وءالةُ التعريفِ ألْ فَمَنْ يُرِدْ *** تعريفَ كَبْدٍ مُبهَمٍ قالَ الكبدْ

وقالَ قومٌ إنها اللامُ فقطْ *** إذْ ألفُ الوصلِ متى تُدرَجُ سقطْ

ءالة الشىء ما يُتوصل به إلى تحصيل ذلك الشىء كالقلم فإنه ءالة الكتابة، والسلاح ءالة الحرب، وإذا أردتَ أن تتوصل إلى تعريف اسم نكرةٍ وهو المراد بقوله: "مبهم" أي شائع في جنسه فأدخل عليه ءالة التعريف المذكورة فتقول في رجل وفرس وكبد وهي مبهمات: الرجل والفرس والكبد، فيزول الإبهام، واختلف علماء العربية في أنّ التعريف حصل باللام وحدها أم بها مع ألف الوصل، فذهب الخليل وسيبويه وأتباعهما إلى أنه حصل بهما معًا، وذهب الأخفش وأتباعه وعزاه بدر الدين بن مالك إلى سيبويه إلى أنه باللام فقط، وإنما زيدت عليها ألف الوصل لأنها ساكنةٌ ولا يمكن الافتتاح بساكن ولهذا تسقط عند دَرْجِ الكلام أي وصله.

فائدة: الكبد بفتح الكاف وكسر الباء ويجوز تسكينها مع بقاء فتح الكاف وكسرها أيضًا، فالكبد المعرَّف في النظم مكسور الباء على الأصل، وكبدٍ مسكن الباء فيجوز في كافة الوجهان، و"فقط" بالتخفيف بمعنى فَحَسْبُ (1)، والضمير المستتر في "تدرج" للكلام وإن لم يتقدم له ذكرٌ للعلم به، ويجوز عَوده لألف الوصل كالضمير في "سقط"، وكان اللائق بوضع هذه المنظومة المختصرة أن لا يتعرض الناظم رحمه الله تعالى لاختلاف المذاهب لا سيما مثل الذي لا يضر الجهل به، ثم أشار إلى أقسام الفعل بقوله:

[pic] (1) معناه: "يكفي".

بابُ قسمةِ الأفعالِ

وإنْ أردتَ قِسمةَ الأفعالِ *** لِيَنجَلي عنكَ صدَا الإشكالِ

فهيَ ثلاثٌ ما لهُنَّ رابعُ *** ماضٍ وفعلُ الأمرِ والمُضارعُ

أي وإن أردتَ أن تعرف أقسام الفعل فهي الثلاثة المذكورة في النظم، ولكل قسم منها علامة تميزه، "لينجلي" بها أي يظهر، والصدا: ما يَعلَقُ بالسيف والمرءاة من الكدر، و"الإشكال": ضد الانجلاء، ثم بيَّن ذلك بقوله:

فكُلُّ ما يَصلُحُ فيهِ فيهِ أمْسِ *** فإنهُ ماضٍ بغيرِ لَبْسِ

أي فالقسم الأول من أقسام الفعل الذي هو الماضي يُعرف بأن تُلحَق به أمسِ كقولك: سار زيد أمس وخرج عمرو أمس.

فائدة: اللبس بفتح اللام الإشكال يقال: لَبَسَ عليه الأمرُ يَلبِسُهُ كَضَربهُ يضربه بمعنى خلَّطَهُ، ومنه قوله تعالى: {ولَلَبَسْنا عليهم ما يَلْبِسُونَ} [سورة الأنعام/9]، {بلْ هُمْ في لَبْسٍ مِنْ خلْقٍ جديدٍ} [سورة ق/15].

تنبيه: قد سبق أن الماضي يُعرف بأن تلحقه تاء المحدّث أي المتكلم نحو: خرجتُ، ودخلتُ، ولستُ أنفثُ، فلو اقتصر الناظم على تعريفه بها لكان أولى لأنها مطَّردة منعكسة، بمعنى أنها تصلح في كل ماضٍ ولا تصلح في غير الماضي، بخلاف أمسِ فإنه علامة لا تطّرد ولا تنعكس إذ لا يصح أن تقول في مثل: إن خرج زيد أكرمته، إن خرج زيد أمس أكرمته، مع أنه صيغة فعلٍ ماض، وكذلك لا يدخل "أمس" على ليس وعسى مع أنهما فعلان ماضيان، فقد وُجِدَ الماضي ولم يصلح معه أمس، وكذا يصح أن تقول في مثل: لم يخرج زيد لم يخرج أمس، مع أنه صيغة مضارع، فقد صلحَ أمسِ مع غير الماضي، والعلة في عدم صلاحية أمس في نحو: إن خرج زيد أنَّ إن الشرطية تقلب معنى الماضي مستقبلاً وإن كان لفظه ماضيًا، والعلة في صلاحية

لم يخرج زيد أمس أن لم النافية تقلب معنى المستقبل ماضيًا وإن كان لفظه مضارعًا، وسيأتي في ءاخر المنظومة أن أمس مبني على الكسر.

بابُ الفعلِ الماضي

وحُكمُهُ فَتْحُ الأخيرِ منهُ *** كَقولِهِم سارَ وبانَ عنهُ

أي وحكم الفعل الماضي أنه مفتوح الآخر أي مبني على الفتح سواء كان ثلاثيًا كسار و"بان عنه": أي انفصل، أو رباعيًا كدحرج وأكرم، أو خماسيًا كانطلق وانبسط، أو سداسيًا كاستخرج واستجاب.

تنبيه: ما ذكره الناظم من بناء ءاخر الماضي على الفتح ليس على إطلاقه، فإنه إذا اتصل به تاءُ الفاعل أو نونُه بُني على السكون، كدخلت (1) وخرجت وانطلقت ودخلنا وخرجنا ودخلن وخرجن، وإذا اتصلت به واو الجمع بُني على الضم كدخلوا وخرجوا وانطلقوا (2).

بابُ الأمرِ

والأمرُ مبنيٌّ على السكونِ *** مثالُهُ احْذَرْ صفقةَ المَغبونِ

أي والقسم الثاني من أقسام الفعل وهو الأمر، واستغنى الناظم عن تعريفه بعلامةٍ بما سبق من قوله: "أو كان أمرًا ذا اشتقاق" نحو قل، وأحسن علاماته أن يقبل ياء المؤنث كقولك: اركعي واسجدي واعبدي وهو مبني على السكون، كقولك: ادخل، وأكرم زيدًا وانطلق، واستخرج، و"احذر صفقة المغبون"، أي بيعته لأنهم يصفقون بيد البائع على يد المشتري.

تنبيه: ما ذكره من بناء الأمر على السكون مقيد بما إذا لم يَلِهِ ساكن

[pic] (1) سكنت اللام كراهية توالي أربع متحركات، فلو قيل دَخَلَتُ لتوالى أربع متحركات لذلك يُبنى على السكون.

كلام التعريف فإنه يكسر، وبما إذا لم يكن ءاخره حرف علة فإنه يبنى على حذف ءاخره، وقد أشار إلى الأول بقوله:

وإنْ تَلاهُ ألفٌ ولامُ *** فاكْسِرْ وَقُلْ لِيَقُمِ الغُلامُ

أي وإذا تلا فعل الأمر ءالةُ التعريف السابقةُ وجب كسر ءاخره، فتقول: قم الليل وصم النهار، لأن ألف الوصل تسقط في الدرْج، فالتقى حينئذ ساكنان لامُ التعريف الساكنة مع سكون ءاخر فعل الأمر فلا يمكن النطق إلا بتحريكه.

تنبيه: في تمثيله بقوله: "ليقم الغلام" تسامح لأنه مضارع مجزوم بلام الأمر لا فعل أمر، ثم ما يذكره من كسر ءاخر فعل الأمر إذا تلاه ألف ولام لا تختص بفعل الأمر ولا بلام التعريف بل هي قاعدة عند التقاء الساكنين مطلقًا نحو: {لمْ يكُنِ الذينَ} [سورة البينة/1]، وكمِ المال، و{قالتِ امرأتُ العزيزِ} [سورة يوسف/51] و: {يَسْئلونَكَ عنِ الخمرِ والمَيْسِر} [سورة البقرة/219] وسيأتي في قوله في باب الفاعل: "وتكسر التاء بلا محاله" وكذا قوله في الجزم: "فليس غير الكسر والسلام"، وربما فتحوا ءاخر الأول نحو: ومِنَ الناس، أو ضمّوه نحو: {أوِ انقُص منهُ قليلاً} [سورة المزمل/3] وأشار إلى القيد الثاني بقوله:

وإنْ أمَرْتَ مِنْ سَعَى ومِنْ غدَا *** فأسْقِطِ الحرفَ الأخيرَ أبدَا

تقولُ يا زيدُ اغْدُ في يومِ الأحدْ *** واسْعَ إلى الخَيراتِ لُقِّيتَ الرَّشَدْ

وهكذا قولُكَ في ارمِ مِنْ رمى *** فَاحْذُ على ذلكَ فيما استَبْهَما

أي إذا أمرت من فعل ءاخر مضارعه ألف كيسعى ويخشى، أو واو كيغدو ويدعو، أو ياء كيرمي ويقضي، فأسقط الحرف الأخير منه وهو حرف العلة مع بقاء الفتحة التي قبل الألف، والضمة التي قبل الواو، والكسرة التي قبل الياء، فتقول: يا يد اغد وادع واسع واخش وارم واقض، وقس على ذلك.

فائدة: قوله: "من سعى" أي من لفظ فعل مثل: سعى، فحرف الجر داخل على اسم مقدر، وكذا "من غدا" و"من رمى" وإنما مثلنا بمضارع هذه الأفعال لأن الأمر مأخوذ منه. و"الرشد" الهدى ويجوز ضم الراء مع سكون الشيم كما سبق في قوله: "اسمع هديت الرشد"، وقوله: "فاحذ" بمعنى قِس وأصله تقدير الطبقات الحِذاء على مقدار واحد، و"استبهم" بفتح التاء والهاء مبني للفاعل أي أشكل.

والأمرُ منْ خافَ خَفِ العِقابا *** ومِنْ أجادَ أجِدِ الجَوابا

وإنْ يَكُنْ أمْرُكَ للمُؤنَّثِ *** فقُل لها خافي رجالَ العَبَثِ

أي وإذا أمرت من فعل قبل ءاخر مضارعه حرفُ على كيخاف ويقول ويبيع، أسقطت حرف العلة أيضًا فتقول: خف وقل وبع وأجد الجواب، وهذا إذا أمرت الواحد المذكر لأنه يلتقي حينئذ ساكنان، وهما ءاخرُ فعل الأمر مع سكون حرف العلة قبله فيحذف حرف العلة، فلو أمرت المؤنثة لم تحذف حرف العلة لأن ءاخر فعل الأمر معها متحركٌ بالكسرة التي قبل ياء المؤنثة، فتقول: خافي وقولي وبيعي وأجيدي الجواب.

فائدة: "العبث" اللعب يقال: عَبِثَ يَعبَثُ كلَعِبَ يَلعَبُ.

تنبيه: إذا اتصل بفعل الأمر نون النسوة حذف له أيضًا حرفُ العلة التي قبل الآخر لالتقاء الساكنين، أعني ءاخر الفعل مع حرف العلة فتقول: خَفن، وقلن، وبعن، وأجدن الجواب، وإذا اتصل به ألف التثنية أو واو الجمع لم يحذف منه حرف العلة الذي قبل ءاخره لتحرك ءاخر الفعل فيهما، فتقول: خافا، وقولا، وبيعا، وأجيدا الجوابـ،، وكذا خافوا، وقولوا، وبيعوا، وأجيدوا، ومحل هذا على التصريف، إذ ليس مثلُ هذا من علم الإعراب.


(2) أما في هذه الأحوال فيقال مبني على الضم وعند بعضهم مبني على فتحة مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة.

(1) في نسخة: "الإعرابِ".