وانْصِب بلا في النَّفي كُلَّ نَكِرهْ *** كَقولِهِمْ لا شكَّ فيما ذَكَرَهْ

وإنْ بدا بينَهُما مُعترِضُ *** فارْفَعْ وقُلْ لا لأبيكَ مُبْغِضُ

أي إذا أردت بلا نفي الجنس نصبت الاسم المنفي بها بشرط أن يكون نكرة متصلاً بها كما مثّل به، ونحو: {لا ريبَ فيهِ} [سورة البقرة/2]، وشملت عبارته المضاف أيضًا نحو: لا صاحب بر ممقوت، فلو كان معرفة فهو مرفوع على الابتداء نحو: لا زيد في الدار ولا الأمير فيها، وهكذا لو كان مفصولاً عنها كما مثّل ونحو: {لا فيها غَوْلٌ} [سورة الصافات/47].

تنبيه: ظاهر كلام الشيخ أن اسم لا منصوب بها نصبَ إن المشددة لاسمها لكنه هنا لا ينون ففتحته فتحة إعراب ولهذا لم يَفْرُقْ بين المفرد والمضاف وهذا مذهب الكوفيين، وذهب البصريون ورجحه ابن مالك وأتباعه إلى أن اسمها المفرد مبني على الفتح مركب معها تركيب خمسة عشر والمضاف وشبهَهُ منصوب.

وارْفَعْ إذا كَرَّرْتَ نَفْيًا وانْصِبِ *** أوْ غايرِ الإعرابَ فيهِ تُصِبِ

تقولُ لا بيعٌ ولا خِلالُ *** فيهِ ولا عيبٌ ولا إخلالُ

والرفعُ في الثاني وفَتْحُ الأولِ *** قدْ جازَ والعكسَ كذاكَ فافْعَلِ

وإنْ تشأْ فافْتَحْهُما جميعَا *** ولا تَخَفْ ردًّا ولا تَقريعا

أي إذا اجتمعت شروط النصب في لا وكررتها بعد عاطف كقولك: لا حول ولا قوة إلا بالله جاز لك أربعة أوجه رفعهما معًا منونين على إلغائهما، ونصبهما معًا مفتوحين على إعمالهما، وبهما قرئ في نحو: {فلا رَفَثَ ولا فُسوقَ} [سورة البقرة/197] و{لا بيعٌ فيهِ ولا خُلَّةٌ} [سورة البقرة/254] و{لا لَغْوٌ فيها ولا تأثيمٌ} [سورة الطور/23] والمغايرة بينهما بنصب الأول بفتحة ورفع الثاني منونًا على إعمال الأولى وإلغاء الثانية كقول الشاعر:

هذا لعمرُكُمُ الصغارُ بعَينِهِ *** وما فاهوا إن كانَ ذاكَ ولا أبُ

وعكسه:

ولا لغوٌ ولا تأثيمَ فيها *** وما فاهوا به أبدًا مقيمُ

تنبيه: هذه الأربعة الأوجه هي معنى قوله: "وارفع" إلخ، أي وارفعهما معًا أو انصبهما معًا أو غاير بينهما، أو ارفع الأول دون الثاني وعكسَه، وسمى الفتح نصبًا جريًا على ما قدمناه عنه، وأما استخراج أمثلتها الأربعة من البيت الثاني فتقول في صدره: لا بيعٌ ولا خلالٌ برفعهما، وفي عَجزه لا عيبَ بالفتح ولا إخلالٌ بالرفع ثم تعيد البيت تنصب قافيته فتقول: لا بيعَ ولا خلالَ بفتحهما في صدره، وفي عجزِه لا عيبٌ بالرفع ولا إخلالَ بالفتح، والخُلة والخلال الصداقة، وبقي وجه خامس وهو فتح الأول ونصب الثاني منونًا على إلغاء لا وعطفه على محل اسم الأول إن قلنا إنه مبني أو لفظه إن قلنا إنه معرب كقول الشاعر:

لا نسبَ اليومَ ولا خُلةً *** اتسعَ الخَرقُ على الراقِعِ

ولعله مراد الناظم بقوله في بعض النسخ إن صح، و"إن تشأ فانصبهما جميعًا"، لكنه غير ظاهر في المراد لأنه كقوله: "وانصب لما سبق" أن معناه وانصبهما جميعًا، والتقريع: بالقاف التوبيخ.

بابُ التعجبِ

وتُنصَبُ الأسماءُ في التَّعَجُّبِ *** نَصْبَ المفاعيلِ فلا تَسْتَعجِبِ

تقولُ ما أحسنَ زيدًا إذْ خَطا *** وما أحدَّ سيفَهُ حينَ سَطا

أي انصب الاسم المتعجب منه نصب المفعول به ولا تستغرب ذلك بجهلك وجه إعرابه فإنك إذا قلت: ما أحسن زيدًا، فما: اسم تام مرفوع المحل بالابتداء، وأحسن: فعل ماض فاعله ضمير يعود إلى ما والجملة: الخبر والتقدير شىء عجيب حَسَّنَ زيدًا.

تنبيه: يصاغ أيضًا للتعجب أفعِلْ به كأحْسِن بزيدٍ ونحوها بصيغة الأمر كقوله تعالى: {أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ} [سورة مريم/38] ولم يتعرض لها الناظم لأن المتعجب منه مجرور بالباء.

وإنْ تَعَجَّبْتَ منَ الألوانِ *** أو عاهَةٍ تَحْدُثُ في الأبدانِ

فابْنِ لها فِعْلاً منَ الثلاثي *** ثُمَّ ائْتِ بالألوانِ والأحداثِ

تقولُ ما أنقى بياضَ العاجِ *** وما أشدَّ ظُلْمَةَ الدَّياجِيْ

أي أن فعل التعجب لا يبنى من الألوان كالسواد والبياض ولا من العاهات أي من العلل الحادثة في الأبدان كالعمى والعرج، بل إذا أريد التعجب منها تُوُصّلَ إليها ببناء فعل ثلاثي دال على المبالغة كأشدّ وأقبح ونحوهما، فيدخل على مصدرهما كما مثَّل به فينصبُ ويضاف إلى المتعجَب منه كما مثّل به فلا يقال: ما أبيضَ العاج وما أظلم الدياجي، وكذا لا يقال: ما أعماه وما أعرجه بل تقول: ما أقبحَ عَرَجهُ، وما أشدَّ عماهُ.

فائدة: الدياجي ظلمة الليل قال الجوهري: كأنها جمع دَيْجاةٍ.

تنبيه: أشار بقوله: "فابن فعلاً من الثلاثي" إلى أن صيغة التعجب لا تبنى من الرباعي فأكثر كدحرج وانطلق واستخرج، بل يقال فيه أيضًا: ما أشد دِحْراجهُ، وأسرع انطلاقه، وأحسن استخراجه، ونحو ذلك، وأجازه سيبويه من نحو: أكرَم كقولهم: ما أعطاه للدرهم وأولاه للمعروف، ومن شرطه أيضًا أن يقبل التفاضل أي الزيادة والنقصان ليصح أن يُختصَّ المتعجبُ منه بالزيادة فلا يبنى من نحو: مات وفَنِيَ لتساوي الفاعلين فيه، فلا يقال: ما أموته ولا ما أفناه، بل: ما أفجع موته، وما أسرع فناءه.

بابُ الإغراءِ

والنَّصْبُ بالإغراءِ غيرُ مُلْتَبِسْ *** وهْوَ بفعلٍ مُضمَرٍ فافْهَمْ وقِسْ

تقولُ للطالبِ خِلاًّ بَرًّا *** دونَكَ زيدًا وعليكَ عَمْرًا

أي ونصبُ الاسم المغرى به ظاهرٌ غيرُ خافٍ لأنه مفعول به والعامل فيه فعل مضمر يُدَلّ عليه بأسماء أفعال موضوعة له، كما مثّل به، فتقدير دونك زيدًا الزمه من أدنى مكان، وكذا عليك عمرًا، لكن لا يجوز إظهاره لئلا يجتمع البدل والمبدَلُ منه.

فائدة: أصل الإغراء الإلصاق ومنه: {فأغْرَيْنا بينَهُمُ العَداوَةَ} [سورة المائدة/14]، وفي الاصطلاح تنبيه المخاطب على أمر محبوب ليلزمه. والخِل بكسر الخاء الصديق، والبّر: بفتح الباء المحسن يقال: برَّ يَبَرّ بفتح المضارع أي أطاع وأحسن.

باب التحذير

وتَنْصِبُ الاسمَ الذي تُكَرّرُهْ *** عَنْ عِوَضِ الفعلِ الذي لا تُظْهرهْ

مثلَ مقالِ الخَاطبِ الأوَّاهِ *** أللهَ أللهَ عِبادَ اللهِ

أي أن عامل النصب يجب إضماره إذا تكرر الاسم لأن التكرار عوض عنه كقولك: الصلاة الصلاة، يعني الزموا الصلاة، وفهم منه أنه إذا لم يتكرر لا يجب إضمار فعل الإغراء كقولك: الصلاة، وإن شئت: الزموا الصلاة.

تنبيه: التحذير مثل الإغراء في أحكامه فيكون تارة بألفاظ موضوعة له نيابة عن الفعل كإياك والأسدَ أي احذره، وبالتكرير نحو: الأسد الأسد، ويجب إضمار الفعل في هاتين الحالتين منه كقول الناظم حاكيًا عن الخطيب: "الله الله" أي اتقوا الله. وإذا لم تكرر الاسم جاز إضمار الفعل كالأسد وإظهاره كاحذر الأسد، وكأن الناظم اكتفى بذكر الإغراء عنه لاستوائهما في الحكم، ولهذا مثّل للإغراء بما يصلح للتحذير، "ومثّل" منصوبٌ نعتُ مصدرٍ محذوفٍ أي نصبًا مِثلَ، و"الأواه": كثيرُ التأوّه الدالُ على الخوف من الله سبحانه وتعالى (1).

بابُ إنَّ وأخواتِها

وسِتةٌ تَنْصِبُ الأسماءَ *** بها كما ترتفعُ الأنباءُ

وهْيَ إذا رَوَيْتَ أوْ أمْلَيْتا *** إنَّ وأنَّ يا فتى وَلَيتا

ثمَّ كأنَّ ثمَّ لكِنَّ وعّل *** واللغةُ المشهورةُ الفُصحى لعل

أي أن هذه الستة الأحرف تدخل على جملة المبتدإ والخبر وهي إنَّ وأنَّ: للتأكيد، ولكن: للاستدراك، ولعل: للرجاء والخوف، وليت: للتمني، وكأن: للتشبيه، فتغير حكم المبتدأ كما سبقت الإشارة إلى ذلك، فتنصب الاسم المبتدأ اسمًا لها وترفع الأخبار كقولك: إن زيدًا قائم، وسمعت أن زيدًا قائم، ولكن عمرًا كاذب، ولعل زيدًا قريب، وكذا علّ لكن الأفصح لعل كما ذكره الناظم، وليت زيدًا مقيم، وكأن زيدًا أسد.

وكل ما جاز أن يكون خبرًا للمبتدإ جاز أن يكون خبرًا لهذه الأحرف نحو: إن زيدًا قام، وفي الدار وعندك.

[pic]

فائدة: الأنباءُ جمع نبأ وهي الأخبار، والرواية حكاية القول لمن ينقله، والإملاء حكايته لمن يكتبه، والكاف في قوله: "كما": للتشبيه، وما: مصدرية أي كرفع الأنباء بها.

وإنَّ بالكسرةِ أُمُّ الأحرفِ *** تأتي معَ القولِ وبعدَ الحَلِفِ

واللامُ تختصُّ بمعمولاتِها *** لِيَسْتَبِينَ فَضْلُها في ذاتِها

مِثالهُ إنَّ الاميرَ عادلُ *** وقدْ سَمِعتُ أنَّ زيدًا راحِلُ

وقيلَ إنَّ خالدًا لَقادِمُ *** وإنَّ هندًا لأبوها عالمُ

أي أن أمَّ هذه الأحرف الستة إنَّ المكسورة كما أن أمَّ حروف الجر من، وأمّ أدوات الشرط إن المكسورة الخفيفة، وأمّ نواصب الفعل أن المفتوحة الخفيفة، ومما تتميز به في هذا الباب إنَّ المكسورة عن المفتوحة أنَّ المكسورة تأتي مع القول أي محكية به نحو: {قالَ إني عبدُ اللهِ} [سورة مريم/30]، وقيل إن خالدًا قادم، ومنه تقول وقل وما اشتُق منه، وتأتي بعد الحلف بكسر اللام وهو اليمين أي في جواب القسم سواء كانت اللامُ في خبرها نحو: {يس* والقرءانِ الحكيمِ* إنَّكَ لمنَ المُرسَلين} [سورة يس/1-2-3] أم لا نحو:

{حم* والكتابِ المُبينِ* إنَّا أنزلناهُ} [سورة الدخان/1-2-3]، وتأتي أيضًا في ابتداء الكلام نحو: {إنَّا أنزلناهُ في ليلةِ القدرِ} [سورة القدر/1] وإن الأمير عادل، ومعرفة الفرق بين المكسورة والمفتوحة مهم جدًا وضابط المفتوحة أن يصح تأويلها مع معموليها (1) بمصدر نحو: سمعت أن زيدًا قادم أي بقدومه، وبلغني أنه قادم أي قدومُه إلا أن تدخل اللام على أحد معموليها فيجب الكسر لأنَّ المفتوحةِ نحو: سمعتُ إن زيدًا لقادم، وبلغني إنه لقادم، لأن اللام تختص بمعمولاتِ المكسورة وهي خبرُها كالأمثلة المذكورة، واسمُها المتأخرُ عنها نحو: إن في الدار لزيدًا، ومعمولُ خبرِها نحو:

[pic]

إن زيدًا لِعَمرو لضاربٌ، ولفي الدار مقيم، ومعنى قوله: "ليستبين فضلها" أي ليظهرَ تمييزُها في هذا الباب على أخواتها في ذاتها أي في نفسها وأنها أم الباب لاختصاص معمولاتها باللام دون أخواتها، فتحصَّل أن المكسورة كثر مجيئها في ثلاثة مواضع: بعد القول والحلف وقبل لام الابتداء كما ذكره الناظم في ابتداء الكلام كما ذكرنا.

ولا تُقدّمْ خبرَ الحروفِ *** إلا معَ المجرورِ والظروفِ

كقولِهِمْ إنَّ لِزيدٍ مالا *** وإنَّ عندَ عامرٍ جِمالا

أي ولا تقدم خبر هذه الحروف الستة على أسمائها، فاللام للعهد أي الزم الترتيب بذكرها ثم أخبارِها كالأمثلة السابقة إلا إذا كان الخبر ظرفًا أو جارًا ومجرورًا فيجوز تقديمه على الاسم كما مثّل به، ومنه: {إنَّ في ذلكَ لَعِبرةً} [سورة النازعات/13]، و{إنَّ في ذلكَ لآيةً} [سورة ءال عمران/49]، و{إنَّ لدَينا أنكالاً} [سورة المزمل/12]، و{وإنَّ عليكُم لحافِظينَ} [سورة الانفطار/10].

وإنْ تُزَدْ ما بعدَ هذي الأحرفِ *** فالرفعُ والنصبُ أُجيزا فاْعْرِفِ

والنصبُ في ليتَ لعلَّ (1) أظهرُ *** وفي كأنَّ فاسْتَمِعْ ما يُؤْثَرُ (2)

أي وإذا زيدت "ما" بعد هذه الأحرف الستة نحو: {إنَّما إلهُكُمُ اللهُ} [سورة طه/98]، جاز في الاسم الرفعُ على أنها كَفَّت عملهن فصيّرتهن مثل هل وبل مما لا يغير حكم المبتدإ، والنصبُ على إعمالهن وإلغائها كما ألغيت في نحو: {مما خَطِيئاتِهم} [سورة نوح/25]، {فبِما رحمةٍ منَ اللهِ} [سورة ءال عمران/159].


(1) في قوله تعالى: {إنَّ إبراهيمَ لحليمٌ أوَّاهٌ مُنيبٌ} [سورة هود/75] معناه رحيم القلب.

(1) أي اسمها وخبرها.

(1) وفي نسخة: "وعلَّ".

(2) وفي نسخة: "يُذكَرُ".