وسِتَّةٌ تَرْفَعُها بالواوِ *** في قولِ كُلّ عالِمٍ وراوي
والنصبُ فيها يا أُخَيَّ بالألِفْ *** وجَرُّها بالياءِ فاعْرفْ واعْتَرِفْ
وهْيَ أخُوكَ وأبو عِمرانا *** وذو وفُوكَ وحَمُو عُثمانا
ثمَّ هَنوكَ سادسُ الأسماءِ *** فاحْفَظْ مقالي حِفْظَ ذي الذكاءِ
ثم لما ذكر الناظم أن الإعراب يكون بالحركات السابقة أتبع ذلك بذكر أبواب مستثناة أو كالمستثناة من تلك القاعدة، فمن ذلك هذه الأسماء الستة فإذا استُعمِلت مضافة إلى غير ياء النَّفْسِ كان علامةُ الرفع فيها الواوَ، وعلامةُ النصب فيها الألف، وعلامة الجر فها الياء، فتقول: جاء أخوك، وأبو عمران، وذو المال، ورأيتُ فاك، وحما هند، وهنا الناقة، ومررت بأخيك وأبيك، وذي مال ونحو ذلك، فلو لم تضفها أصلاً أعربتَها بالحركات السابقة نحو: جاءني أب وأخ، ورأيت أبًا وأخًا، ومررت بأبٍ وأخٍ، وإن أضفتَها إلى ياء النفس كانت مكسورة الأواخر كغيرها مما يضاف إلى ياء النفس فإنه لا يكون إلا مكسورًا نحو: رأيت أبي وأخي، واشتراط إضافتها إلى غير ياء النفس مأخوذ من تمثيله بإضافتها إلى الكاف في أخوك وفوك وإلى الاسم الظاهر في "أبو عمران وحمو عثمان".
فائدة: الحَمْو: قرابة الزوج فلا يضاف إلا إلى المؤنث لكن إضافته إلى عثمان تدل على أنه قد يطلق على أقارب الزوجة، والهن: الفرج (1).
[pic]
بابُ حروفِ العلةِ
والواوُ والياءُ جميعًا *** هُنَّ حروفُ الاعْتِلالِ المُكْتَنِفْ
ولما ذكر أن الإعراب في هذه الأسماء الستة قد يكون بالحروف الثلاثة السابقة ذكر استطرادًا أنها تسمى حروف العلة، ولعله إنما ذكرها هنا لأن بعض علماء العربية يزعمُ أن هذه الأسماء معربةٌ بالحركات السابقة ولكن تولدت الواو عن الضمة والألف عن الفتحة والياء عن الكسرة عند الإشباع بدليل إعراب بعض العرب أربعة منها بالحركات وهي التي تُفرد عن الإضافة، وسماها مكتنِفة لأنها لا تكون إلا إلى جانب حرف سابق لها متوسطة أو أخيرة. وكنفُ الشىء: جانبُهُ، ولا تكون مبتدأةً لأنها لا تكون حرف علة إلا إذا كان ما قبل الألف مفتوحًا وما قبل الواو مضمومًا وما قبل الياء مكسورًا، فلو كان ما قبلها ساكنًا كدلو وظبي لم يكن حرف علة.
بابُ المنقوصِ
والياءُ في القاضي وفي المُستَشْري *** ساكنةٌ في رَفْعِها والجَرّ
وتُفتَحُ الياءُ إذا ما نُصِبا *** نحوُ لقيتُ القاضيَ المُهَذَّبا
المراد بالمنقوص كلُّ اسم ءاخرُهُ ياءٌ خفيفة قبلها كسرة، فخرج بالخفيفة ياء النسب ونحوها كقرشي، وكرسي، وبكسر ما قبلها نحو: ظبي، فإنه كالصحيح كما سيأتي في قوله: "وكل ياء بعد مكسور" إلخ. وأما المنقوص كالقاضي والمشتري والمستشري والحامي والشجي فإن ياءه تكون ساكنة في حالتي الرفع والجر خاصة لاستثقال الضمة والكسرة عليها، فتقول: جاء القاضي، ومررت بالقاضي وذلك كالمستثنى من الإعراب بالحركات، وسمي منقوصًا لأنه نُقِصَ حركتين من حركات الإعراب أو لحذف ءاخره عند تنوينه كما سيذكره الناظم.
فائدة: المستشري اسم فاعل من استشرى إذا طلب شراء المتاع أو اشتد غضبه وكأنه من التشبيه بأسد الشَّرى كاستأسد إذا تشبه بالأسد، وأما نثبه فهو جار على القاعدة فتقول: لقيت القاضيَ، فتظهر الفتحة على الياء لخفتها. ثم هذا الحكم إنما هو في المنقوص المعرف باللام كما مثّل الناظم به، ومثله المضاف كجاء قاضي البصرة، ومررت بقاضي البصرة بسكون الياء، ورأيت قاضيَ البصرة بفتحها، وذلك حيث يسقط التنوين كما سبق فإن كان منكرًا فقد أشار إليه بقوله:
ونَوّنِ المُنكرَ المَنْقوصا *** في رَفْعِهِ وجَرّهِ خُصوصا
تقولُ هذا مُشترٍ مُخادعُ *** وافْزَعْ إلى حامٍ حِماهُ مانِعُ
أي إذا كان الاسم المنقوص منكرًا حذفت ياءه وأبقيت ما قبلها مكسورًا ونونته وذلك في رفعه وجره خاصة، فتقول: جاءني قاضٍ، ومررت بقاضٍ، ومثله هذا مشترٍ، وافزع إلى حامٍ، وأصله هذا قاضيٌ بضمتين على الياء في الرسم وهي في اللفظ ضمة وتنوين، كذا مررت بقاضيٍ بكسرتين فحُذفت الياء لكونها متطرفة حرفَ على مع استثقال ذلك، فبقي التنوين على الحرف الذي قبلها وأبقَوه على كسرته ليدُلَّ على الياء المحذوفة،
وأما نصبه فهو كالصحيح فتقول: رأيت قاضيًا، وتقف عليه أيضًا بالألف في حالة النصب كغيره إن كان مُنكرًا، وبسكون الياء إن كان معرّفًا، فإن وقفتَ على غير المنصوب منه سكّنتَ ياءه إن كان معرفًا نحو: جاء القاضي، ومررت بالقاضي، وحذفتَ الياء ثم سكنت ما قبلها أيضًا إن كان منكرًا فقلت: هذا قاضْ ومررت بقاضْ بسكون الضاد، ويجوز مثل ذلك في المعرَّف أيضًا كجاء القاض ومررت بالقاض وذلك قليل.
تنبيه: انتصب خصوصًا على الحال، والمراد بهذا التنوين تنوينُ العِوَضِ عن الياء المحذوفة ولهذا يدخل ما لا ينصرف كجوار وليال فلا يَرِدُ المنكَّر المنصوب، كرأيت قاضيًا، فإن تنوينه تنوينُ تمكينٍ لأنه حينئذ غيرُ منقوصٍ.
وهكذا تفعلُ في ياءِ الشَّجِي *** وكُلّ ياءٍ بعدَ مكسورٍ تَجِي
هذا إذا ما وَرَدَتْ مُخَفَّفهْ *** فافْهَمهُ عنّي فَهْمَ صافي المَعرفه
أي وهكذا تفعل في تسكين الياء في المعرفة في حالتي الرفع والجر وفتحها في النصب وتنوين المنكّر في رفعه وجرّه خاصة، وإثباتُ ياء المنصوب منه مفتوحة في كل اسم ءاخره ياء خفيفة مكسور ما قبلها، وهذا ضابط المنقوص كالشجي بخلاف قرشي وكرسي وظبي وجدي كما سبق ذكر ذلك. وقوله: وهكذا تفعل" تقديره: وتفعل مثلَ ذلك، فالكاف: نعتُ مصدر محذوف، وقوله: "هذا" مبتدأ محذوف الخبر أي هذا ثابت "إذا ما وردت" و"ما" زائدة.
بابُ الاسمِ المقصورِ
وليسَ للإعرابِ فيما قدْ قُصِرْ *** مِنَ الأسامي أثرٌ إذا ذُكِرْ
مِثالهُ يَحْيى ومُوسى والعصا *** أو كَرَحًا أو كَحَيًا أوْ كحَصى
فهذهِ ءاخِرُها لا يختلفْ *** على تصاريفِ الكلامِ المُؤتلِفْ
المراد بالمقصور ما كان ءاخره ألفًا مقصورة كموسى وعيسى ويحيى وعصا ورحا وحيا وحصى، وسمي مقصورًا لأنه لا يظهر فيه شىء من حركات الإعراب فكأنه حُبِسَ عنها. والمقصور: المحبوس، وهو أيضًا كالمبني فإنه لا يختلف ءاخره باختلاف العوامل، فتقول: كلم موسى عيسى، وضربُ بالعصا، فيكون على حالة واحدة في الرفع والنصب والجر وهو مراده بتصاريف الكلام. و"المؤتلف": المنتظِمُ أي المركب المفيد، والرحا: معروفة تُذَكَّرُ وتؤنث، والحيا مقصورًا (1): المطر.
تنبيه: لعله أشار بتعداد الأمثلة إلى تعداد المقصور إلى اسم علم كيحيى وموسى، ومعرّف بأل كالعصا، ومنكَّر أصلُ ألفه واو كرحًا وكحيًا مفردًا كما سبق أو جمعًا كحصى.
تنبيه ءاخر: عقّب الناظم حروفَ الاعتلال بمعتل الاسم وهو المنقوص والمقصور وليس للعرب اسم ءاخره واو قبله ضمة، وأما المضارع فيكون معتلاً بالواو والألف والياء أيضًا كيرمي ويخشى ويدعو، وسيأتي في باب إعرابه إن شاء الله تعالى.
تنبيه ثالث: إذا نوّن المقصور في الدَّرْج سقطت ألفه لالتقاء الساكنين، واختلفوا فيها عند الوقف فقيل هي أصلية فثبتت، وقيل بدلٌ من التنوين في الأحوال الثلاثة لأنه تنوين قبله فتحة، والراجح وهو مذهب سيبويه أنها أصلية في رفعه وجره، وبدلٌ عن التنوين في نصبه كالاسم الصحيح.
بابُ التثنيةِ
ورفْعُ ما ثَنَّيتَهُ بالألِفِ *** كَقَولِكَ الزَّيدانِ كانا مألَفِي
ونَصبُهُ وجرُّهُ بالياءِ *** بغيرِ إشكالٍ ولا مِراءِ
تقولُ زيدٌ لابسٌ بُرْدَينِ *** وخالدٌ مُنْطَلقُ اليَدينِ
وتلحقُ النونُ بما قد ثُنّي *** منَ المفاريدِ لِجَبرِ الوَهْنِ
أي ورفع المثنى ثابت بالألف، ونصبه ثابت بالياء، وجره كذلك. وهذا الباب أيضًا مستثنى من قاعدة الإعراب بالحركات السابقة، فإذا أردتَ أن تعبّر عن اسمين متفقين في اللفظ كزيد وزيد وعمرو وعمرو مثلاً بلفظ واحد أخذتَ أحدَهما وفتحتَ ءاخره وزدتَ عليه ألفًا في حالة الرفع بدلاً عن الضمة وياء مفتوحًا ما قبلها في حالتي النصب والجر بدلاً عن الفتحة والكسرة وزدتَ أيضًا بعد علامة الإعراب نونًا مكسورة عوضًا عن التنوين الذي كان في الاسم المفرد (1). "لجبر الوهن" أي الضعف الذي لحقه لفوات التنوين فتقول: جاء الزيدان والعَمران،
[pic]
"والزيدان كانا مألفي" أي محل إلفي ورأيتُ الزيدين والعَمرين، "وزيد لابس بُردين" أي ثوبي صوف (1)، ومررت بالزيدين، "وخالد منطلق اليدين" أي مطلقُهُما (2).
(1) الهَنُ: ما يُستحيى عن ذكره، ليس الفرج فقط، يقال: "اتركنا من هناتِك" أي من أمورك القبيحة.
(1) معناه يحترز عن الحياء الممدود.
(1) يجوز أن يقال: جاءني زيد وزيد، ويجوز أن يقال: جاءني الزيدان، لكن الأكثر استعمالاً التعبير بالتثنية.
(1) ليس شرطًا أن يكون البُرد من الصوف.
(2) معناه سخيّ كثير العطاء.
