(اعْلَمْ أَنَّ تَقْدِيرَ اللَّهِ تَعَالَى الأَزَلِىَّ لا يُغَيِّرُهُ شَىْءٌ) فَاللَّهُ تَعَالَى إِذَا قَدَّرَ أَنَّ وَاحِدًا مِنْ عِبَادِهِ يُصِيبُهُ كَذَا لا بُدَّ أَنْ يُصِيبَهُ ذَلِكَ الشَّىْءُ (لا) يَدْفَعُ ذَلِكَ (دَعْوَةُ دَاعٍ وَلا صَدَقَةُ مُتَصَدِّقٍ وَلا صَلاةُ مُصَلٍّ) وَلا صِلَةُ رَحِمٍ وَلا عَمَلُ إِحْسَانٍ لِلأَقَارِبِ (وَلا غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْحَسَنَاتِ بَلْ لا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْخَلْقُ عَلَى مَا قَدَّرَ لَهُمْ فِى الأَزَلِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَغَيَّرَ ذَلِكَ)
وَلا يَجُوزُ أَنْ يَعْتَقِدَ الإِنْسَانُ أَنَّهُ إِنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ أَوْ وَصَلَ رَحِمَهُ أَوْ دَعَا دُعَاءً يَنْجُو مِمَّا قَدَّرَ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُ فَالَّذِى يَدْعُو فِى لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ بِنِيَّةِ أَنْ يَسْلَمَ مِمَّا قَدَّرَ اللَّهُ وَعَلِمَ أَنَّهُ يُصِيبُهُ لا مَحَالَةَ هَذَا كَافِرٌ لِأَنَّهُ جَعَلَ اللَّهَ مُتَغَيِّرَ الْمَشِيئَةِ وَالْعِلْمِ وَتَغَيُّرُ الْعِلْمِ وَالْمَشِيئَةِ مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقَاتِ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ﴾ فَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ يُغَيِّرُ مَشِيئَتَهُ بِاخْتِلافِ الأَزْمَانِ وَالأَحْوَالِ بَلْ مَعْنَاهُ يَخْلُقُ خَلْقًا جَدِيدًا كُلَّ يَوْمٍ يُغَيِّرُ فِى خَلْقِهِ وَلا يَتَغَيَّرُ فِى عِلْمِهِ وَمَشِيئَتِهِ.
وَمِمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ أَهْلُ الْحَقِّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَشِيئَتَهُ لِدُعَاءِ دَاعٍ الْحَدِيثُ الَّذِى رَوَاهُ الْحَافِظُ عَبْدُ الرَّحْمٰنِ بنُ أَبِى حَاتـِمٍ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ »سَأَلْتُ رَبِّى لِأُمَّتِى أَرْبَعًا فَأَعْطَانِى ثَلاثًا وَمَنَعَنِى وَاحِدَةً« الْحَدِيثَ وَفِى رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ »سَأَلْتُ رَبِّى ثَلاثًا فَأَعْطَانِى
ثِنْتَيْنِ وَمَنَعَنِى وَاحِدَةً« وَفِى رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَيْضًا »وَإِنَّ رَبِّى قَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنِّى إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لا يُرَدُّ« فَلَوْ كَانَ اللَّهُ يُغَيِّرُ مَشِيئَتَهُ بِدَعْوَةٍ لَغَيَّرَهَا لِحَبِيبِهِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لا تَتَغَيَّرُ صِفَاتُهُ (وَأَمَّا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ فَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَحْوَ وَالإِثْبَاتَ فِى تَقْدِيرِ اللَّهِ بَلِ الْمَعْنَى فِى هَذَا أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ كَتَبَ مَا يُصِيبُ
الْعَبْدَ مِنْ عِبَادِهِ مِنَ الْبَلاءِ وَالْحِرْمَانِ وَالْمَوْتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَأَنَّهُ إِنْ دَعَا اللَّهَ تَعَالَى أَوْ أَطَاعَهُ فِى صِلَةِ الرَّحِمِ وَغَيْرِهَا لَمْ يُصِبْهُ ذَلِكَ الْبَلاءُ وَرَزَقَهُ كَثِيرًا أَوْ عَمَّرَهُ طَوِيلًا وَكَتَبَ فِى أُمِّ الْكِتَابِ مَا هُوَ كَائِنٌ مِنَ الأَمْرَيْنِ فَالْمَحْوُ وَالإِثْبَاتُ رَاجِعٌ إِلَى أَحَدِ الْكِتَابَيْنِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِىُّ) فِى كِتَابِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِى قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ قَالَ »يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ مِنْ أَحَدِ الْكِتَابَيْنِ هُمَا كِتَابَانِ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ« اهـ) فَقَوْلُ الْبَيْهَقِىِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ »هُمَا كِتَابَانِ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَيُثْبِتُ« فَأَحَدُ الْكِتَابَيْنِ هُوَ الَّذِى كُتِبَ فِى اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَالآخَرُ هُوَ الَّذِى فِى أَيْدِى الْمَلائِكَةِ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالِاسْتِنْسَاخِ مِنَ اللَّوْحِ فَعَبْدُ اللَّهِ بنُ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ فَسَّرَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ بِالْقَضَاءِ الْمُعَلَّقِ أَمَّا الشَّافِعِىُّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَدْ فَسَّرَهُ بِالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ أَىْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَمْحُو مَا يَشَاءُ مِنَ الْقُرْءَانِ أَىْ يَرْفَعُ حُكْمَهُ وَيَنْسَخُهُ بِحُكْمٍ لاحِقٍ وَيُثْبِتُ مَا يَشَاءُ مِنَ الْقُرْءَانِ فَلا يَنْسَخُهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أَىْ جُمْلَةُ الْكِتَابِ مَعْنَاهُ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ يَشْتَمِلُ عَلَى الْمَمْحُوِّ وَالْمُثْبَتِ وَأَمَّا فِى غَيْرِ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مِمَّا يَسْتَنْسِخُهُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَكْتُبُهُ الْمَلَكُ فِى أَمْرٍ خَاصٍّ هَذَا فِيهِ ذِكْرُ أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ أَىْ أَنَّهُمْ كَتَبُوا فِى صُحُفِهِمْ مَثَلًا فُلانٌ إِنْ وَصَلَ رَحِمَهُ يَعِيشُ إِلَى الْمِائَةِ وَإِنْ لَمْ يَصِلْ رَحِمَهُ
يَعِيشُ إِلَى السِّتِّينَ أَمَّا أَىُّ الأَمْرَيْنِ سَيَقَعُ أَخِيرًا هُمْ لا يَعْرِفُونَ فِى الِابْتِدَاءِ لَيْسَ مَوْكُولًا إِلَى الْمَلائِكَةِ عِلْمُ الْمُسْتَقْبَلِ إِنَّمَا هُمْ يَكْتُبُونَ مَا أُمِرُوا بِهِ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ لَمْ يُطْلِعْهُ اللَّهُ مِنْهُمْ عَلَى الأَمْرَيْنِ (وَالْمَحْوُ) مِنَ الْكِتَابِ الَّذِي كُتِبَ (يَكُونُ فِى غَيْرِ الشَّقَاوَةِ وَالسَّعَادَةِ) لِأَنَّ الشَّقَاوَةَ وَالسَّعَادَةَ لا يَدْخُلُهُمَا
الْمَحْوُ وَالإِثْبَاتُ بِاعْتِبَارِ الْمَئَالِ (فَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِىُّ أَيْضًا) فِى كِتَابِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ (عَنْ مُجَاهِدٍ) تِلْمِيذِ ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّهُ قَالَ فِى تَفْسِيرِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ »يُفْرَقُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ) كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَىْ كُلُّ أَمْرٍ مُبْرَمٍ أَىْ أَنَّهُ يَكُونُ تَقْسِيمُ الْقَضَايَا الَّتِى تَحْدُثُ لِلْعَالَمِ مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ
إِلَى مِثْلِهَا فِى الْعَامِ الْمُقْبِلِ (مَا يَكُونُ فِى) تِلْكَ (السَّنَةِ مِنْ رِزْقٍ أَوْ مُصِيبَةٍ) أَوْ مَوْتٍ أَوْ صِحَّةٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ فَقْرٍ أَوْ غِنًى وَغَيْرِ ذَلِكَ (فَأَمَّا كِتَابُ الشَّقَاءِ وَالسَّعَادَةِ فَإِنَّهُ ثَابِتٌ لا يُغَيَّرُ« اهـ) وَهَذَا الْكَلامُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قَضَاءَ اللَّهِ الْمُبْرَمَ لا يُغَيَّرُ (فَلِذَلِكَ لا يَصِحُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدُّعَاءُ) الَّذِى يَعْمَلُ بِهِ بَعْضُ النَّاسِ فِى لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ (الَّذِى فِيهِ »إِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِى فِى أُمِّ الْكِتَابِ عِنْدَكَ شَقِيًّا فَامْحُ
عَنِّى اسْمَ الشَّقَاءِ وَأَثْبِتْنِى عِنْدَكَ سَعِيدًا وَإِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِى فِى أُمِّ الْكِتَابِ مَحْرُومًا مُقَتَّرًا عَلَىَّ رِزْقِى فَامْحُ عَنِّى حِرْمَانِى وَتَقْتِيرَ رِزْقِى وَأَثْبِتْنِى عِنْدَكَ سَعِيدًا مُوَفَّقًا لِلْخَيْرِ فَإِنَّكَ تَقُولُ فِى كِتَابِكَ ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ وَلا مَا أَشْبَهَهُ) فَيَنْبَغِى تَحْذِيرُهُمْ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا عِنْدَمَا يَقْرَؤُهُ الْجَاهِلُ الَّذِى لَمْ يَتَعَلَّمِ الْعَقِيدَةَ يَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ يُغَيِّرُ مَشِيئَتَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَاعْتِقَادُ تَغَيُّرِ مَشِيئَةِ اللَّهِ كُفْرٌ لِأَنَّ فِى ذَلِكَ نِسْبَةَ الْحُدُوثِ إِلَى اللَّهِ وَالْحُدُوثُ يُنَافِى الأُلُوهِيَّةَ.
وَأَمَّا إِنْ كَانَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ هَذَا الدُّعَاءَ الْمَذْكُورَ يَفْهَمُونَ مِنْهُ إِنْ كَانَ شَاءَ اللَّهُ فِى الأَزَلِ أَنْ يُنَجِّيَنَا مِنَ الْمَصَائِبِ وَيُوَسِّعَ عَلَيْنَا فِى رِزْقِنَا بِدُعَائِنَا فِى هَذِهِ اللَّيْلَةِ يَحْصُلُ لَنَا عَلَى حَسَبِ عِلْمِهِ وَمَشِيئَتِهِ الأَزَلِيَيْنِ لَمْ يَكُنْ فِى ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَى الْعَقِيدَةِ لَكِنَّ هَذَا اللَّفْظَ الَّذِى يَقْرَءُونَهُ غَلَطٌ (وَلَمْ يَصِحَّ هَذَا الدُّعَاءُ أَيْضًا عَنْ عُمَرَ وَلا عَنْ مُجَاهِدٍ وَلا عَنْ غَيْرِهِمَا مِنَ السَّلَفِ كَمَا يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِ الْقَدَرِ لِلْبَيْهَقِىِّ) لَكِنْ بَعْضُهُ يُرْوَى عَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ وَلَمْ يَثْبُتْ وَبَعْضُهُ يُرْوَى عَنْ مُجَاهِدٍ وَلَمْ يَثْبُتْ (وَلْيُعْلَمْ أَنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ وَتَقْدِيرَهُ لا يَتَغَيَّرَانِ لِأَنَّ التَّغَيُّرَ مُسْتَحِيلٌ عَلَى اللَّهِ. وَأَمَّا حَدِيثُ »لا يَرُدُّ الْقَدَرَ شَىْءٌ إِلَّا الدُّعَاءُ« فَهَذَا رَاجِعٌ إِلَى الْقَدَرِ الْمُعَلَّقِ لَيْسَ إِلَى الْقَدَرِ الْمُبْرَمِ).
