(حُكْمُ مَنْ يَأْتِى بِإِحْدَى أَنْوَاعِ هَذِهِ الْكُفْرِيَّاتِ هُوَ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُهُ الصَّالِحَةُ وَحَسَنَاتُهُ) السَّابِقَةُ (جَمِيعُهَا فَلا تُحْسَبُ لَهُ ذَرَّةٌ مِنْ حَسَنَةٍ كَانَ سَبَقَ لَهُ أَنْ عَمِلَهَا مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ صِيَامٍ أَوْ صَلاةٍ وَنَحْوِهَا) مِنْ وُجُوهِ الْخَيْرِ أَىْ إِنْ رَجَعَ إِلَى الإِسْلامِ لَمْ تَرْجِعْ إِلَيْهِ حَسَنَاتُهُ الَّتِى خَسِرَهَا (إِنَّمَا تُحْسَبُ لَهُ الْحَسَنَاتُ الْجَدِيدَةُ الَّتِى يَقُومُ بِهَا بَعْدَ تَجْدِيدِ إِيمَانِهِ)

أَىْ بَعْدَ دُخُولِهِ فِى الإِسْلامِ مِنْ جَدِيدٍ (قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾) وَأَمَّا ذُنُوبُهُ الَّتِى عَمِلَهَا فِى أَثْنَاءِ الرِّدَّةِ وَقَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّهَا لا تُمْحَى عَنْهُ بِرُجُوعِهِ إِلَى الإِسْلامِ وَإِنَّمَا الَّذِى يُغْفَرُ لَهُ بِذَلِكَ هُوَ الْكُفْرُ لا غَيْرُ بِخِلافِ الْكَافِرِ الأَصْلِىِّ فَإِنَّ ذُنُوبَهُ تُمْحَى بِإِسْلامِهِ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ »الإِسْلامُ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ« رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَإِذَا قَالَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ قَبْلَ أَنْ يُجِدِّدَ إِيمَانَهُ) أَىْ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الإِسْلامِ (بِقَوْلِهِ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَهُوَ عَلَى حَالَتِهِ هَذِهِ فَلا يَزِيدُهُ قَوْلُهُ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إِلَّا إِثْمًا وَكُفْرًا لِأَنَّهُ) يَطْلُبُ الْمَغْفِرَةَ وَهُوَ عَلَى الْكُفْرِ وَاللَّهُ تَعَالَى لا يَغْفِرُ كُفْرَ الْكَافِرِ وَذُنُوبَهُ وَهُوَ عَلَى كُفْرِهِ فَهُوَ (يُكَذِّبُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ وَقَوْلَهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾).

وَ(رَوَى ابْنُ حِبَّانَ) مَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ (عَنْ عِمْرَانَ بنِ الْحُصَيْنِ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ رَجُلٌ) مِنَ الْمُشْرِكِينَ (فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ خَيْرٌ لِقَوْمِهِ مِنْكَ كَانَ يُطْعِمُهُمُ الْكَبِدَ وَالسَّنَامَ) أَىْ سَنَامَ الإِبِلِ وَهُوَ طَعَامٌ فَاخِرٌ عِنْدَ الْعَرَبِ (وَأَنْتَ تَنْحَرُهُمْ) أَىْ تَقْتُلُهُمْ فِى الْجِهَادِ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ مَا شَاءَ اللَّهُ) مَعْنَاهُ أَنَّ

الرَّسُولَ رَدَّ عَلَيْهِ بِمَا شَاءَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْكَلامِ (فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَنْصَرِفَ قَالَ مَا أَقُولُ قَالَ »قُلِ اللَّهُمَّ قِنِى شَرَّ نَفْسِى وَاعْزِمْ لِى عَلَى أَرْشَدِ أَمْرِى«) أَىْ دُلَّنِى عَلَى مَا فِيهِ خَيْرِي وَصَلاحِى (فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ وَلَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ ثُمَّ) عَادَ بَعْدَ مُدَّةٍ وَ(قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ إِنِّى أَتَيْتُكَ فَقُلْتُ عَلِّمْنِى فَقُلْتَ »قُلِ اللَّهُمَّ قِنِى شَرَّ نَفْسِى وَاعْزِمْ لِى عَلَى أَرْشَدِ أَمْرِى« فَمَا أَقُولُ الآنَ حِينَ أَسْلَمْتُ قَالَ »قُلِ اللَّهُمَّ قِنِى شَرَّ نَفْسِى وَاعْزِمْ لِى عَلَى أَرْشَدِ أَمْرِى اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى مَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ وَمَا عَمَدْتُ وَمَا أَخْطَأْتُ وَمَا جَهِلْتُ«) فَهَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الإِنْسَانَ مَا دَامَ كَافِرًا لا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِى ذَنْبِى لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا لَكَانَ الرَّسُولُ عَلَّمَهُ من الأَوَّلِ الِاسْتِغْفَارَ اللَّفْظِىَّ وَلَكِنَّهُ لَمْ يُعَلِّمْهُ الِاسْتِغْفَارَ اللَّفْظِىَّ إِلَّا بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ.

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ أَلَيْسَ كَانَ نُوحٌ يَقُولُ لِقَوْمِهِ الَّذِينَ هُمْ عَلَى عِبَادَةِ الأَوْثَانِ ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ فَالْجَوَابُ أَنَّ قَوْلَهُ ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ أَىِ اطْلُبُوا مَغْفَرِةَ اللَّهِ بِالدُّخُولِ فِى الإِسْلامِ بِتَرْكِ عِبَادَةِ الأَصْنَامِ وَالإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَالإِيمَانِ بِى أَنِّى نَبِىُّ اللَّهِ. (وَمِنْ أَحْكَامِ الرِّدَّةِ أَنَّ الْمُرْتَدَّ يَفْسُدُ صِيَامُهُ وَتَيَمُّمُهُ وَنِكَاحُهُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَكَذَا بَعْدَهُ إِنْ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى الإِسْلامِ فِى الْعِدَّةِ) وَلا فَرْقَ فِى حُكْمِ انْفِسَاخِ الْعَقْدِ بَيْنَ أَنْ يَرْتَدَّ الزَّوْجُ أَوْ تَرْتَدَّ الزَّوْجَةُ،

وَلَوِ ارْتَدَّ أَحَدُهُمَا وَعَرَفَ الآخَرُ بِذَلِكَ ثُمَّ حَصَلَ جِمَاعٌ بَيْنَهُمَا فَهُوَ زِنًى مِنْهُمَا وَكِلاهُمَا ءَاثِمٌ. فَإِنْ جَامَعَ الزَّوْجُ الْمُسْلِمُ زَوْجَتَهُ الْمُرْتَدَّةَ وَهُوَ لا يَعْلَمُ بِرِدَّتِهَا فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَيُنْسَبُ الأَوْلادُ الْمُنْعَقِدُونَ مِنْ هَذَا الْوَطْءِ إِلَيْهِمَا وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْمُرْتَدُّ هُوَ الزَّوْجُ وَجَامَعَ زَوْجَتَهُ الْمُسْلِمَةَ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَعْرِفَ بِرِدَّتِهِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهَا وَلَكِنْ يُنْسَبُ الْوَلَدُ لَهَا دُونَهُ (وَلا يَصِحُّ عَقْدُ نِكَاحِهِ) أَىِ الْمُرْتَدِّ (لا عَلَى مُسْلِمَةٍ وَلا كَافِرَةٍ وَلَوْ مُرْتَدَّةٍ مِثْلِهِ).

عَوْدٌ إِلَى تَقْسِيمِ الْكُفْرِ لِزِيَادَةِ فَائِدَةٍ

(وَاعْلَمْ أَنَّ الْكُفْرَ ثَلاثَةُ أَبْوَابٍ إِمَّا تَشْبِيهٌ أَوْ تَكْذِيبٌ أَوْ تَعْطِيلٌ، أَحَدُهَا التَّشْبِيهُ أَىْ تَشْبِيهُ اللَّهِ بِخَلْقِهِ كَمَنْ يَصِفُهُ بِالْحُدُوثِ أَوِ الْفَنَاءِ أَوِ الْجِسْمِ أَوِ اللَّوْنِ أَوِ الشَّكْلِ أَوِ الْكَمِيَّةِ أَىْ مِقْدَارِ الْحَجْمِ) فَمَنْ وَقَعَ فِى التَّشْبِيهِ فَعَبَدَ صُورَةً مَا أَوْ خَيَالًا تَخَيَّلَهُ يَكُونُ بِذَلِكَ مِنَ الْكَافِرِينَ الْخَارِجِينَ عَنْ مِلَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ مِنْهُمْ لِأَنَّ الَّذِى يُشَبِّهُ اللَّهَ بِخَلْقِهِ يَكُونُ مُكَذِّبًا لِـلا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مَعْنًى وَلَوْ قَالَهَا لَفْظًا (أَمَّا مَا وَرَدَ فِى الْحَدِيثِ »إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ« فَلَيْسَ مَعْنَاهُ جَمِيلَ الشَّكْلِ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ جَمِيلُ الصِّفَاتِ) أَىْ صِفَاتُهُ كَامِلَةٌ (أَوْ مُحْسِنٌ) أَىْ يُحْسِنُ لِعِبَادِهِ وَيَتَكَرَّمُ عَلَيْهِمْ بِنِعَمِهِ،

وَتَمَامُ الْحَدِيثِ »إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ« وَمَعْنَى »يُحِبُّ الْجَمَالَ« يُحِبُّ نَظَافَةَ الْخُلُقِ وَالْبَدَنِ وَالثَّوْبِ وَأَحَبُّ إِلَيْهِ نَظَافَةُ الْخُلُقِ. وَ(ثَانِيهَا) أَىْ ثَانِى أَبْوَابِ الْكُفْرِ (التَّكْذِيبُ أَىْ تَكْذِيبُ مَا وَرَدَ فِى الْقُرْءَانِ الْكَرِيمِ أَوْ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى وَجْهٍ ثَابِتٍ وَكَانَ مِمَّا عُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ) أَىْ مَعْلُومًا عِنْدَ الْجَاهِلِ وَالْعَالِمِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (كَاعْتِقَادِ فَنَاءِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ) أَوْ إِحْدَاهُمَا (أَوِ) اعْتِقَادِ (أَنَّ الْجَنَّةَ لَذَّاتٌ غَيْرُ حِسِيَّةٍ وَأَنَّ النَّارَ ءَالامٌ مَعْنَوِيَّةٌ) وَهُوَ كُفْرٌ بِالإِجْمَاعِ لِأَنَّ هَذَا إِنْكَارٌ لِنُصُوصِ الشَّرْعِ الصَّرِيحَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ الْمَعْرُوفَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ الْعُلَمَاءِ وَالْعَوَامِّ.

وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْجَنَّةَ فِيهَا لَذَّاتٌ حِسِيَّةٌ ءَايَاتٌ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِى الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾، وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ النَّارَ فِيهَا ءَالامٌ حِسِيَّةٌ ءَايَاتٌ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ (أَوْ إِنْكَارِ بَعْثِ الأَجْسَادِ وَالأَرْوَاحِ مَعًا) فَإِنِ

اعْتَقَدَ مُعْتَقِدٌ أَنَّ الأَرْوَاحَ تُبْعَثُ فَقَطْ دُونَ الأَجْسَادِ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ لِتَكْذِيبِهِ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ﴾ (أَوْ إِنْكَارِ) أَىِّ أَمْرٍ مَعْلُومٍ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ كَإِنْكَارِ (وُجُوبِ الصَّلاةِ أَوِ الصِّيَامِ أَوِ الزَّكَاةِ) وَنَقَلَ الْقَاضِى عِيَاضٌ فِى الشِّفَا الإِجْمَاعَ عَلَى تَكْفِيرِ مَنْ أَنْكَرَ وُجُوبَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَعَدَدَ رَكَعَاتِهَا وَسَجَدَاتِهَا (أَوِ اعْتِقَادِ تَحْرِيمِ الطَّلاقِ) عَلَى الإِطْلاقِ فَإِنَّ فَسَادَ هَذَا ظَاهِرٌ بَيْنَ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعُلَمَائِهِمْ (أَوِ تَحْلِيلِ) شُرْبِ (الْخَمْرِ) فَقَدْ أَجْمَعَ عَلَى تَحْرِيمِهَا الأَئِمَّةُ مِنْ عَهْدِ صَحَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَيَّامِنَا هَذِهِ وَانْتَشَرَ هَذَا الْحُكْمُ وَشُهِرَ حَتَّى بَيْنَ مَنْ يَشْرَبُهَا مِنَ الأُمَّةِ (وَ)لِذَلِكَ جَزَمَ الْعُلَمَاءُ بِتَكْفِيرِ مَنْ أَحَلَّ شُرْبَهَا مُطْلَقًا.

وَيَكْفُرُ مَنْ أَنْكَرَ (غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا ثَبَتَ بِالْقَطْعِ وَظَهَرَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَهَذَا بِخِلافِ مَنْ يَعْتَقِدُ بِوُجُوبِ الصَّلاةِ عَلَيْهِ مَثَلًا لَكِنَّهُ لا يُصَلِّى فَإِنَّهُ يَكُونُ عَاصِيًا لا كَافِرًا كَمَنْ يَعْتَقِدُ عَدَمَ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ) وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ لا يَكْفُرُ إِذَا لَمْ يَسْتَحِلَّهَا وَ(ثَالِثُهَا) أَىْ ثَالِثُ أَبْوَابِ الْكُفْرِ (التَّعْطِيلُ أَىْ نَفْىُ وُجُودِ اللَّهِ وَهُوَ أَشَدُّ الْكُفْرِ) عَلَى الإِطْلاقِ.

وَكَذَلِكَ كُفْرُ الْوَحْدَةِ الْمُطْلَقَةِ وَهُوَ اعْتِقَادُ أَنَّ اللَّهَ وَالْعَالَمَ وَاحِدٌ وَكُفْرُ الْحُلُولِ وَهُوَ اعْتِقَادُ أَنَّ اللَّهَ يَحُلُّ فِى غَيْرِهِ (وَحُكْمُ مَنْ يُشَبِّهُ اللَّهَ تَعَالَى بِخَلْقِهِ التَّكْفِيرُ قَطْعًا) وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشَبِّهَ لا يَعْبُدُ اللَّهَ تَعَالَى وَإِنَّمَا يَعْبُدُ صُورَةً تَخَيَّلَهَا وَتَوَهَّمَهَا وَمَنْ عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ فَلا يَكُونُ مُسْلِمًا (وَالسَّبِيلُ إِلَى صَرْفِ التَّشْبِيهِ)

وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى التَّنْزِيهِ (اتِّبَاعُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ الْقَاطِعَةِ »مَهْمَا تَصَوَّرْتَ بِبَالِكَ فَاللَّهُ بِخِلافِ ذَلِكَ«) لِأَنَّ مَا يَتَصَوَّرُهُ الإِنْسَانُ بِبَالِهِ خَيَالٌ وَمِثَالٌ وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ (وَهِىَ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ وَهِىَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾) رَوَى هَذَا الْقَوْلَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ الدِّمَشْقِىُّ فِى

تَارِيخِ دِمَشْقَ بِإِسْنَادٍ مُتَّصِلٍ إِلَى ذِى النُّونِ الْمِصْرِىِّ وَهَذَا الْقَوْلُ نَقَلَهُ أَيْضًا أَبُو الْفَضْلِ التَّمِيمِىُّ الْحَنْبَلِىُّ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ (وَمُلاحَظَةُ مَا رُوِىَ عَنْ) أَبِى بَكْرٍ (الصِّدِّيقِ [شِعْرٌ مِنَ الْبَسِيطِ] الْعَجْزُ عَنْ دَرَكِ الإِدْرَاكِ إِدْرَاكُ وَالْبَحْثُ عَنْ ذَاتِهِ كُفْرٌ وَإِشْرَاكُ) رَوَى الزَّرْكَشِىُّ شَطْرَهُ الأَوَّلَ فَقَطْ فِى تَشْنِيفِ الْمَسَامِعِ وَالْمَعْنَى أَنَّ الإِنْسَانَ إِذَا عَرَفَ اللَّهَ تَعَالَى بِأَنَّهُ مَوْجُودٌ لا كَالْمَوْجُودَاتِ وَاعْتَقَدَ أَنَّهُ لا يُمْكِنُ تَصْوِيرُهُ فِى النَّفْسِ وَاقْتَصَرَ عَلَى هَذَا وَاعْتَرَفَ بِالْعَجْزِ عَنْ إِدْرَاكِهِ أَىْ عَنْ مَعْرِفَةِ حَقِيقَتِهِ وَلَمْ يَبْحَثْ عَنْ ذَاتِ اللَّهِ لِلْوُصُولِ إِلَى حَقِيقَةِ اللَّهِ فَهَذَا إِيمَانٌ،

أَمَّا الَّذِى لا يَكْتَفِى بِذَلِكَ وَيُرِيدُ بِزَعْمِهِ أَنْ يَعْرِفَ حَقِيقَتَهُ وَيَبْحَثَ عَنْ ذَاتِهِ وَلا يَكْتَفِى بِهَذَا الْعَجْزِ فَيَتَصَوَّرُهُ كَالإِنْسَانِ أَوْ كَكُتْلَةٍ نُورَانِيَّةٍ أَوْ يَتَصَوَّرُهُ حَجْمًا مُسْتَقِّرًا فَوْقَ الْعَرْشِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَهَذَا كَفَرَ بِاللَّهِ تَعَالَى (وَقَوْلِ بَعْضِهِمْ لا يَعْرِفُ اللَّهَ عَلَى الْحَقِيقَةِ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى) مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَحْدَهُ عَالِمٌ

بِذَاتِهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ (وَ)أَمَّا (مَعْرِفَتُنَا نَحْنُ بِاللَّهِ تَعَالَى) فَهِىَ (لَيْسَتْ عَلَى سَبِيلِ الإِحَاطَةِ) إِذْ لا يَعْرِفُ أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى الْحَقِيقَةِ حَتَّى الأَنْبِيَاءُ وَالأَوْلِيَاءُ لا يَعْرِفُونَ اللَّهَ تَعَالَى بِالإِحَاطَةِ (بَلْ بِمَعْرِفَةِ مَا يَجِبُ لِلَّهِ تَعَالَى) مِنَ الصِّفَاتِ (كَوُجُوبِ) الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالإِرَادَةِ وَ(الْقِدَمِ لَهُ وَتَنْزِيهِهِ عَمَّا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ تَعَالَى كَاسْتِحَالَةِ)

الْعَجْزِ وَالْحَجْمِ وَ(الشَّرِيكِ لَهُ وَ)مَعْرِفَةِ (مَا يَجُوزُ فِي حَقِّهِ تَعَالَى كَخَلْقِ شَىْءٍ وَتَرْكِهِ) أَىْ كَإِيجَادِ شَىْءٍ وَإِعْدَامِهِ فَاللَّهُ تَعَالَى يَجُوزُ أَنْ يَخْلُقَ مَا يَشَاءُ وَيَتْرُكَ مَا يَشَاءُ أَىْ لا يَخْلُقَهُ (قَالَ الإِمَامُ) أَحْمَدُ (الرِّفَاعِىُّ »غَايَةُ الْمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ) أَىْ أَقْصَى مَا يَصِلُ إِلَيْهِ الْعَبْدُ مِنَ الْمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ (الإِيقَانُ) أَىِ الِاعْتِقَادُ الْجَازِمُ الَّذِى لا شَكَّ فِيهِ (بِوُجُودِهِ تَعَالَى بِلا كَيْفٍ وَلا مَكَانٍ«) فَقَوْلُهُ بِلا كَيْفٍ صَرِيحٌ فِى نَفْىِ الْجِسْمِ وَالْحَيِّزِ وَالشَّكْلِ وَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَالِاتِّصَالِ وَالِانْفِصَالِ وَالْقُعُودِ إِذْ كُلُّ ذَلِكَ شَىْءٌ غَيْرُهُ وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْهُ.

فَالْكَيْفُ يَشْمَلُ كُلَّ مَا كَانَ مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ فَمَنْ أَيْقَنَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْجُودٌ بِلا كَيْفٍ وَلا مَكَانٍ فَقَدْ وَصَلَ إِلَى غَايَةِ مَا يَبْلُغُ الإِنْسَانُ مِنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ.