(اعْلَمْ أَنَّ عِلْمَ اللَّهِ قَدِيمٌ أَزَلِىٌّ كَمَا أَنَّ ذَاتَهُ أَزَلِىٌّ) فَاللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ جَوْهَرًا يَحُلُّ بِهِ الْعَرَضُ فَعِلْمُنَا عَرَضٌ يَحُلُّ بِأَجْسَامِنَا وَيَسْتَحِيلُ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَاللَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ بِعِلْمِهِ الأَزَلِىِّ كُلَّ شَىْءٍ يَعْلَمُ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ وَمَا لا يَكُونُ وَلا يَقْبَلُ عِلْمُهُ الزِّيَادَةَ وَلا النُّقْصَانَ فَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُحِيطٌ عِلْمًا بِالْكَائِنَاتِ الَّتِى تَحْدُثُ إِلَى مَا لا نِهَايَةَ لَهُ حَتَّى مَا يَحْدُثُ فِى الدَّارِ الآخِرَةِ الَّتِى لا انْقِطَاعَ لَهَا يَعْلَمُ ذَلِكَ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا.
وَأَمَّا الدَّلِيلُ الْعَقْلِىُّ عَلَى صِفَةِ الْعِلْمِ فَهُوَ أَنَّهُ تَعَالَى لَوْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا لَكَانَ جَاهِلًا وَالْجَهْلُ نَقْصٌ وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقْصِ وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ النَّقْلُ فَالنُّصُوصُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾. وَعِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى أَعَمُّ مِنَ الإِرَادَةِ وَالْقُدْرَةِ فَالإِرَادَةُ وَالْقُدْرَةُ تَتَعَلَّقَانِ بِالْمُمْكِنَاتِ الْعَقْلِيَّةِ أَمَّا عِلْمُهُ
يَتَعَلَّقُ بِالْمُمْكِنَاتِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْمُسْتَحِيلاتِ وَبِالْوَاجِبِ الْعَقْلِىِّ (فَلَمْ يَزَلِ) اللَّهُ (عَالِمًا بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَمَا يُحْدِثُهُ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ فَلا يَتَّصِفُ بِعِلْمٍ حَادِثٍ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ اتِّصَافُهُ بِالْحَوَادِثِ لَانْتَفَى عَنْهُ الْقِدَمُ لِأَنَّ مَا كَانَ مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ لا بُدَّ أَنْ يَكُونَ حَادِثًا وَمَا أَوْهَمَ تَجَدُّدَ الْعِلْمِ لِلَّهِ تَعَالَى مِنَ الآيَاتِ الْقُرْءَانِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ فَلَيْسَ الْمُرَادُ
بِهِ ذَلِكَ) بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ نُسِخَ مَا كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ مِنْ مُقَاوَمَةِ وَاحِدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِأَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْكُفَّارِ بِإِيجَابِ مُقَاوَمَةِ وَاحِدٍ لِاثْنَيْنِ مِنَ الْكُفَّارِ رَحْمَةً بِهِمْ لِلضَّعْفِ الَّذِى فِيهِمْ (وَقَوْلُهُ ﴿وَعَلِمَ﴾ لَيْسَ رَاجِعًا لِقَوْلِهِ ﴿الآنَ﴾ بَلِ الْمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى خَفَّفَ عَنْكُمُ الآنَ لِأَنَّهُ عَلِمَ بِعِلْمِهِ السَّابِقِ فِى الأَزَلِ أَنَّهُ يَكُونُ فِيكُمْ ضَعْفٌ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ مَعْنَاهُ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ) بِمَا نَشَاءُ مِنَ الْبَلايَا (حَتَّى نُمَيِّزَ أَىْ نُظْهِرَ لِلْخَلْقِ مَنْ يُجَاهِدُ) فِى سَبِيلِ اللَّهِ (وَيَصْبِرُ) عَلَى الْمَشَقَّاتِ مَعَ إِخْلاصِ النِّيَّةِ (مِنْ غَيْرِهِمْ) الَّذِينَ لا يَصْبِرُونَ (وَكَانَ اللَّهُ عَالِمًا قَبْلُ كَمَا نَقَلَ الْبُخَارِىُّ ذَلِكَ عَنْ أَبِى عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بنِ الْمُثَنَّى وَهَذَا شَبِيهٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾) أَىْ لِيُظْهِرَ لِعِبَادِهِ مَنْ هُوَ الْخَبِيثُ وَمَنْ هُوَ الطَّيِّبُ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا مَنْ هُوَ الْخَبِيثُ وَمَنْ هُوَ الطَّيِّبُ ثُمَّ عَلِمَ.
الْحَيَاةُ
(يَجِبُ لِلَّهِ تَعَالَى الْحَيَاةُ فَهُوَ حَىٌّ لا كَالأَحْيَاءِ إِذْ حَيَاتُهُ) صِفَةٌ (أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ لَيْسَتْ) كَحَيَاةِ غَيْرِهِ (بِرُوحٍ) وَلَحْمٍ (وَدَمٍ. وَالدَّلِيلُ) الْعَقْلِىُّ (عَلَى وُجُوبِ حَيَاتِهِ وُجُودُ هَذَا الْعَالَمِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ حَيًّا لَمْ يُوجَدْ شَىءٌ مِنَ الْعَالَمِ لَكِنَّ وُجُودَ الْعَالَمِ ثَابِتٌ بِالْحِسِّ وَالضَّرُورَةِ بِلا شَكٍّ) فَيَجِبُ اتِّصَافُهُ بِهَا لِأَنَّ مَنْ لَيْسَ حَيًّا لا يَتَّصِفُ بِالْقُدْرَةِ وَالإِرَادَةِ وَالْعِلْمِ وَلَوْ كَانَ اللَّهُ تَعَالَى غَيْرَ مُتَّصِفٍ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ لَكَانَ مُتَّصِفًا بِالضِّدِّ وَذَلِكَ نَقْصٌ وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقْصِ. وَالْبُرْهَانُ النَّقْلِىُّ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ ءَايَاتٌ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ﴾.
الْوَحْدَانِيَّةُ
(مَعْنَى الْوَحْدَانِيَّةِ أَنَّهُ) أَيِ اللَّه لَيْسَ لَهُ ثَانٍ وَ(لَيْسَ ذَاتًا) مُرَكَّبًا (مُؤَلَّفًا مِنْ أَجْزَاءٍ) كَالأَجْسَامِ، فَالْعَرْشُ وَمَا دُونَهُ مِنَ الأَجْسَامِ مُؤَلَّفٌ مِنْ أَجْزَاءٍ فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ مُنَاسَبَةٌ وَمُشَابَهَةٌ، فَلا نَظِيرَ لَهُ تَعَالَى فِي ذَاتِهِ وَلا فِي صِفَاتِهِ وَلا فِي أَفْعَالِهِ (فَلا يُوجَدُ ذَاتٌ مِثْلُ ذَاتِهِ وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ صِفَةٌ كَصِفَتِهِ أَوْ فِعْلٌ كَفِعْلِهِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِوَحْدَانِيَّتِهِ وَحْدَانِيَّةَ الْعَدَدِ إِذِ الْوَاحِدُ فِي الْعَدَدِ لَهُ نِصْفٌ وَأَجْزَاءٌ أَيْضًا، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُ لا شَبِيهَ لَهُ. وَبُرْهَانُ) أَيْ دَلِيلُ (وَحْدَانِيَّتِهِ) الْعَقْلِيُّ (هُوَ أَنَّهُ لا بُدَّ لِلصَّانِعِ مِنْ أَنْ يَكُونَ حَيًّا قَادِرًا عَالِمًا مُرِيدًا مُخْتَارًا) فَلَوْ لَمْ يَكُنْ حَيًّا قَادِرًا عَالِمًا مُرِيدًا مُخْتَارًا لَكَانَ مُتَّصِفًا بِنَقِيضِ هَذِهِ الصِّفَاتِ،
فَلَوْ لَمْ يَكُنْ حَيًّا لَكَانَ مَيِّتًا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا لَكَانَ عَاجِزًا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا لَكَانَ جَاهِلًا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُرِيدًا مُخْتَارًا لَكَانَ مُضْطَرًّا مَجْبُورًا وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ لا يَكُونُ إِلَهًا (فَإِذَا ثَبَتَ وَصْفُ الصَّانِعِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ قُلْنَا لَوْ كَانَ لِلْعَالَمِ صَانِعَانِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَيًّا قَادِرًا عَالِمًا مُرِيدًا مُخْتَارًا وَالْمُخْتَارَانِ يَجُوزُ اخْتِلافُهُمَا فِي الِاخْتِيَارِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُ مُجْبَرٍ عَلَى مُوَافَقَةِ الآخَرِ فِي اخْتِيَارِهِ، وَإِلَّا لَكَانَا مَجْبُورَيْنِ وَالْمَجْبُورُ لا يَكُونُ إِلَهًا، فَإِذَا صَحَّ هَذَا فَلَوْ أَرَادَ
أَحَدُهُمَا خِلافَ مُرَادِ الآخَرِ فِي شَىْءٍ كَأَنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا حَيَاةَ شَخْصٍ وَأَرَادَ الآخَرُ مَوْتَهُ لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَتِمَّ مُرَادُهُمَا أَوْ لا يَتِمَّ مُرَادُهُمَا أَوْ يَتِمَّ مُرَادُ أَحَدِهِمَا وَلا يَتِمَّ مُرَادُ الآخَرِ وَمُحَالٌ تَمَامُ مُرَادَيْهِمَا لِتَضَادِّهِمَا أَىْ إِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا حَيَاةَ شَخْصٍ وَأَرَادَ الآخَرُ مَوْتَهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الشَّخْصُ حَيًّا وَمَيِّتًا فِى ءَانٍ وَاحِدٍ،
وَإِنْ لَمْ يَتِمَّ مُرَادُهُمَا فَهُمَا عَاجِزَانِ وَالْعَاجِزُ لا يَكُونُ إِلَهًا، وَإِنْ تَمَّ مُرَادُ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يَتِمَّ مُرَادُ الآخَرِ فَإِنَّ الَّذِى لَمْ يَتِمَّ مُرَادُهُ عَاجِزٌ وَلا يَكُونُ الْعَاجِزُ إِلَهًا وَلا قَدِيمًا وَهَذِهِ الدِّلالَةُ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ الْمُوَحِّدِينَ تُسَمَّى بِدِلالَةِ التَّمَانُعِ) وَالدَّلِيلُ الْعَقْلِىُّ أَيْضًا عَلَى وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ هُوَ أَنَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَوْ لَمْ يَكُنْ وَاحِدًا وَكَانَ مُتَعَدِّدًا لَمْ يَكُنِ الْعَالَمُ مُنْتَظِمًا لَكِنَّ الْعَالَمَ مُنْتَظِمٌ فَوَجَبَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَاحِدٌ.
وَأَمَّا الدَّلِيلُ النَّقْلِىُّ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ فَآيَاتٌ كَثِيرَةٌ قَالَ تَعَالَى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَ(قَالَ تَعَالَى) أَيْضًا (﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا ءَالِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾) وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا﴾ أَىْ لَوْ كَانَ لَهُمَا، هُنَا فِى بِمَعْنَى اللَّامِ أَىْ لِلأَرْضِ وَالسَّمَاءِ ﴿ءَالِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ﴾ أَىْ غَيْرُ اللَّهِ ﴿لَفَسَدَتَا﴾ أَىِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أَىْ مَا كَانَتَا تَسْتَمِرَّانِ عَلَى انْتِظَامٍ.
وَمِنَ الأَحَادِيثِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ »كَانَ إِذَا تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ أَىِ اسْتَيْقَظَ قَالَ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ« رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِى الْمُسْتَدْرَكِ وَابْنُ حِبَّانَ فِى صَحِيحِهِ.
