[pic]
قال به جماعة كالزجاج وابن السراج وابن مالك قياسًا على ليت لأنه لم يسمع إلا في ليت، واختار الناظم أن النصب في ليت ولعل وكأن أظهرُ لقوة شبههنَّ بالفعل الناسخ للابتداء ومذهب سيبويه والجمهور أنه لا يجوز إلا في ليت وحدَها وروي بالوجهين قول الشاعر:
قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا *** إلى حمامتنا ونصفه فَقَدِ
ومعنى ما يؤثر أي ما ينقلُ يقال أثرَ الحديثَ يأثره كنصرَ وضربَ أي نقله.
بابُ كان وأخواتِها
وعَكسُ إنَّ يا أُخَيَّ في العملْ *** كانَ وما انفكَّ الفتى ولمْ يزَلْ
وهكذا أصبحَ ثمَّ أمسى *** وباتَ ثمَّ ظلَّ ثم أضحى
وصارَ ثمَّ ليسَ ثمَّ ما برِحْ *** وما فَتِئَ فافْقَهْ بياني المُتّضِحْ
وأخُتُها ما دامَ فاحفظَنْها *** واحْذَرْ هُديتَ أنْ تزيغَ عنها
تقولُ قدْ كانَ الأميرُ راكبًا *** ولمْ يزَلْ أبو عليّ غائبا (1)
وأصبحَ البردُ شديدًا فاعْلَمِ *** وباتَ عمرٌو ساهرًا لمْ يَنمِ
أي أن هذه الأفعال المذكورة من نواسخ المبتدأ فتدخل على المبتدإ فترفعه تشبيهًا له بالفاعل وتنصب الخبر تشبيهًا له بالمفعول وذلك عكسُ عملِ إن وأخواتها وأمثلتها في النظم ظاهرة، ومعنى ما انفك وما زال وما برح وما فتئ ملازمة الاسم للخبر، فمعنى ما انفك وما زال وما برح زيد قائمًا، لازمَ زيدٌ القيام، وشرط هذه الأربعة أن يتقدمها نفيٌ أو شبهُهُ كما مثّل به، وما دام ملازِمةٌ لما المصدريةِ الظرفية كما نطق به الناظم، وما تَصَرَّفَ من هذه الأفعال من مضارع أو أمر أو غيرهما يعمل عمل الماضي كقولك: سيكون زيد فقيهًا، وكن فقيهًا، وكل ما
[pic]
جاز أن يكون خبرًا للمبتدأ جاز أن يكون خبرًا لهذه الأفعال كقولك: كان زيد يصلي، وعندنا، وفي الدار، وقوله: "فافقه" أي فافهم، ويجوز أن يقرأ قوله: "غائبا" بالمهملة والمثناة فوقُ وعكسِهِ.
ومَنْ يُرِدْ أنْ يجعلَ الأخبارا *** مُقَدَّماتٍ فلْيَقُلْ ما اخْتارا
مِثالُهُ قدْ كانَ سَمْحًا وائِلُ *** وواقفًا بالبابِ أضحى السائِلُ
أي ويجوز في هذا الباب أن يتقدم الخبر على الاسم فيكون متوسطًا بين العامل والاسم نحو: "قد كان سمحًا وائل" أي جوادًا، ووائل بالمثناة من تحت وهو أبو قبيلة، ويجوز أيضًا أن يتقدم على العامل نحو: واقفًا بالباب أضحى السائل، لأن الخبر هنا كالمفعول، وقد سبق جواز الأمرين فيه.
تنبيه: أما توسط الخبر فيجوز في جميعها، وأما تقديمه فيجوز أيضًا إلا في الأربعة الملازمة للنفي إن كان حرف النفي "ما" وكذا "ليس" على الصحيح فلا تقول قائمًا ما برح زيد، ولا قائمًا ما دام زيد، ولا قائمًا ليس زبد، فإن كان حرفُ النفي غير ما جاز تقديمُهُ نحو: قائمًا لم يزل زيد، ومقيمًا لا ينفك عمرٌو، وعاكفًا لم يبرح بكر.
وإنْ تقُلْ يا قومِ قدْ كانَ المطرْ *** فَلَسْتَ تحتاجُ لها إلى خَبَرْ
وهكذا يصنعُ كلُّ مَنْ نَفَثْ *** بها إذا جاءتْ ومعناها حَدَثْ
أي أن "كان" تستعمل ناقصة أي تفتقر إلى خبر كما سبق، وقد تستعمل تامة أي غيرَ محتاجة إلى خبر ويصيرُ الاسم فاعلاً لها كقولك: كان المطر أي وقع كقولك: قام زيد، وهكذا حيث كان معناها حدث أو وقع أو وُجِدَ، فهي تامة من باب الفعل والفاعل.
تنبيه: ولا يختص ذلك بكان بل سائرُ أخواتها كذلك نحو: {فسُبحانَ اللهِ حينَ تُمْسُونَ وحينَ تُصبِحون} [سورة الروم/17]، و: {ما دامتِ السمواتُ والأرضُ} [سورة هود/107]، إلا ثلاثةَ أفعالٍ وهي ليس وما زال وما فتئ، فلا تستعمل إلا ناقصة.
والباءُ تختصُّ بليسَ في الخبرْ *** كقولِهِم ليسَ الفتى بالمُحْتَقَرْ
أي وتختص ليس دون غيرها بجواز دخول الباء على خبرها كما مثّل به، ومنه: {أليسَ اللهُ بكافٍ عَبْدَهُ} [سورة الزمر/36].
تنبيه: إذا دخلت الباء على خبر ليس وعطفت عليه اسمًا كقولك: ليس زيد بقائم ولا قاعدًا، جاز نصبُ المعطوف باعتبار محلِ المعطوفِ عليه، وجرُّهُ باعتبار لفظه، ومن النصب قول الشاعر:
فلسنا بالجبالِ ولا الحديدا
بابُ ما النافية الحِجازيةِ
وما التي تنفي كَليسَ النَّاصِبهْ *** في قولِ سُكّانِ الحجازِ قاطِبهْ
فقولُهُمْ ما عامِرٌ مُوافِقا *** كقولِهِم ليسَ سعيدٌ صادِقا
أي أن عرب الحجاز قاطبة أي جميعهم وهم قريش ومن والاهم وبلغتهم نزل القرءان يجعلون ما النافية كليس كما مثّل به، ومنه: {ما هذا بَشَرًا} [سورة يوسف/31] {ما هُنَّ أمَّهاتِهِم} [سورة المجادلة/2].
وتدخل الباء أيضًا على خبرها نحو: ما زيد بقائم، {وما ربُّكَ بظلاّمٍ للعبيدِ} [سورة فصلت/46]، وأما غير أهل الحجاز كبني تميم فهي عندهم ملغاةٌ ولا يتغير بها حكم المبتدأ كهل وبل.
تنبيه: أطلق الناظم إعمالها كليس، ولإعمالها عند الحجازيين شروط: منها أن لا يدخل الاستثناء على الخبر نحو: وما محمد إلا رسول، ومنها: أن لا يتقدم الخبر على الاسم نحو: ما قائم زيد، فإنها حينئذ ملغاةٌ على اللغتين.
بابُ النداءِ
ونادِ مَنْ تدعو بِيَا أوْ بأيا (1) *** أوْ همزةٍ أوْ أيْ وإنْ شِئتَ هَيا
أي أن النداء يصلح بكل واحد من هذه الحروف الخمسة، ويا هي أمّ الباب ولهذا ينادى بها القريب والبعيد، والهمزة كأَزَيدُ للقريب، وأي للمتوسط، وأيا وهيا للبعيد، والهاء في هيا مبدلة من الهمزة في أيا.
وانْصِبْ ونَوّنْ إذْ تُنادي النَّكِرهْ *** كقولِهِمْ يا نَهِمًا دَعِ الشَّرَهْ
أي وإذا ناديت نكرة غير مقصودة فانصبه ونوّنه كما مثّل به، وكقول الأعمى: يا رجلاً خذ بيدي.
فائدة: النَّهمُ والشرهُ متقاربا المعنى يقال: نَهِمَ كفرِحَ نهمًا ونهمةً محركتين إذا أفرطت شهوته، وشره يشره شرهًا إذا اشتد حرصه في الطلب.
وإنْ يكُنْ معرفةً مَشتَهِرَهْ *** فلا تُنَوّنْهُ وضُمَّ ءاخرَهُ
تقولُ يا سعدُ أيا (2) سعيدُ *** ومِثلهُ يا أيُّها العميدُ
أي وإن يكن المنادى معرفة فلا تنوّنه بل ضم ءاخره، ومراده المفرد من المعارف دون المضاف لأنه سيأتي، والمفرد ثلاثة أنواع: معرَّفة قبل النداء كزيد وعمرو وسعد وسعيد وهو مراده بالمشتهرة، ومعرّفة بأل كالرجل، ومعرّفة حدث لها التعريف بالنداء وهي النكرة المقصودة التي احترز عنها في تمثيله بـ"يا نَهِمًا دعِ الشره" فتقول: يا سعد، أيا سعيد، ويا أيها العميد، وأيا رجل.
تنبيه: أشار بقوله: "يا أيها العميد" إلى أن ما فيه أل لا ينادى إلا إذا
[pic]
توصل إليه بأي فزد عليه ها التي للتنبيه عوضًا عما فات أي من الإضافة فيقال: يا أيها الرجل، ولا يجوز: يا الرجل إلا في قولك: يا ألله بقطع الهمزة ووصلها، والمنادى في الحقيقة أيٌّ وضمتها ضمة بناء وما فيه أل صفة لها وضمته ضمةُ إعراب لا بناء.
تنبيه ءاخر: ما ذكره الناظم من بناء المنادى المعرفة على الضم هو في غير المثنى والمجموع فإن كان مثنى أو جمع مذكر سالمًا بني على ما يُرفع به كيا زيدان ويا زيدون.
وتَنْصِبُ المُضافَ في النداءِ *** كقولِهم يا صاحِبَ الرّداءِ
أي وإذا كان المنادى مضافًا فهو منصوب كما مثّل به ونحو: يا عبدَ الله، يا رسول الله، يا أهل الكتاب.
تنبيه: ومثل المضاف الاسمُ المطول كقولك: يا طالعًا جبلاً، ويا حسنًا وجهُهُ، ويا لطيفًا بالعباد لأنه شِبْهُ المضافِ.
وجائِزٌ عندَ ذوي الأفهامِ *** قولُكَ يا غُلامُ يا غُلامي
وجوّزوا فتحةَ هذي الياءِ *** والوقفَ بعدَ فتحِها بالهاءِ
والوقفُ بالهاءِ على غُلامِيَهْ *** كالوقفِ بالهاءِ على سُلطانيهْ
وقالَ قومٌ فيهِ يا غُلاما *** كما تَلَوا يا حسْرَتا على ما
أي وإذا نودي الاسم المضاف إلى ياء النفس جاز فيه أربعة أوجه أحدُها وهو أفصحها: حذف الياء مع بقاء الكسرة نحو: يا غلام بكسر الميم، وثانيها وثالثها: إثبات الياء ساكنة كيا غلامي بسكون الياء وفتحها كيا غلامي، فإذا وقفت قلت على الوجه الثالث: يا غلاميه بزيادة هاء السكت حفظًا لفتحة الياء لأنك لو وقفت بسكون الياء لم يحصل الفرق بينه وبين الوجه الثاني وهذا معنى قوله: "والوقف" بالرفع على الابتداء و"بالهاء" خبره أي وإذا فتحت الياء فالوقف بالهاء لا يسكون الياء وتسمى هذه الهاء هاء السكت وإلى ذلك أشار بقوله:
"كالوقف بالهاء على سلطانيه" لأن هاء السكت يحسن وصلها في الوقف بياء النفس المفتوحة مطلقًا منادًى كان أو غيره نحو: {ما أغنى عنّي مالِيَهْ* هلكَ عنّي سُلطانيَهْ} [سورة الحاقة/28-29]، ورابعها: إبدال الألف من ياء النفس نحو: يا غلاما، كما ورد في التلاوة: {يا حسرتا} و: {يا أسفا} أصله يا حسرتي ويا أسفي أي احضُري هذا أوانُكِ.
تنبيه: إذا نودي الأب والأم مضافين إلى ياء النفس جاز فيهما الأوجه الأربعة، ويجوز فيهما أيضًا وجهان ءاخران وهما تعويض تاء التأنيث عن ياء النفس مفتوحة ومكسورة كيا أبتِ ويا أُمّتِ وقرئ بهما في {يا أبتِ} [سورة يوسف/4].
تنبيه: أطلق الناظم جواز هذه الأوجه الأربعة في المنادى المضاف إلى ياء النفس وهو مقيد بأن لا يكون مقصورًا كالفتى والعصا، ولا منقوصًا كرامٍ وقاضٍ فلا يجوز فيهما إلا إثبات الياء مفتوحة كيا فتايَ بفتح الياء مخففة، و:يا راميَّ بفتحها مشددة مدغمة في ياء المنقوص، وكذا إذا كان المضاف إلى ياء النفس مضافًا إليه كيا غلامَ ابني، ويا ابنَ أخي، فإنه لا يجوز فيه إلا إثبات الياء مفتوحة أو ساكنة دون سائر الأوجه إلا في يا ابن أم ويا ابن عم، فإنهما لما كثر استعمالهما جاز فيهما حذفُ الياء مع كسر الميم وفتحها وقرئ بهما أيضًا في {ابنَ أُمَّ} [سورة الأعراف/150]، وما ذكره الناظم في شرحه من أنه يجوز فيهما الأربعة الأوجه خلافُ المشهور.
وحَذفُ يا يجوزُ في النداءِ *** كقولِهِمْ رَبّ اسْتَجِبْ دُعائي
وإنْ تَقُلْ يا هذهِ أوْ ياذا *** فحذفُ يا مُمْتَنِعٌ يا هذا
أي أنه يجوز حذف حرف النداء مفردًا كان المنادى أو مضافًا نحو {يوسُفُ أعْرِضْ عنْ هذا} [سورة يوسف/29] و: {قُلِ اللهُمَّ فاطِرَ السمواتِ والأرضِ} [سورة الزمر/46]، إلا إذا كان المنادى اسمَ إشارة كهذا وهذه وهؤلاء، فلا يجوز عند البصريين كما ذكره الناظم، وأجازه الكوفيون وابن مالك وأتباعه.
تنبيه: ومفهوم اقتصار الناظم على اسم الإشارة أن حذف حرف النداء يجوز مع النكرة المقصودة وهو مذهب الكوفيين ومنعه البصريون أيضًا فلا يقال في يا رجلُ: رجلُ ادْخُلْ.
(1) وفي نسخة: "عاتِبا".
(1) وفي نسخة: "وناد من تدعو بياءٍ أو أيا".
(2) في نسخة: "ويا".
