وخمسةٌ تَحذفُ منهُنَّ الطَّرَفْ *** في نَصبِها فألْقِها (1) ولا تَخَفْ

وهيَ لقيتَ الخيرَ تفعلانِ *** ويفعلانِ فاعْرفِ المَباني

وتفعلونَ ثُمَّ يفعلونا *** وأنتِ يا أسماءُ تفعلينا

فهذهِ تُحذَفًُ منها النونُ *** في نصبِها ليظهرَ السكونُ

تقولُ للزَّيدَينِ لنْ تنطلقا *** وفَرْقَدا السماءِ لن يفترقا

وجاهِدوا يا قومِ حتى تَغْنَموا *** وقاتِلوا الكفارَ كيما يُسْلِموا

ولنْ يطيبَ العيشُ حتى تُسْعَدي *** يا هندُ بالوصلِ الذي يشفي الصَّدي

أي إن هذه الأمثلة الخمسة وهي مرادة بقوله: "فاعرف المباني" تنصب بحذف النون كما مثل به، والمراد كل فعل مضارع اتصل به ألف الاثنين لمخاطب أو غائب كيفعلان وتفعلان، أو واو الجمع كيفعلون وتفعلون، أو ياء المخاطبة كتفعلين.

تنبيه: لعل مراده بقوله: "ليظهر السكون" أي في الألف والواو والياء التي تبقى بعد حذف النون على سكونها لأن وصل النون بها ربما أخفى سكونها، وقوله: "لن تنطلقا" بتاء الخطاب. والفرقدان: نجمان صغيران هما الأولان من بنات نعش الصغرى، "ويشفي" بفتح الياء الأولى، و"الصدي": الظمآن، وفي نسخة "يُروي" بضم الياء، وسيأني أن جزمها كنصبها بحذف النون.

[pic]

بابُ الجزمِ

ويُجزَمُ الفعلُ بِلَمْ في النفي *** واللامِ في الأمرِ ولا في النهيِ

ومِنْ حروفِ الجزمِ أيضًا لمَّا *** ومَنْ يَزِدْ فيهِ يَقُبْ ألمَّا

تقولُ لمْ تسمعْ كلامَ من عَذَلْ *** ولا تُخاصِمْ مَنْ إذا قالَ فَعَلْ

وخالدٌ لمَّا يَرِدْ معْ مَنْ وَرَدْ *** ومَنْ يَوَدّ فلْيُواصِلْ مَنْ يَوَدْ

أي يُجزم الفعل المضارع بهذه الأحرف الأربعة: فأما: لم ولما، فهما لنفي المضارع وقلب معناه ماضيًا، نحو: لم تسمع، وخالد لما يرد، ومنه قوله تعالى: {لمْ يلِدْ ولمْ يُولَدْ* ولمْ يكُنْ لهُ كُفُوًّا أحد} [سورة الإخلاص/3-4]، وقوله تعالى: {ولمَّا يَعْلَمِ اللهُ الذينَ} [سورة ءال عمران/142]، وقوله تعالى: {بل لمَّا يذوقوا عذابِ} [سورة ص/8]، وقوله تعالى: {ولمَّا يَدخُلِ الإيمانُ في قُلوبِكُمْ} [سورة الحجرات/14]، والفرق بين لم ولما أن المنفي بلما يُتوقع ثبوته، فإذا قيل:

هل ورد زيد؟ قيل: لما يرد، أي ما ورد بعد وأنا متوقع وروده، وقد تزاد عليها همزة الاستفهام كقولك: ألما يقم كما تزاد على لم نحو: {ألمْ نَشرَحْ لكَ صَدْرَكَ} [سورة الشرح/1]، وأما لام الأمر فنحو: ليقم زيد، و{ليُنفقْ ذو سعةٍ مِنْ سَعَتِهِ} [سورة الطلاق/7]، "ومن يود فليواصل من يود" أي من يُحب فيود بفتح الياء فيهما، ومَنْ الأولى شرطية والثانية موصولة بمعنى الذي، وأما لا الناهية فنحو: لا تقم، لا تشرك بالله، "لا تخاصم من إذا قال فعل"، أي إذا قال في خصامه: لأفعلن بك كذا فعل ما قاله وهم أرباب الشوكة والولاية.

تنبيه: أصل لام الأمر أن تكون مكسورة ويجوز تسكينها مع الواو والفاء وثم في العطف في نحو قوله تعالى: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ ولْيُوفُوا نذورَهُم ولْيَطَّوَّفوا بالبيتِ العتيقِ} [سورة الحج/29]، وقوله تعالى: {فَلْيُنفِقْ مما ءاتاهُ اللهُ} [سورة الطلاق/7]، ومنه: "فليواصل من يود".

وإنْ تلاها ألفٌ ولامُ *** فليسَ غيرُ الكَسْرِ والسلامُ

تقولُ لا تَنْتَهِرِ المِسْكينا *** ومِثلهُ لمْ يَكُنْ الّذينا

أي وإن تلا الأفعالَ المجزومة ألفٌ ولامٌ فليس لأواخرها إلا الكسر فرارًا من التقاء الساكنين، ومثّل للمجزوم بلا الناهية بقوله: "لا تنتهر المسكين" وللمجزوم بلم بقوله: "لم يكن الذينا" وقد ذكرنا في فعل الأمر أن هذه القاعدة مطردة، وقوله: "والسلام" كمل به القافية وهو مبتدأ محذوف الخبر والتقدير والسلام عليك.

وإنْ ترَ المُعتَلَّ فيها رِدْفًا *** أوْ ءاخِرِ الفعلِ فَسُمهُ الحَذفا

تقولُ لا تأسَ ولا تُؤْذِ ولا *** تقُلْ بلا عِلْمٍ ولا تَحْسُ الطلا

وأنتَ يا زيدُ فلا تَهْوَ المُنى *** ولا تَبِعْ إلا بنَقْدٍ في مِنَى

أي وإن تجد حرفًا من حروف العلة ردفًا للفعل المجزوم أو ءاخرًا له فاطلب له الحذف، والمراد بالردف ما كان قبل الآخر مأخوذ من ردف الراكب، وإنما قال "ردفًا" ليدل على الوسط دون الردف الذي يكون قبل الآخر، و"سمه" بضم السين من السموم وهو الطلب، فقوله: "لا تأس ولا تؤذ" "ولا تحس الطلا" بمهملتين مثال لما حرف العلة ءاخره. و"الطلا": بكسر الطاء خمر مطبوخة، وحسوها: شربها جرعًا، و"لا تهو المنى": ءاخر ألف، و"المنى": بضم الميم الأمانيًّ الكاذبةُ واحدها مُنْيةٌ. وقوله: "ولا تقل" "ولا تبع" مثال لما قبل ءاخره حرف على أصلها لا تقول ولا تبيع، ومثلهما لا تخف أصله لا تخاف، وقد سبق نظير ذلك كله في فعل الأمر في: واسعَ، واغدُ، وارمِ وخَفِ العقاب، وأجدِ الجواب، لأن الأمر مقتضبٌ من المضارع.

والجزمُ في الخمسةِ مثلُ النصبِ *** فاقْنَعْ بإيجازي وقُلْ لي حَسْبي

أي الجزم في الخمسة الأمثلة السابقة في قوله: "وخمسة" فاللام للعهد الخارجي وهي: يفعلان وتفعلان ويفعلون وتفعلون وتفعلين، مثل النصب أي بحذف النون منها نحو قوله تعالى: {فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا} [سورة البقرة/24]، وقوله تعالى: {قُلْ لَّمْ تُؤمنوا} [سورة الحجرات/14]، {وإنْ يَتَفرَّقا} [سورة النساء/130]، وقوله تعالى: {فلمْ يُغْنِيا} [سورة التحريم/10]، {فإنْ لم يَستَجيبوا} [سورة القصص/50]، {ولا تخافي ولا تحزني} [سورة القصص/7]، وإيجاز الكلام تقليل لفظه مع تكثير معناه، و"حسبي" أي كافي.

بابُ الشرطِ والجزاءِ

هذا وإنْ في الشرطِ والجزاءِ *** تنَجزِمُ فِعْلَينِ بلا امْتراءِ

وأختُها أيٌّ ومَنْ ومهما *** وحيثُما أيضًا وما وإذما

وأينَ مِنْهُنَّ وأنَّى ومتى *** فاحْفَظْ جميعَ الأدواتِ يا فتى

وزادَ قومٌ ما وقالوا إمَّا *** وأيْنَما كما تَلَوا أيَّاما

تقولُ إن تخرجْ تُصادِفْ رُشدا *** وأينما تذهَبْ تُلاقِ سَعدا

ومَنْ يَزُرْ أزُرهُ باتّفاقِ *** وهكذا تصنعُ في البواقي

فهذهِ جوازِمُ الأفعالِ *** جَلَوْتُها مَنظومةَ اللآلي

فاحفَظْ وُقيتَ الشرَّ ما أملَيتُ *** وقِسْ على المذكورِ ما ألغيتُ

أي أن الجوازم نوعان: نوع يجزم فعلاً واحدًا وهو الأربعة الأحرف السابقة وإليه الإشارة بقوله: "هذا" أي هذا المذكور نوع من الجوازم، ونوع يجزم فعلين وهو أدوات الشرط والجزاء العشرة المذكورة، فالأول إن الشرطية المكسورة المخففة وهي أمُّ الباب نحو قوله تعالى: {وإن تُبْدوا ما في أنفُسكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُم بهِ الله} [سورة البقرة/284]، ومثّل لها بقوله: "إن تخرج تصدف رشدا"، الثانية أيُّ المشددة نحو: أيّ يكرمني أكرمْه، وأيا تصحبْ أصحبْ، الثالثة من نحو قوله تعالى: {مَنْ يَعمَلْ سُوءًا يُجزَ بهِ} [سورة النساء/123]. ومثّل لها بقوله: "ومن يزر أزره"، الرابعة مهما وهي بمعنى ما نحو: {مهما تأتِنا بهِ} [سورة الأعراف/132] الآية، الخامسة حيثما نحو: حيثما تكن يأتك رزقك، ومنه قول الشاعر:

حيثما تستقمْ يقدّرْ لك الله *** نجاحًا في غابر الأزمانِ

أي فيما بقي منها، السادسة ما نحو: {وما تفعلوا مِنْ خيرٍ يَعلمْهُ الله} [سورة البقرة/197]، السابعة إذما نحو: إذما تزرني أكرمْك، ومنه قول الشاعر:

فإنك إذما تأت ما أنت ءامرٌ *** به تُلفِ مَنْ إياهُ تأمُرُ ءاتيا

الثامنة أين نحو: أين تذهب أذهب معك، التاسعة أنّى نحو: أنى تقم أقم معك، العاشرة متى نحو: متى تزرني أكرمك، وقد مثّل الناظم لإن وأينما ومن، وقال اصنع في البواقي هكذا ليتمرن الطالب على استخراج التمثيل، وذكر أنه يجوز أن تزاد "ما" على أدوات الشرط نحو: {وإمّا نُرِيَنَّكَ} [سورة يونس/46] أصله وإن ما، ونحو قوله تعالى: {أينَ ما تكونوا} [سورة البقرة/148]، ونحو: {أيًّا ما تَدْعُوا} [سورة الإسراء/110].

تنبيه: عبارته توهم أنه يجوز أن يزاد ما على الأدوات كلها وليس كذلك بل فيه تفصيل، فأربعة يُمنع زيادة "ما" عليها، وأربعة يجوز، واثنان يجب، فإنها لا تزاد على مَن وما ومهما وأنّى، والجواز أيضًا إنما هو في: إنْ وأيّ وأين ومتى، وأما حيثما وإذما، فزيادة "ما" عليهما شرط لعملهما الجزم كما أوردهما الناظم.

تنبيه: اعلم أن أنْ الشرطية حرف اتفاق، وكذا إذ ما عند سيبويه وابن مالك وأتباعه، بعد أن سُكّنت إذ الدالة على الظرفية لمّا تركبت مع ما، وسائر الأدوات أسماء ضُمنت معنى الشرط مع دلالة متى وأنى وأين وحيثما على الظرفية، وتمحض أيٌّ ومن ومهما للاسمية، وكلها إنما تجزم الفعلين المضارعين لأنه الذي يظهر فيه الجزم بشرط أن لا يبنى نحو: النوقُ يسرحن ولم يسرحن، فلو كانا ماضيين أو أحدهما بقي على حاله وكان مجزوم المحل نحو قوله تعالى: {وإنْ عُدتُمْ عُدْنا} [سورة الإسراء/8]، وقد يكون الجزاء جملة اسمية نحو: {ومَنْ يَتَوكَّلْ على اللهِ فهوَ حسبُهُ} [سورة الطلاق/3]، و"جلوتها": أي أوضحتها، وشبهها باللآلئ المنظومة، وأمر الطالب بحفظ إملائه والقياس على ما ألغاه أي قياسِ ما أهمل ذكرَهُ على ما ذكره.


(1) في نسخة: "فألقِهِ".