قَالُوا لا يَضُرُّ مَعَ الإِيمَانِ ذَنْبٌ كَمَا لا يَنْفَعُ مَعَ الْكُفْرِ طَاعَةٌ قَاسُوا هَذِهِ عَلَى هَذِهِ فَضَلُّوا وَهَلَكُوا لِأَنَّ قَوْلَهُمْ »لا يَنْفَعُ مَعَ الْكُفْرِ طَاعَةٌ« صَحِيحٌ لِأَنَّ الْكَافِرَ مَهْمَا قَامَ بِصُوَرِ أَعْمَالِ الطَّاعَةِ وَهُوَ عَلَى كُفْرِهِ لا يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ وَأَمَّا قَوْلُهُمْ »لا يَضُرُّ مَعَ الإِيمَانِ ذَنْبٌ لِمَنْ عَمِلَهُ« فَهُوَ كُفْرٌ وَضَلالٌ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ يَنْضَرُّ بِالْمَعَاصِى الَّتِى يَرْتَكِبُهَا، وَالإِرْجَاءُ مَعْنَاهُ التَّأْخِيرُ وَإِنَّمَا سُمُّوا بِالْمُرْجِئَةِ لِأَنَّهُمْ أَخَّرُوا عَنْهُمُ الْعَذَابَ أَىْ قَالُوا لا يُصِيبُهُمُ الْعَذَابُ أَيْ لِمَنْ عَصَوْا وَهُمْ عَلَى الإِيمَانِ مَعْنَاهُ الإِيمَانُ يُؤَخِّرُ عَنْهُمُ الْعَذَابَ أَىْ لا يَلْحَقُهُمُ الْعَذَابُ. وَالسَّبَبُ فِى هَلاكِهِمْ فِى هَذِهِ الْمَسْئَلَةِ أَنَّهُمْ فَهِمُوا بَعْضَ الآيَاتِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَهَلْ نُجَازِى إِلَّا الْكَفُورَ﴾ فَظَنُّوا أَنَّ غَيْرَ الْكَافِرِ لا يُعَذَّبُ إِنَّمَا مَعْنَى الآيَةِ أَنَّ ذَلِكَ الْعَذَابَ الَّذِى ذُكِرَ لا يَلْقَاهُ إِلَّا الْكَفُورُ.
وَالْهِدَايَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ
(أَحَدُهُمَا إِبَانَةُ الْحَقِّ وَالدُّعَاءُ إِلَيْهِ) أَىْ أَمْرُ النَّاسِ بِهِ (وَنَصْبُ الأَدِلَّةِ عَلَيْهِ) فَالأَنْبِيَاءُ بِهَذَا الْمَعْنَى هُدَاةٌ لِأَنَّهُمْ دَلُّوا النَّاسَ عَلَى الْخَيْرِ وَبَيَّنُوا لِلنَّاسِ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَحَذَّرُوا النَّاسَ مِمَّا لا يُحِبُّهُ اللَّهُ (وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَصِحُّ إِضَافَةُ الْهِدَايَةِ إِلَى الرُّسُلِ وَإِلَى كُلِّ دَاعٍ لِلَّهِ) فَالأَنْبِيَاءُ وَظِيفَتُهُمُ الَّتِى هِىَ فَرْضٌ عَلَيْهِمْ أَنْ يُؤَدُّوهَا الْبَيَانُ وَالدِّلالَةُ وَالإِرْشَادُ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ مَنْ كَانَ اللَّهُ شَاءَ لَهُ الِاهْتَدَاءَ يَهْتَدِى بِقَوْلِ هَؤُلاءِ الأَنْبِيَاءِ بِالأَخْذِ بِدَعْوَتِهِمْ وَنَصِيحَتِهِمْ وَمَنْ لَمْ يَشَإِ اللَّهُ أَنْ يَهْتَدِىَ لا يَهْتَدِى مَهْمَا رَأَوْا مِنَ الْمُعْجِزَاتِ،
هَذَا أَبُو جَهْلٍ رَأَى انْشِقَاقَ الْقَمَرِ وَغَيْرُهُ مِنْ صَنَادِيدِ الْكُفْرِ وَلَمْ يَهْتَدِ مِنْهُمْ إِلَّا الَّذِى شَاءَ اللَّهُ لَهُ أَنْ يَهْتَدِىَ فَالدُّعَاءُ إِلَى الْحَقِّ يُقَالُ لَهُ هِدَايَةٌ وَكَذَلِكَ نَصْبُ الأَدِلَّةِ عَلَيْهِ (كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾) أَىْ أَنَّكَ يَا مُحَمَّدُ تَدُلُّ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَتُبَيِّنُ لِلْخَلْقِ طَرِيقَ الْهِدَايَةِ طَرِيقَ الْهُدَى،
لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنْتَ تَخْلُقُ الِاهْتِدَاءَ فِى قُلُوبِ النَّاسِ فَالرَّسُولُ لا يَمْلِكُ الْقُلُوبَ فَهُوَ يَقُولُ لَهُمْ ءَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا هَذَا يُقَالُ لَهُ هِدَايَةٌ أَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْهِدَايَةَ هُنَا لَيْسَتْ بِمَعْنَى خَلْقِ الِاهْتِدَاءِ فِى قُلُوبِ الْعِبَادِ فَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَاءُ﴾ أَىْ يَا مُحَمَّدُ
أَنْتَ لا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَخْلُقَ الِاهْتِدَاءَ فِى قَلْبِ مَنْ أَحْبَبْتَ اهْتِدَاءَهُ فَمَنْ أَحْبَبْتَ اهْتِدَاءَهُ لا تَهْدِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ لا يَهْتَدِىَ ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَاءُ﴾ أَىْ مَنْ شَاءَ اللَّهُ لَهُ الْهِدَايَةَ فِى الأَزَلِ يَهْتَدِى (وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾) أَىْ بَيَّنَّا لَهُمُ الْحَقَّ وَدَلَلْنَاهُمْ عَلَيْهِ وَثَمُودُ قَبِيلَةٌ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ قَبْلَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَهُمْ قَوْمُ نَبِىِّ اللَّهِ صَالِحٍ (﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾) أَىْ كَذَّبُوا نَبِيَّهُمْ وَاخْتَارُوا الضَّلالَ وَلَمْ يَقْبَلُوا الإِيمَانَ فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِطُغْيَانِهِمْ أَمَرَ جِبْرِيلَ فَصَاحَ بِهِمْ فَهَلَكُوا (وَالثَّانـِى مِنْ جِهَةِ هِدَايَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ أَىْ خَلْقِ الِاهْتِدَاءِ فِى قُلُوبِهِمْ) فَالْهِدَايَةُ بِمَعْنَى خَلْقِ الِاهْتِدَاءِ خَاصَّةٌ بِاللَّهِ تَعَالَى وَهِىَ (كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾) أَىْ يُحَبِّبِ الإِسْلامَ إِلَيْهِ (﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾) فَلا يُحَبِّبُ الإِسْلامَ إِلَيْهِ فَلا أَحَدَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْلُقَ الْهُدَى فِى قَلْبِ عَبْدٍ لا مَلَكٌ وَلا نَبِىٌّ.
وَقَوْلُهُ ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾ أَىْ ضَلالَتَهُ ﴿فَلَنْ تَمْلِكَ﴾ أَىْ يَا مُحَمَّدُ ﴿لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ كَمْ مِنْ أَقَارِبَ لِلرَّسُولِ مَا اسْتَطَاعَ الرَّسُولُ أَنْ يَهْدِىَ قُلُوبَهُمْ فَيُؤْمِنُوا وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ أَىْ لَسْتَ مُكَلَّفًا بِأَنْ تَجْعَلَهُمْ مُؤْمِنِينَ مُعْتَقِدِينَ قَلْبًا إِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَيَانُ. (وَالإِضْلالُ) مَعْنَاهُ
(خَلْقُ الضَّلالِ فِى قُلُوبِ أَهْلِ الضَّلالِ) فَهُوَ سُبْحَانَهُ يَخْلُقُ الِاهْتِدَاءَ فِى قُلُوبِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَضْلًا مِنْهُ وَكَرَمًا وَيَخْلُقُ الضَّلالَةَ فِى قُلُوبِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ عَدْلًا مِنْهُ لا ظُلْمًا (فَالْعِبَادُ مَشِيئَتُهُمْ تَابِعَةٌ لِمَشِيئَةِ اللَّهِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾) مَعْنَاهُ أَنْتُمْ لا تَكُونُ مِنْكُمْ مَشِيئَةٌ إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ بِمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ يَخْلُقُ فِينَا هَذِهِ الْمَشِيئَةَ ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ أَنَّ مَا شَاءَ أَنْ يَتَنَفَّذَ مِنْ مَشِيئَاتِهِمُ الَّتِى خَلَقَهَا فِيهِمْ يَنْفُذُ وَمَا لَمْ يَشَأْ نُفُوذَهَا لا يَنْفُذُ (وَهَذِهِ الآيَةُ مِنْ أَوْضَحِ الأَدِلَّةِ عَلَى ضَلالِ جَمَاعَةِ أَمِين شَيْخُو لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنْ شَاءَ الْعَبْدُ الْهِدَايَةَ يَهْدِيهِ اللَّهُ وَإِنْ شَاءَ الْعَبْدُ الضَّلالَ يُضِلُّهُ اللَّهُ فَمَاذَا يَقُولُونَ فِى هَذِهِ الآيَةِ ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ فَإِنَّهَا صَرِيحَةٌ فِى سَبْقِ مَشِيئَةِ اللَّهِ عَلَى مَشِيئَةِ الْعَبْدِ لِأَنَّ اللَّهَ نَسَبَ الْمَشِيئَةَ إِلَيْهِ وَمَا رَدَّهَا إِلَى الْعِبَادِ.
فَأُولَئِكَ كَأَنَّهُمْ قَالُوا مَنْ يُرِدِ الْعَبْدُ أَنْ يَشْرَحَ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ يَشْرَحُ اللَّهُ صَدْرَهُ ثُمَّ قَوْلُهُ ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ﴾ فَلا يُمْكِنُ أَنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ فِى يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ إِلَى الْعَبْدِ لِأَنَّ هَذَا يَجْعَلُ الْقُرْءَانَ رَكِيكًا ضَعِيفَ الْعِبَارَةِ وَالْقُرْءَانُ أَعْلَى الْبَلاغَةِ لا يُوجَدُ فَوْقَهُ بَلاغَةٌ فَبَانَ بِذَلِكَ جَهْلُهُمُ الْعَمِيقُ وَغَبَاوَتُهُمُ الشَّدِيدَةُ.
وَعَلَى مُوجَبِ كَلامِهِمْ يَكُونُ مَعْنَى الآيَةِ ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ أَنَّ الْعَبْدَ الَّذِى يُرِيدُ أَنْ يَهْدِيَهُ اللَّهُ يَشْرَحُ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْهُدَى وَهَذَا عَكْسُ اللَّفْظِ الَّذِى أَنْزَلَهُ اللَّهُ وَهَكَذَا كَانَ اللَّازِمُ عَلَى مُوجَبِ اعْتِقَادِهِمْ أَنْ يَقُولَ اللَّهُ وَالْعَبْدُ الَّذِى يُرِيدُ أَنْ يُضِلَّهُ اللَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا وَهَذَا تَحْرِيفٌ لِلْقُرْءَانِ لِإِخْرَاجِهِ عَنْ أَسَالِيبِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ الَّتِى نَزَلَ بِهَا الْقُرْءَانُ وَفَهِمَ الصَّحَابَةُ الْقُرْءَانَ عَلَى مُوجَبِهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُمْ يَفْهَمُونَ الْقُرْءَانَ عَلَى خِلافِ مَا تَفْهَمُهُ هَذِهِ الْفِرْقَةُ اتِّفَاقُ الْمُسْلِمِينَ سَلَفِهِم وَخَلَفِهِمْ عَلَى قَوْلِهِمْ »مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ«).
