلَبُ الْخَيْرِ (مِنَ الْغَيْرِ لِلْغَيْرِ) وَالشَّفَاعَةُ فِى الآخِرَةِ تَكُونُ لِتَخْلِيصِ النَّاسِ مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهَذِهِ لِسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّا الْكُفَّارُ فَيَنْتَقِلُونَ مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ إِلَى عَذَابٍ أَشَدَّ. وَمِنَ الشَّفَاعَةِ الشَّفَاعَةُ فِى إِخْرَاجِ
بَعْضِ عُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ مَاتُوا بِلا تَوْبَةٍ مِنْ جَهَنَّمَ وَهَذِهِ يَشْتَرِكُ فِيهَا الرَّسُولُ وَغَيْرُهُ فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ »يَخْرُجُ نَاسٌ مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ« رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ (فَيَشْفَعُ النَّبِيُّونَ وَالْعُلَمَاءُ الْعَامِلُونَ وَالشُّهَدَاءُ وَالْمَلائِكَةُ وَيَشْفَعُ نَبِيُّنَا لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِهِ فَقَدْ جَاءَ فِى الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ »شَفَاعَتِى لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِى« رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ، أَىْ غَيْرُ أَهْلِ الْكَبَائِرِ) وَالَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ تَائِبُونَ (لَيْسُوا بِحَاجَةٍ لِلشَّفَاعَةِ) لِلإِنْقَاذِ مِنَ الْعَذَابِ (وَتَكُونُ)
الشَّفَاعَةُ (لِبَعْضِهِمْ) أَىْ لِبَعْضِ عُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ (قَبْلَ دُخُولِهِمُ النَّارَ وَلِبَعْضٍ بَعْدَ دُخُولِهِمْ قَبْلَ أَنْ تَمْضِىَ الْمُدَّةُ الَّتِى يَسْتَحِقُّونَ بِمَعَاصِيهِمْ وَلا تَكُونُ لِلْكُفَّارِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾) فَلا تَكُونُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا لِمَنْ ءَامَنَ بِمُحَمَّدٍ وَلِذَلِكَ قَالَ لِابْنَتِهِ فَاطِمَةَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ »يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِى مَا شِئْتِ مِنْ مَالِى لا أُغْنِى عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا «رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ وَمَعْنَاهُ لا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُنْقِذَكِ مِنَ النَّارِ إِذَا لَمْ تُؤْمِنِى أَمَّا فِى الدُّنْيَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَنْفَعَكِ بِمَالِى (وَأَوَّلُ شَافِعٍ يَشْفَعُ هُوَ النَّبِىُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ تُقْبَلُ شَفَاعَتُهُ فَهُوَ يَخْتَصُّ بِالشَّفَاعَةِ الْعُظْمَى وَقَدْ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا لا تَخْتَصُّ بِأُمَّتِهِ فَقَطْ بَلْ يَنْتَفِعُ بِهَا غَيْرُ أُمَّتِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَهِىَ لِتَخْلِيصِهِمْ مِنَ الِاسْتِمْرَارِ فِى حَرِّ الشَّمْسِ فِى الْمَوْقِفِ.
الرُّوحُ
(يَجِبُ الإِيمَانُ بِالرُّوحِ وَهِىَ جِسْمٌ لَطِيفٌ لا يَعْلَمُ حَقِيقَتَهُ إِلَّا اللَّهُ) وَقَدْ أَخْفَى اللَّهُ عَنَّا حَقِيقَتَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَا أُوتِيتُمْ مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ فَنَتْرُكُ الْخَوْضَ فِى الْبَحْثِ عَنْ حَقِيقَتِهِ لِأَنَّهُ أَمْرٌ لَنْ نَصِلَ إِلَيْهِ (وَقَدْ أَجْرَى اللَّهُ الْعَادَةَ أَنْ تَسْتَمِرَّ الْحَيَاةُ فِى أَجْسَامِ الْمَلائِكَةِ وَالإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالْبَهَائِمِ مَا دَامَتْ تِلْكَ الأَجْسَامُ اللَّطِيفَةُ مُجْتَمِعَةً مَعَهَا وَتُفَارِقَهَا إِذَا فَارَقَتْهَا تِلْكَ الأَجْسَامُ وَهِىَ حَادِثَةٌ)
مَخْلُوقَةٌ (لَيْسَتْ قَدِيمَةً) وَلَكِنَّهَا بَاقِيَةٌ لا تَفْنَى (فَمَنْ قَالَ إِنَّهَا قَدِيمَةٌ لَيْسَتْ مَخْلُوقَةً فَقَدْ كَفَرَ وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ الْبَهَائِمُ لا أَرْوَاحَ لَهَا كَمَا قَالَ ذَلِكَ مُحَمَّدُ مُتَوَلِّى الشَّعْرَاوِىُّ فِى كِتَابَيْهِ التَّفْسِيرِ وَالْفَتَاوَى وَذَلِكَ تَكْذِيبٌ لِلْقُرْءَانِ وَإِنْكَارٌ لِلْعِيَانِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ »لَتُؤَدَّنَّ الْحُقُوقُ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ« رَوَاهُ مُسْلِمٌ) وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَأْخُذُ الْحُقُوقَ لِأَهْلِهَا حَتَّى يُقَادَ أَىْ حَتَّى يُؤْخَذَ حَقُّ الْجَلْحَاءِ أَىِ الشَّاةِ الَّتِى لَيْسَ لَهَا قَرْنٌ مِنَ الْقَرْنَاءِ الَّتِى ضَرَبَتْهَا فِى الدُّنْيَا،
الْقَرْنَاءُ مَعْنَاهُ الَّتِى لَهَا قَرْنٌ، وَلَكِنْ لَيْسَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنْ تُؤْخَذَ الْقَرْنَاءُ الَّتِى ضَرَبَتِ الأُخْرَى إِلَى النَّارِ كَمَا يَحْصُلُ لَبَنِي ءَادَمَ بَنُو ءَادَمَ إِذَا ضَرَبَ أَحَدُهُمْ فِى الدُّنْيَا إِنْسَانًا ظُلْمًا يُقْتَصُّ مِنْهُ بِنَارِ جَهَنَّمَ أَمَّا الْبَهَائِمُ فَلَيْسَتْ كَذَلِكَ إِنَّمَا هَذِهِ تَضْرِبُ هَذِهِ كَمَا ضَرَبَتْهَا فِى الدُّنْيَا ثُمَّ تَمُوتُ وَلا تَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَلا النَّارَ إِنَّمَا تَعُودُ تُرَابًا.
بَيَانُ أَنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ شَامِلَةٌ فِى الدُّنْيَا لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ خَاصَّةٌ بِالْمُؤْمِنِينَ فِى الآخِرَةِ
(وَاللَّهُ تَعَالَى يَرْحَمُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ فِى الدُّنْيَا وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلًّا أَمَّا فِى الآخِرَةِ فَرَحْمَتُهُ خَاصَّةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أَىْ وَسِعَتْ فِى الدُّنْيَا كُلَّ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ) فَهَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرْحَمُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ فِى الدُّنْيَا وَذَلِكَ بِأَنْ
يُعْطِيَهُمُ الصِّحَّةَ وَالرِّزْقَ وَالْهَوَاءَ الْعَلِيلَ وَالْمَاءَ الْبَارِدَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ أَمَّا فِى الآخِرَةِ يَخُصُّهَا لِلْمُؤْمِنِينَ (قَالَ ﴿فَسَأَكْتُبُهَا﴾ أَىْ فِى الآخِرَةِ ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أَىْ أَخُصُّهَا لِمَنِ اتَّقَى الشِّرْكَ وَسَائِرَ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾) أَىْ أَهْلُ النَّارِ يُنَادُونَ أَهْلَ الْجَنَّةِ إِمَّا يَرَوْنَهُمْ عِيَانًا
مَعَ بُعْدِ الْمَسَافَةِ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فِى وَقْتٍ مِنَ الأَوْقَاتِ هَؤُلاءِ فِى النَّارِ وَهَؤُلاءِ فِى الْجَنَّةِ وَإِمَّا يَسْمَعُونَ صَوْتَهُمْ فَيَطْلُبُونَ مِنَ الضِّيقِ الَّذِى هُمْ فِيهِ (﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا﴾) أَىْ أَهْلُ الْجَنَّةِ (إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾) فَيَسْكُتُ أَهْلُ النَّارِ (أَىْ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْكَافِرِينَ الرِّزْقَ النَّافِعَ وَالْمَاءَ الْمُرْوِىَ فِى الآخِرَةِ) فَلا يَجِدُونَ مَاءً بَارِدًا مُرْوِيًا إِلَّا ذَاكَ الْمَاءَ الَّذِى هُوَ بِمُنْتَهَى الْحَرَارَةِ فَيُقَطِّعُ أَمْعَاءَهُمْ وَالْغِسْلِينَ الَّذِى هُوَ عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ أَىْ مَا يَسِيلُ مِنْ جُلُودِهِمْ فَالْكُفَّارُ لا حَظَّ لَهُمْ فِى
الآخِرَةِ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ (وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ أَضَاعُوا أَعْظَمَ حُقُوقِ اللَّهِ الَّذِى لا بَدِيلَ لَهُ وَهُوَ الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ لِمَاذَا يُعَذِّبُهُمُ اللَّهُ ذَلِكَ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ الَّذِى لا نِهَايَةَ لَهُ يُقَالُ لِأَنَّهُمْ أَضَاعُوا أَعْظَمَ حُقُوقِ اللَّهِ لِذَلِكَ جَعَلَ جَزَاءَهُمْ أَنْ يَتَأَبَّدُوا فِى ذَلِكَ الْعَذَابِ الَّذِى لا يَنْقَطِعُ وَهُمْ كَانَتْ نِيَّاتُهُمْ أَنْ يَبْقَوْا
عَلَى كُفْرِهِمْ فَكَانَ جَزَاؤُهُمْ وِفَاقًا عَذَابًا لا يَنْقَطِعُ (ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الدُّخُولَ فِى الإِسْلامِ الَّذِى هُوَ أَفْضَلُ نِعَمِ اللَّهِ سَهْلًا وَذَلِكَ بِالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ بَعْدَ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) وَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْحَدِيثِ الَّذِى رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ فِى صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ »الْجَنَّةُ أَقْرَبُ
إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ« وَالْمَعْنَى أَنَّ الإِنْسَانَ يَكْسِبُ الْجَنَّةَ بِعَمَلٍ يَسِيرٍ مِنَ الْحَسَنَاتِ وَكَذَلِكَ يَكْسِبُ دُخُولَ النَّارِ بِعَمَلٍ خَفِيفٍ مِنَ السَّيِّئَاتِ فَلَوْ عَاشَ الْعَبْدُ عَلَى الْكُفْرِ سِنِينَ طَوِيلَةً قَضَى عُمُرَهُ عَلَيْهِ ثُمَّ قَبْلَ مَوْتِهِ أَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ يَرَى مَلائِكَةَ الْعَذَابِ وَقَبْلَ أَنْ يَيْأَسَ مِنَ الْحَيَاةِ وَيُوقِنَ بِالْمَوْتِ بِرُؤْيَةِ مَلَكِ الْمَوْتِ أَوْ إِدْرَاكِ الْغَرَقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ أَسْلَمَ
وَاعْتَقَدَ بِقَلْبِهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَلَوْ لَمْ يُدْرِكْ صَلاةً وَلا يُؤَاخَذُ بِشَىْءٍ مِمَّا عَمِلَهُ مِنَ الذُّنُوبِ لِأَنَّ الإِسْلامَ هَدَمَهَا وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِآخِرِ حَالِ الإِنْسَانِ الَّذِى يُخْتَمُ لَهُ بِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ »إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِخَوَاتِيمِهَا« رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ (وَ)قَدْ (جَعَلَ) اللَّهُ تَعَالَى (الْكُفْرَ سَهْلًا فَكَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ تَدُلُّ عَلَى الِاسْتِخْفَافِ بِاللَّهِ أَوْ شَرِيعَتِهِ تُخْرِجُ قَائِلَهَا مِنَ الإِيمَانِ وَتُوقِعُهُ فِى الْكُفْرِ الَّذِى هُوَ أَسْوَأُ الأَحْوَالِ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ اللَّهِ أَحْقَرَ مِنَ الْحَشَرَاتِ وَالْوُحُوشِ سَوَاءٌ تَكَلَّمَ بِهَا جَادًّا أَوْ مَازِحًا أَوْ غَضْبَانَ) فَلَوْ عَاشَ رَجُلٌ عَلَى الإِسْلامِ
ثُمَّ مَرِضَ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الأَلَمُ فَلَمْ يَتَحَمَّلْ فَاعْتَرَضَ عَلَى رَبِّهِ فَقَالَ يَا رَبِّ لِمَ ظَلَمْتَنِى بِتَسْلِيطِ هَذَا الأَلَمِ الَّذِى لا أُطِيقُهُ فَمَاتَ حَرُمَتْ عَلَيْهِ الْجَنَّةُ لِأَنَّهُ كَفَرَ بِاعْتِرَاضِهِ عَلَى رَبِّهِ (وَقَدْ شُرِحَ ذَلِكَ فِى كُتُبِ الْفِقْهِ فِى الْمَذَاهِبِ الْمُعْتَبَرَةِ وَحَكَمُوا أَنَّ الْمُتَلَفِّظَ بِهَا يَكْفُرُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾)
وَالدَّوَابُّ جَمْعُ دَابَّةٍ وَهِىَ كُلُّ مَا يَمْشِى عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مِنْ إِنْسَانٍ وَبَهَائِمَ وَحَشَرَاتٍ هَذَا مَعْنَاهَا فِى أَصْلِ اللُّغَةِ ثُمَّ تَعَارَفَ النَّاسُ عَلَى إِطْلاقِهَا عَلَى مَا يُرْكَبُ مِنَ الْبَهَائِمِ وَلا يَصِحُّ فِى الْقُرْءَانِ هَذَا التَّفْسِيرُ وَالآيَةُ الْمَذْكُورَةُ مَعْنَاهَا أَنَّ الْكَافِرَ هُوَ أَحْقَرُ الْمَخْلُوقَاتِ وَقَدْ وَرَدَ فِى الْحَدِيثِ الَّذِى رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِى صَحِيحِهِ وَأَحْمَدُ فِى مُسْنَدِهِ وَالطَّبَرَانِىُّ فِى الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ »لا تَفْتَخِرُوا بِآبَائِكُمُ الَّذِينَ مَاتُوا فِى الْجَاهِلِيَّةِ فَوَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ إِنَّ مَا يُدَهْدِهُهُ الْجُعَلُ بِمَنْخِرَيْهِ خَيْرٌ مِنْ ءَابَائِكُمُ الَّذِينَ مَاتُوا فِى الْجَاهِلِيَّةِ« أَىْ عَلَى الشِّرْكِ وَالْمَعْنَى كُفُّوا عَنِ الِافْتِخَارِ بِهَؤُلاءِ الَّذِينَ مَا يَسُوقُهُ الْجُعَلُ بِأَنْفِهِ خَيْرٌ مِنْهُمْ لِكُفْرِهِمْ وَمَعْنَى »مَا يُدَهْدِهُهُ الْجُعَلُ بِمَنْخِرَيْهِ« أَىِ الْقَذَرُ لِيَتَقَوَّتَ بِهِ وَالْجُعَلُ هُوَ حَشَرَةٌ صَغِيرَةٌ سَوْدَاءُ تَسُوقُ الْقَذَرَ الَّذِى يَخْرُجُ مِنْ بَنِى ءَادَمَ تَجْعَلُهُ حُبَيْبَاتٍ تَسُوقُهُ لِتَتَقَوَّتَ بِهِ فَهَذَا الَّذِى يَسُوقُهُ الْجُعَلُ الرَّسُولُ قَالَ خَيْرٌ مِنْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَانَ النَّاسُ فِى أَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ يَفْتَخِرُونَ بِهِمْ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِى أَنَّ الْكَافِرَ أَخَسُّ مَا خَلَقَ اللَّهُ فَالْكُفَّارُ هُمْ أَحْقَرُ خَلْقِ اللَّهِ وَإِنْ كَانَتْ صُورَتُهُمْ صُورَةَ الْبَشَرِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ أَضَاعُوا أَعْظَمَ حُقُوقِ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فَكَفَرُوا بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
