وكُلُّ جمعٍ صحَّ فيهِ واحدُهُ *** ثُمَّ أتى بعدَ التناهي زائِدُهُ
فرَفعُهُ بالواوِ والنونُ تَبَعْ *** نحوُ شجاني الخَاطِبونَ في الجُمَعْ
ونَصبُهُ وجَرُّهُ بالياءِ *** عندَ جميعِ العَرَبِ العَرْباءِ
تقولُ حيّ النازِلينَ في مِنَى *** وَسَلْ عن ِ الزَيْدِينَ هلْ كانوا هُنا
هذا الباب أيضًا مستثنى من قاعدة الإعراب بالحركات ويسمى الجمع المذكر السالم لأن لفظ الواحد يَسلَم بناؤه فيه (3) كمسلم ومؤمن وزيد وعمرو في قولك: جاء المسلمون والمؤمنون والزيدون والعمرون، وهو معنى قوله: "صح فيه واحده" بخلاف رجل وكتاب في رجال وكتب ونحوهما فإنه يسمى الجمعَ المكسَّر وسيأتي، وحُكم جمع المذكرالسالم أن رفعه بالواو المضموم ما قبلها ونصبه وجره بالياء المكسور ما قبلها وتلحقه نون مفتوحة عوضًا عن التنوين الذي كان في المفرد، فالواو والياء علامةُ الإعراب وهي علامة جمع أيضًا كما نبهنا على ذلك في التثنية، وهما مراده بـ"زائدة" الآتي بعد التناهي أي بعد انتهاء حروف الواحد، "والنون تبع" لهما كما سبق في المثنى، تقول: جاء الزيدون ومثله: شجاني الخاطبون، يقال: شجاه يشجيه بمعنى أحزنه وأطربه من الأضداد، وكلاهما محتمل لأن الوعظ يكون بالترغيب تارة فيُطرب وبالترهيب أخرى فيُحزن، وتقول: رأيت الزيدين بكسر الدال ومثله:
[pic]
"حي النازلين في منى" أي سَلّم عليهم، ومررتُ بالزيدين، "وسل عن الزيدين" بكسر الدال.
تنبيه: لعله أشار بقوله: "عند جميع العرب العرباء" وهي الملازمةُ البادية لأنه لم تختلف لغة العرب في الجمع بإعرابه هكذا إلا ما شذ، وأما التثنية فإن بني أسدٍ يُعربون المثنى بالألف في جميع أحواله فيقولون: رأيت الزيدان ومررت بالزيدان وعليه حمل بعضهم {إنْ هذانِ لساحِران} [سورة طه/63].
تنبيه: قوله: "والنون تبع" مرفوع بالابتداء أي أنها تبع لعلامة الإعراب. ثم قال:
ونُونُهُ مَفتوحةٌ إذْ تُذْكَرُ *** والنونُ في كلّ مُثَنّى تُكْسَرُ
وتسْقُطُ النونانِ في الإضافهْ *** نحوُ لَقيتُ ساكِنِي الرَّصافهْ
وقدْ لقيتُ صاحبَي أخِينا *** فاعْلَمْهُ في حّذفِهِما بَقِينا
أي أن نون الجمع المذكر السالم مفتوحة، ونونَ التثنية مكسورة للفصل بينهما، وتسقط كلّ منهما في الإضافة كما يسقط التنوين لما سبق أنهما بدل عنه في المفرد، فتقول في التثنية: جاء غلاما زيد، ولقيتُ صاحبي أخينا، ومررتُ بغلامي زيد، وفي الجمع: جاء بنو زيد، ولقيتُ صاحبي أخينا، ومررتُ ببني زيد، وساكني الرصافة، ورأيتُ بني زيد، وساكني الرصافة وهي الجانب الشرقي من بغداد، والضمير في "حذفهما" للنونين أي نونِ الجمع ونونِ التثنية، "وبقينا" مصدر منصوب بـ"اعلمه" كقعدت جلوسًا، وقد يحذف هذا البيت في بعض النسخ.
بابُ جمع المؤنثِ السالمِ
وكُلُّ جَمعٍ فيهِ تاءٌ زائدهْ *** فارْفَعْهُ بالضمِّ كرَفْعِ حامِدَهْ
ونَصبُهُ وجَرُّهُ بالكَسرِ *** نحوُ كَفَيْتُ المُسلماتِ شَرّي
أي وكل جمع سالم فيه تاء زائدة للتأنيث كمسلمات وحامدات فرفعه بالضم كمفرده، وكذا جره بالكسر كمفرده وأما نصبه فبالكسر أيضًا حملاً له على جره كما حملوا نصب الجمع المذكر السالم على جره فجعلوهما معًا بالياء، فتقول: جاءت الحامدات والمسلمات بالضم، ومررتُ بالحامدات والمسلمات بالكسر، كما تقول: جاءت الحامدة والمسلمة بالضم، ومررتُ بالحامدة والمسلمة بالكسر، وتقول: رأيتُ الحامدات، وكَفيتُ المسلمات شري بالكسر بدلاً عن الفتحة، ونصبه مستثنًى من قاعدة النصب بالفتحة، والكاف في قوله:
"كرفع" نعت مصدر محذوف أي رفعًا كرفع، واحترز بقوله: "كل جمع" عن نحو: {تبْتَغي مرْضاتَ أزواجِكَ} [سورة التحريم/1] لأنه مفرد لا جمعٌ أصله مَرْضَوَةٌ، وبقوله: "فيه تاء زائده" عن نحو: أبياتٍ وأقواتٍ، فإن التاء فيهما أصلية لوجودها في بيت وقوت، ولا يَرِدُ عليه أيضًا نحو: قضاة ورماة، لأنه ليس بسالم والترجمة للسالم.
تنبيه: بقي مما هو مستثنى من قاعدة الإعراب بالأربع العلامات السابقة ثلاثة أبواب من الأسماء باب ما لا ينصرف فإنه يجر بالفتحة كما سيأتي عكس الجمع المؤنث السالم، ومن الأفعال بابان أحدهما باب الفعل المعتل فإنه يجزم بحذف ءاخره ويرفع بالسكون مطلقًا ويُنصب بالفتحة إن كان ءاخره واوًا كيدعو أو ياءً كيرمي، وثانيهما الأمثلة الخمسة وهي: يفعلان وتفعلان ويفعلون وتفعلون وتفعلين، فإنها تُرفع بثبوت النون وتُنصب وتجزم بحذفها وقد ذكر الناظم ذلك كله في ءاخر المنظومة.
تنبيه ءاخر: الحاصل أن الإعراب يكون بما سبق من العلامات الأربع إلا في سبعة أبواب: الأسماء الستة، والتثنية، والجمع المذكر السالم، والجمع المؤنث السالم، وما لا ينصرف، والفعل المعتل، والأمثلة الخمسة، وأما المنقوص والمقصور فالتحقيق أنهما معربان بحركات مقدرة فهما كالمستثننى في الظاهر، وكذا نحو: يخشى ويدعو ويرمي في حالة الرفع، ونحو: يخشى فقط في حالة النصب.
تنبيه ءاخر: قد عُلم أن الأسماء الستة والتثنية والجمع المذكر السالم نابَت فيهما حروف عن حركات ومثلها الأمثلة الخمسة في حالة الرفع، وأن جمع المؤنث السالم وما لا ينصرف نابت فيهما حركة عن حركة، والفعل المعتل والأمثلة الخمسة ناب فيهما في حالة الجزم حذفُ حرف عن السكون، وكذا في حالة نصب الأمثلة الخمسة نابَ الحذفُ عن الحركة.
تنبيه ءاخر: قد عُلم أيضًا مما سبق أن الألفَ وقَعتْ علامة للنصب في الأسماء الستة خاصة، وللرفع في التثنية خاصة، والواوَ وقعت علامة للرفع في موضعين: الأسماء الستة والجمع المذكر السالم، والياء وقعت علامة للنصب في موضعين أيضًا: التثنية والجمع المذكر السالم، والكسرة علامة للنصب في الجمع المؤنث السالم خاصة، والفتحة علامة للجر فيما لا ينصرف خاصة، والحذف علامة للجزم في موضعين: الفعل المعتل والأمثلة الخمسة، وللنصب في الأمثلة الخمسة خاصة، فليُحفظ ذلك فإنه معين للطالب.
بابُ جمع التكسيرِ
وكُلُّ ما كُسّرَ في الجُمُوعِ *** كالأسدِ والأبياتِ والرُّبُوعِ
فهوَ نظيرُ الفَرْدِ في الإعرابِ *** فاسْمَعْ مَقالي واتَّبِعْ صوابي
أي أن حكم ما لم يسلم فيه بناء الواحد من الجموع وهو الجمع المكسر حكم المفرد في إعرابه بالحركات السابقة سواء تغير بحركات فقط من غير زيادة ولا نقص كالأسد بضم الهمزة وسكون السين في جمع أسد محركًا أم بها مع زيادة كأبيات وربوع في جمع بيت ورَبْع، أم بها مع نقص كالكتب والرسل في جمع كتاب ورسول. والربع: المنزل في الربيع، والمقال: القول، وقد أنصف الناظم رحمه الله تعالى حيث أمر باستماع مقاله كله واتباع الصواب منه فقط. والكاف في قوله: "كالأسد" في موضع نصب على الحال من عائد ما الموصولة وهو الضمير المستتر في "كسر" أي مماثلاً للأسد.
بابُ حروفِ الجرّ
والجرُّ في الاسمِ الصحيحِ المُنصرِفْ *** بأحرفٍ هُنَّ إذا ما قيلَ صِفْ
مِنْ وإلى وفي وحتى وعلى *** وعنْ ومُنذُ كمْ وحاشا وخلا
والباءُ والكافُ إذا ما زيدا *** واللامُ فاحْفَظْها تَكُنْ رشيدا
ورُبَّ أيضًا ثُمَّ مُذْ فيما حَضَرْ *** منَ الزمانِ دونَ ما مِنهُ غَبَرْ
تقولُ ما رأيتُهُ مذْ يومِنا *** ورُبَّ عبدٍ كَيّسٍ مَرَّ بِنا
قد سبق أن الجر يختص بالأسماء ولهذا قال الناظم: "والجر في الاسم" وقيده بالصحيح ليخرج المعتل وهو المنقوص والمقصور لما سبق أن الجر لا يظهر أثره فيهما، وبالمنصرف ليخرج ما لا ينصرف فإن جرّه يكون بالفتحة كما سيأتي في بابه، ثم الجر يكون إما بإضافة اسم إلى اسم كما سيأتي وإما بحروف تجر ما دخلت عليه وهي كما ذكره الناظم أربعة عشر حرفًا وما في قوله: "هنّ إذا ما" زائدة، وهن من وإلى كقولك: خرجت من الدار إلى المسجد، وفي: كاعتكفت في المسجد، وحتى نحو: {حتى مَطْلَعِ الفَجرِ} [سورة القدر/5]، وعلى نحو:
ركبت على الفرس، وعن: كسألت عن العلم، ومنذ في حاضر الزمان نحو: ما رأيته منذ اليوم، أو منذ يومنا هذا، وهكذا ماضيه نحو: رأيته منذ يومين، وحاشا وخلا في الاستثناء نحو: جاء القوم حاشا زيد وخلا عمرو، وكذا عدا كما سيأتي في الاستثناء بشرط أن لا تتصل بها ما المصدرية والباء الزائدة كمررت بزيد، وتكون أيضًا للقسَم كما سيذكره الناظم فيما سيأتي قريبًا، والكاف الزائدة أيضًا نحو: زيد كالأسد، وإلى الباء والكاف يعود ضمير التثنية في قوله: "إذا ما زيدا"، وما: زائدة وكذا اللام الزائدة نحو:
المال لعمرو، ورب كقولك: رب عبد كيّس مر بنا أي حاذق، ومذ: في الزمان الحاضر فقط نحو: "ما رأيته مذ يومنا" كما مثّل به الناظم ومثله: مذ اليوم دون ما غبر من الزمان، أي مضى وهو بغين معجمة وقد تكون بمعنى بقي ويجوز أن تقرأ بالمهملة، فإذا قلت: ما رأيته مذ يومان أو مذ يوم كذا رفعت ما بعده.
تنبيه: ما ذكره الناظم من أن منذُ يجر بها الزمان الحاضر والماضي، ومذ لا تجر إلا الحاضر منه دون الماضي هو مذهب سيبويه لكن الأرجحَ عند ابن مالك وأتباعه التسوية بينهما، وإذا جرّا الماضي فهما بمعنى مِنْ، أو الحاضر فهما بمعنى في، ويجوز أيضًا رفع الاسم بعدهما على أنه مبتدأ مؤخر وهما الخبر وبالعكس.
تنبيه ءاخر: تختص حتى والكاف وربّ ومذ ومنذ بجر الاسم الظاهر فلا تقول: حتَّاه وكَهُ ورُبَّهُ ومُنذهُ، وكذا واو القسم وتاؤه بخلاف الباء الموحدة واللام وغيرهما فيجوز بك ولك ومنك وإليك وعليك وفيك وعنك.
ورُبَّ تأتي أبدًا مُصَدَّرهْ *** ولا يليها الاسمُ إلا نَكِره
وتارةً تُضْمَرُ بعدَ الواوِ *** كقولهم وراكبٍ بَجَاوِي
أي وتختص ربَّ مع مشاركتها لسائر حروف الجر في الجر بأمور، منها أنها لا تقع إلى في صدر الكلام لأن أصل مجرورها مبتدأ ولهذا لا يتم الكلام حتى يخبر عنه كما سبق في: "رب عبد كيس مر بنا" بتقديمها بخلاف غيرها فإنك تقول مثلاً: خرجت من الدار إلى المسجد، فتقع من وإلى في أثناء الكلام، ومنها أنها لا تجر إلا النكرة كما سبق أن كل ما تدخل عليه رب فهو نكرة بخلاف غيرها فإنه يجر المعرفة والنكرة (1)، كخرجت من الدار إلى المسجد مثلاً، ومنها أنه يجوز أن يُجَرَّ بها محذوفةً مضمرةً بعد واو يدل عليها كقول الشاعر:
[pic]
وليلٍ كموج البحر أرخى سدولَه *** عليَّ بأنواع الهموم ليبتلي
أي ورب ليل، ومثله: "وراكب بجاوي" أي ورب راكب بَجاوي أي منسوب إلى بجا بفتح الباء الموحدة والجيم وهم قبيلة من العرب إبلُهُم مشهورة بالجُودة يسكنون برَّ سواكِن (1) فيجوز كون البجاوي مجرورًا نعتًا للراكب ومنصوبًا مفعولاً به فهو نعت للمركوب.
(3) مفرده لا يتغير، حاله فيه كجمع التكسير.
(1) رب لا تجر إلا النكرة، وغيرها يجر المعرفة والنكرة.
(1) سواكن: بلد مشهور على ساحل بحر القلزوم ترفأ إليه سفن الذين يقدمون من جدة، معجم البلدان [3/276].
