(اعْلَمْ أَنَّ الإِرَادَةَ وَهِىَ الْمَشِيئَةُ وَاجِبَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَهِىَ صِفَةٌ) قَدِيمَةٌ (أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ) قَائِمَةٌ بِذَاتِ اللَّهِ أَىْ ثَابِتَةٌ لِذَاتِهِ (يُخَصِّصُ اللَّهُ بِهَا الْجَائِزَ الْعَقْلِىَّ بِالْوُجُودِ بَدَلَ) أَنْ يَبْقَى فِى (الْعَدَمِ) لِأَنَّ الْمُمْكِنَاتِ الْعَقْلِيَّةَ كَانَتْ مَعْدُومَةً ثُمَّ دَخَلَتْ فِى الْوُجُودِ لِتَخْصِيصِ اللَّهِ تَعَالَى لَهَا بِوُجُودِهَا فَلَوْلا تَخْصِيصُ اللَّهِ تَعَالَى لَمَا وُجِدَ مِنَ الْمُمْكِنَاتِ الْعَقْلِيَّةِ شَىْءٌ (وَبِصِفَةٍ دُونَ صِفَةٍ) فَتَخْصِيصُ الإِنْسَانِ بِصُورَتِهِ وَشَكْلِهِ الَّذِى هُوَ قَائِمٌ بِتَخْصِيصِ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ كَانَ فِى الْعَقْلِ جَائِزًا أَنْ يَكُونَ الإِنْسَانُ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الصِّفَةِ وَهَذَا الشَّكْلِ (وَبِوَقْتٍ دُونَ ءَاخَرَ) فَتَخْصِيصُ الإِنْسَانِ بِوُجُودِهِ فِى الْوَقْتِ الَّذِى وُجِدَ فِيهِ دُونَ مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ هُوَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.

فَالْوَاحِدُ مِنَّا يَعْلَمُ أَنَّهُ مَا أَوْجَدَ نَفْسَهُ عَلَى هَذَا الشَّكْلِ وَلا هُوَ أَوْجَدَ نَفْسَهُ فِى هَذَا الزَّمَنِ الَّذِى وُجِدَ فِيهِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِتَخْصِيصِ مُخَصِّصٍ وَهُوَ الْمَوْجُودُ الأَزَلِىُّ الْمُسَمَّى اللَّه. وَالْبُرْهَانُ النَّقْلِىُّ عَلَى وُجُوبِ الإِرَادَةِ لِلَّهِ كَثِيرٌ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ أَىْ أَنَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُوجِدُ وَيَفْعَلُ الْمُكَوَّنَاتِ

بِإِرَادَتِهِ الأَزَلِيَّةِ (وَ)أَمَّا (بُرْهَانُ وُجُوبِ الإِرَادَةِ لِلَّهِ) مِنْ حَيْثُ الْعَقْلُ (أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُرِيدًا لَمْ يُوجَدْ شَىْءٌ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ لِأَنَّ الْعَالَمَ مُمْكِنُ الْوُجُودِ فَوُجُودُهُ لَيْسَ وَاجِبًا لِذَاتِهِ عَقْلًا وَالْعَالَمُ مَوْجُودٌ فَعَلِمْنَا أَنَّهُ مَا وُجِدَ إِلَّا بِتَخْصِيصِ مُخَصِّصٍ لِوُجُودِهِ وَتَرْجِيحِهِ لَهُ عَلَى عَدَمِهِ فَثَبَتَ أَنَّ اللَّهَ مُرِيدٌ شَاءٍ ثُمَّ الإِرَادَةُ بِمَعْنَى الْمَشِيئَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ شَامِلَةٌ لِأَعْمَالِ الْعِبَادِ جَمِيعِهَا الْخَيْرِ مِنْهَا وَالشَّرِّ فَكُلُّ مَا دَخَلَ فِى الْوُجُودِ مِنْ أَعْمَالِ الشَّرِّ وَالْخَيْرِ وَمِنْ كُفْرٍ أَوْ مَعَاصٍ أَوْ طَاعَةٍ فَبِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَقَعَ وَحَصَلَ) وَلَوْلا تَخْصِيصُ اللَّهِ تَعَالَى لِلْحَسَنَاتِ بِالْوُجُودِ مَا وُجِدَتْ وَكَذَلِكَ الْكُفْرِيَّاتُ وَالْمَعَاصِى لَوْلا تَخْصِيصُ اللَّهِ تَعَالَى لَهَا بِالْوُجُودِ مَا وُجِدَتْ.

وَلَيْسَ خَلْقُ الْقَبِيحِ قَبِيحًا مِنَ اللَّهِ وَإِرَادَةُ وُجُودِ الْقَبِيحِ لَيْسَ قَبِيحًا مِنَ اللَّهِ إِنَّمَا الْقَبِيحُ فِعْلُهُ وَإِرَادَتُهُ مِنَ الْخَلْقِ كَمَا أَنَّ خَلْقَ اللَّهِ لِلْخِنْزِيرِ لَيْسَ قَبِيحًا مِنْهُ إِنَّمَا الْخِنْزِيرُ قَبِيحٌ لِمَا فِيهِ مِنَ الصِّفَاتِ الْقَبِيحَةِ. فَاللَّهُ تَعَالَى حَكِيمٌ فِى فِعْلِهِ مُنَزَّهٌ عَنِ السَّفَهِ فَهُوَ خَلَقَ الأَعْمَالَ السَّفِيهَةَ وَالأَشْخَاصَ السُّفَهَاءَ (وَهَذَا كَمَالٌ فِى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ شُمُولَ الْقُدْرَةِ وَالْمَشِيئَةِ لائِقٌ بِجَلالِ اللَّهِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يَقَعُ فِى مِلْكِهِ مَا لا يَشَاءُ لَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلَ الْعَجْزِ وَالْعَجْزُ مُسْتَحِيلٌ عَلَى اللَّهِ)

فَكُلُّ شَىْءٍ يَحْصُلُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَتَقْدِيرِهِ وَعِلْمِهِ لَكِنَّ الْخَيْرَ يَحْصُلُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَتَقْدِيرِهِ وَعِلْمِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَرِضَاهُ أَمَّا الشَّرُّ فَيَحْصُلُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَتَقْدِيرِهِ وَعِلْمِهِ لا بِمَحَبَّتِهِ وَرِضَاهُ (وَالْمَشِيئَةُ تَابِعَةٌ لِلْعِلْمِ أَىْ أَنَّهُ مَا عَلِمَ حُدُوثَهُ فَقَدْ شَاءَ حُدُوثَهُ وَمَا عَلِمَ أَنَّهُ لا يَكُونُ لَمْ يَشَأْ أَنْ يَكُونَ وَلَيْسَتِ الْمَشِيئَةُ تَابِعَةً لِلأَمْرِ بِدَلِيلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ إِبْرَاهِيمَ) عَلَيْهِ السَّلامُ بِالْوَحْىِ الْمَنَامِىِّ (بِذَبْحِ وَلَدِهِ إِسْمَاعِيلَ وَلَمْ يَشَأْ لَهُ ذَلِكَ) فَلَمَّا أَرَادَ تَنْفِيذَ مَا أُمِرَ بِهِ فَدَى اللَّهُ تَعَالَى إِسْمَاعِيلَ بِكَبْشٍ مِنَ الْجَنَّةِ جَاءَ بِهِ جِبْرِيلُ فَلَمْ يَذْبَحْ إِبْرَاهِيمُ ابْنَهُ إِسْمَاعِيلَ فَلَوْ كَانَ الأَمْرُ مُرَادِفًا دَائِمًا لِمَعْنَى الْمَشِيئَةِ لَكَانَ إِبْرَاهِيمُ ذَبَحَ ابْنَهُ إِسْمَاعِيلَ (فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَأْمُرُ بِمَا لَمْ يَشَأْ وُقُوعَهُ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ قَدْ يَأْمُرُ بِمَا لَمْ يَشَأْ كَمَا أَنَّهُ عَلِمَ بِوُقُوعِ شَىْءٍ مِنَ الْعَبْدِ) كَالْكُفْرِ وَالْمَعَاصِى (وَنَهَاهُ عَنْ فِعْلِهِ).

الْقُدْرَةُ

(يَجِبُ لِلَّهِ تَعَالَى الْقُدْرَةُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ) وَهِىَ صِفَةٌ أَزَلِيَّةٌ ثَابِتَةٌ لِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ قَائِمَةٌ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ الْمَعْنَى وَاحِدٌ. وَقُدْرَةُ اللَّهِ يَتَأَتَّى بِهَا الإِيجَادُ وَالإِعْدَامُ أَىْ يُوجِدُ بِهَا الْمَعْدُومَ مِنَ الْعَدَمِ وَيُعْدِمُ بِهَا الْمَوْجُودَ. وَالْبُرْهَانُ الْعَقْلِىُّ عَلَى وُجُوبِهَا لِلَّهِ تَعَالَى هُوَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا لَكَانَ عَاجِزًا وَلَوْ كَانَ عَاجِزًا لَمْ يُوجَدْ شَىْءٌ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ وَالْمَخْلُوقَاتُ مَوْجُودَةٌ بِالْمُشَاهَدَةِ وَالْعَجْزُ نَقْصٌ وَالنَّقْصُ مُسْتَحِيلٌ عَلَى اللَّهِ إِذْ مِنْ شَرْطِ الإِلَهِ الْكَمَالُ.

وَأَمَّا الْبُرْهَانُ النَّقْلِىُّ فَقَدْ وَرَدَ ذِكْرُ صِفَةِ الْقُدْرَةِ لِلَّهِ تَعَالَى فِى الْقُرْءَانِ الْكَرِيمِ فِى عِدَّةِ مَوَاضِعَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ وَالْقُوَّةُ هِىَ الْقُدْرَةُ وَلا يَجُوزُ التَّعْبِيرُ عَنِ اللَّهِ بِالْقُوَّةِ كَقَوْلِ سَيِّد قُطُب فِى تَفْسِيرِهِ الْقُوَّةُ الْخَالِقَةُ وَهَذَا إِلْحَادٌ لِأَنَّهُ جَعَلَ اللَّهَ صِفَةً فَلْيُحْذَرْ مِنْ تَقْلِيدِهِ فِى ذَلِكَ،

وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ (وَالْمُرَادُ بِالشَّىْءِ هُنَا الْجَائِزُ الْعَقْلِىُّ) وَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ الْمُمْكِنُ الْعَقْلِىُّ وَهُوَ مَا يَصِحُّ وُجُودُهُ تَارَةً وَعَدَمُهُ تَارَةً أُخْرَى (فَخَرَجَ بِذَلِكَ الْمُسْتَحِيلُ الْعَقْلِىُّ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَابِلٍ لِلْوُجُودِ فَلَمْ يَصْلُحْ أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِتَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ) لِذَلِكَ يَمْتَنِعُ أَنْ يُقَالَ هَلِ اللَّهُ

قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُ أَوْ عَلَى أَنْ يُعْدِمَ نَفْسَهُ فَلا يُقَالُ إِنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ ذَلِكَ وَلا يُقَالُ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ وَلَكِنْ يُقَالُ قُدْرَةُ اللَّهِ لا تَتَعَلَّقُ بِالْمُسْتَحِيلاتِ الْعَقْلِيَّةِ (وَخَالَفَ فِى ذَلِكَ ابْنُ حَزْمٍ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَادِرٌ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا إِذْ لَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ لَكَانَ عَاجِزًا) وَهَذَا كُفْرٌ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ لِأَنَّ مَعْنَى كَلامِهِ

أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الأَزَلِىُّ حَادِثًا لِأَنَّ الَّذِى يَنْحَلُّ مِنْهُ شَىْءٌ يَكُونُ حَادِثًا مَخْلُوقًا وَاللَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ (وَهَذَا الَّذِى قَالَهُ غَيْرُ لازِمٍ لِأَنَّ اتِّخَاذَ الْوَلَدِ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ وَالْمُحَالُ الْعَقْلِىُّ لا يَدْخُلُ تَحْتَ الْقُدْرَةِ) فَلا يُقَالُ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا وَلا يُقَالُ إِنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ ذَلِكَ بَلْ يَكْفُرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ (وَعَدَمُ تَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ بِالشَّىْءِ تَارَةً يَكُونُ لِقُصُورِهَا عَنْهُ وَذَلِكَ فِى الْمَخْلُوقِ)

فَالْمُرَادُ بِهِ مَثَلًا كَمَا إِذَا قُلْنَا الإِنْسَانُ عَاجِزٌ عَنْ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا بِمَعْنَى إِبْرَازِهِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ وَذَلِكَ لِأَنَّ قُدْرَتَهُ قَاصِرَةٌ عَنْ ذَلِكَ (وَتَارَةً يَكُونُ لِعَدَمِ قَبُولِ ذَلِكَ الشَّىْءِ الدُّخُولَ فِى الْوُجُودِ أَىْ حُدُوثَ الْوُجُودِ لِكَوْنِهِ مُسْتَحِيلًا عَقْلِيًّا أَوْ لِعَدَمِ قَبُولِ ذَلِكَ الشَّىْءِ الْعَدَمَ لِكَوْنِهِ وَاجِبًا عَقْلِيًّا) وَهُوَ اللَّهُ

وَصِفَاتُهُ (وَالْعَجْزُ هُوَ الأَوَّلُ) أَىْ عَدَمُ تَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ بِالشَّىْءِ لِقُصُورِهَا عَنْهُ وَهُوَ (الْمَنْفِىُّ عَنْ قُدْرَتِهِ تَعَالَى لا الثَّانِى) وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ لا الثَّانِى أَنَّهُ يُقَالُ إِنَّ اللَّهَ عَاجِزٌ عَنْ كَذَا أَوْ كَذَا وَإِنَّمَا مُرَادُهُ بِهِ أَنَّهُ إِنْ قِيلَ مَثَلًا هَلْ يَقْدِرُ اللَّهُ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُ أَنْ يُقَالَ فِى الْجَوَابِ قُدْرَةُ اللَّهِ لا تَتَعَلَّقُ

بِالْمُسْتَحِيلاتِ الْعَقْلِيَّةِ (فَلا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ وَلا عَاجِزٌ) عَنْهُ (قَالَ بَعْضُهُمْ كَمَا لا يُقَالُ عَنِ الْحَجَرِ عَالِمٌ وَلا جَاهِلٌ) لِأَنَّ مُصَحِّحَ الْعِلْمِ وَالْجَهْلِ الْحَيَاةُ وَلا يَكُونُ هَذَا مِنْ بَابِ الْجَمْعِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ وَلا نَفْيِهِمَا فَلا يَكُونُ مُخَالِفًا لِقَاعِدَةِ النَّقِيضَانِ لا يَجْتَمِعَانِ وَلا يَرْتَفِعَانِ فِى مَحَلٍّ وَاحِدٍ (وَكَذَلِكَ يُجَابُ عَلَى قَوْلِ بَعْضِ الْمُلْحِدِينَ »هَلِ

اللَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُ« وَهَذَا فِيهِ تَجْوِيزُ الْمُحَالِ الْعَقْلِىِّ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ أَزَلِىٌّ) لِأَنَّ الإِلَهَ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ أَزَلِيًّا أَىْ وُجُودُهُ أَزَلِيًّا لَيْسَ لَهُ ابْتِدَاءٌ (وَلَوْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ لَكَانَ أَزَلِيًّا وَالأَزَلِىُّ لا يُخْلَقُ لِأَنَّهُ مَوْجُودٌ فَكَيْفَ يُخْلَقُ الْمَوْجُودُ) فَكَلامُ هَذَا السَّائِلِ يَنْحَلُّ هَكَذَا أَىْ مُؤَدَّاهُ هَلْ يَخْلُقُ الأَزَلِىُّ

أَزَلِيًّا مِثْلَهُ وَالأَزَلِىُّ لا يُقَالُ فِيهِ يُخْلَقُ لِأَنَّهُ مَا سَبَقَهُ الْعَدَمُ وَهَذَا السُّؤَالُ دَلِيلٌ عَلَى سَخَافَةِ عَقْلِ سَائِلِهِ (أَمَّا الْمُسْتَحِيلُ الْعَقْلِىُّ فَعَدَمُ قَبُولِهِ الدُّخُولَ فِى الْوُجُودِ ظَاهِرٌ وَأَمَّا الْوَاجِبُ الْعَقْلِىُّ فَلا يَقْبَلُ حُدُوثَ الْوُجُودِ لِأَنَّ وُجُودَهُ أَزَلِىٌّ، فَرْقٌ بَيْنَ الْوُجُودِ وَبَيْنَ الدُّخُولِ فِى الْوُجُودِ فَالْوُجُودُ يَشْمَلُ الْوُجُودَ الأَزَلِىَّ وَالْوُجُودَ الْحَادِثَ أَمَّا الدُّخُولُ فِى الْوُجُودِ فَهُوَ الْوُجُودُ الْحَادِثُ. فَالْوَاجِبُ الْعَقْلِىُّ اللَّهُ وَصِفَاتُهُ فَاللَّهُ وَاجِبٌ عَقْلِىٌّ وُجُودُهُ أَزَلِىٌّ وَصِفَاتُهُ أَزَلِيَّةٌ وَلا يُقَالُ لِلَّهِ وَلا لِصِفَاتِهِ دَاخِلٌ فِى الْوُجُودِ لِأَنَّ وُجُودَهُمَا أَزَلِىٌّ فَقَوْلُنَا إِنَّ الْوَاجِبَ الْعَقْلِىَّ لا يَقْبَلُ الدُّخُولَ فِى الْوُجُودِ صَحِيحٌ لَكِنْ يَقْصُرُ عَنْهُ أَفْهَامُ الْمُبْتَدِئِينَ فِى الْعَقِيدَةِ أَمَّا عِنْدَ مَنْ مَارَسَ فَهِىَ وَاضِحَةُ الْمُرَادِ).