وهكذا إنْ قُلتَ زيدٌ لُمْتُهُ *** وخالدٌ ضَربتُهُ وضِمْتُهُ

فالرفعُ فيهِ جائزٌ والنصبُ *** كلاهُما دلَّتْ عليهِ الكُتْبُ

أي وهكذا يجوز الرفع والنصب إذا فتحت النطق باسم هو مفعولٌ في المعنى لفعل هو متأخرٌ عنه قد نصب ضمير ذلك الاسم كما مثّل به الناظم، فالرفعُ على أن زيدًا مبتدأ، و"لمته" خبره وهو جملة فعلية مركبة من فعل ماضٍ وفاعل وهو تاء المتكلم ومفعول به وهو الهاء التي هي ضمير زيد، والنصبُ على أنه مفعول لفعل مضمر ويسمى هذا استغالَ الفعل عن المفعول بضميره أي بضمير المفعول، فلو حذفتَ الهاء فقلت: زيدًا ضربت، تعين النصبُ على أنه مفعول متقدم لما سيأتي أن المفعول يجوز تقديمه على الفاعل وعلى الفعل أيضًا ولو لم يكن الاسم السابق مفعولاً في المعنى للفعل المتأخر عنه كقولك: زيد ضرب، وزيد يضرب، تعين الرفع على الابتداء.

تنبيه: "لُمتُهُ" بضم اللام "وضِمتُهُ" بكسر الضاد المعجمة، والضيم: الظلم، وإنما ضم أول لمته وكسر أول ضمته لأن عين لامَهُ يلومُهُ واو، وعين ضامه يَضيمه ياء، فأعطي الفاءُ عند إسناد الفعل إلى تاء الفاعل بعد حذف العين حركةًَ مجانسةً للعين وهي الضمةُ في لمته والكسرة في ضمته.

[pic]

تنبيه ءاخر: لا يخفى أن التشبيه بين نصب جالس وزيدًا لمته إنما هو في مجرد جواز النصب، وإلا فقد علم انتصاب جالس ومائس حالين، وزيدٍ وخالدٍ مفعولاً به.

بابُ الفاعلِ

وكُلُّ ما جاءَ منَ الأسماءِ *** عَقِيبَ فعلٍ سالمِ البِناءِ

فارْفَعْهُ إذْ تُعْرِبُ فهْوَ الفاعلُ *** نَحْوُ جرى الماءُ وجارَ العاذلُ (1)

أي والفاعل هو كل اسم جاء بعد فعل وقع منه، وهو أي ذلك الفعل سالمُ البناء (2) أي باق على صيغته الأصلية، واحترز بقوله: "سالم البناء" عما يبنى لما لم يسم فاعله فإنه يتغير بناؤه كما سيأتي، وإعراب الفاعل الرفع كما مثّل به الناظم، وأشار بالمثالين إلى أنه لا فرق بين الفاعل الحقيقي كجار العاذل، ودخل زيد مما يقع الفعل منه باختياره، والمجازي كجرى الماء، وسقط الجدار، ولا فرق بين الفعل المعتل والصحيح.

وبقوله: "عقيب فعل" إلى أنه لا يكون الفاعل إلا عقيب الفعل فلو تقدم الفاعل في المعنى على فعله، نحو زيد قام، وعمرو يقوم، انتقل من باب الفعل والفاعل إلى باب المبتدأ والخبر، لأنه حينئذ جملة اسمية فيٌقدر الفاعل في: قام ويقوم ضميرًا يعود إلى زيد يظهر في التثنية والجمع كقولك: الزيدان قاما والزيدون يقومون.

وَوَحّدِ الفعلَ معَ الجماعَهْ *** كقولِهِمْ سارَ الرجالُ السَّاعَهْ

أي ووحد الفعل إذا أسندته إلى فاعل ظاهر ولو كان مثنى أو مجموعًا كما توحّد مع المفرد فتقول: قال رجلان، وقال رجال، كما تقول: قال رجل، ولا تقل قالا رجلان، ولا قالوا رجال فهذا الإفراد

[pic]

واجب عند إسناد الفعل إلى الفاعل الظاهر فإن أسندته إلى ضمير اسم متقدم قلت: الرجلان قاما، والرجال قاموا.

وإنْ تَشأْ فَزِدْ عليهِ التاءَ *** نحوُ اشتَكَتْ عُراتُنا الشتاءَ

أي وإذا كان الفاعل جماعة فوحد الفعل كما سبق ثم إن شئت قلت: سار الرجال الساعة باعتبار المعنى، وإن شئت ألحقت به تاء التأنيث فقلت: سارت الرجال أي جماعة الرجال، ومثله: "اشتكت عراتنا الشتاء" وهم جمع عار عن اللباس بالمهملتين، ويجوز أن يقرأ بالمعجمتين جمع غاز في سبيل الله تعالى.

تنبيه: أطلق الناظم جواز إلحاق التاء لفعل الجماعة وذلك مقيد بجمع التكسير فقط كما مثل به بخلاف نحو: جاء المسلمون، فلا يجوز إلحاقه التاء وبخلاف نحوِ: جاءت المسلمات، فلا تحذف منه التاء غالبًا.

وتُلْحَقُ التاءُ على التحقيقِ *** بِكُلّ ما تأنيثُهُ حقيقي

كقولِهِمْ جاءَتْ سُعادُ ضاحِكهْ *** وانْطَلَقَتْ ناقةُ هندٍ راتِكَهْ

أي ما سبق من التخيير في إلحاق الفعل تاء التأنيث إنما هو في فعل الجماعة كما سبق، وأما فعل المفرد المذكر فلا يجوز إلحاق فعله التاء فلا تقول: قامت زيد، والمؤنث إن كان تأنيثه مجازيًا جاز إلحاقه التاء ولم يلزم كطلعت الشمس وطلع الشمس، وإن كان حقيقيًا حيوانًا له فرج لزمت كما مثل به الناظم.

فائدة: قوله "وتُلحِق" هو بضم التاء وكسر الحاء ليناسب، "ووحّد"، ويجوز فتح الحاء بالبناء لما لم يسم فاعله، و"سعاد" غير منون لأنه لا ينصرف، و"راتكه" بالتاء المثناة فوق، يقال: رَتَكَ البعيرُ يرتُكُ كنَصَرَ ينصُرُ إذا انطلق راتكًا أي راكضًا محركًا أعجازه.

تنبيه: أطلق الناظم لزوم التاء فيما تأنيثه حقيق وهو مقيد بالفعل المتصل بفاعله كما مثّل به فإن انفصل عنه جاز حذف التاء نحو: أتى القومَ هندٌ، ومفهومه أنها لا تلزم في غير ذلك وليس كذلك بل تلزم أيضًا إذا كان الفاعل ضميرًا يعود إلى مؤنث متقدم وإن كان تأنيثه مجازيًا كالشمس طلعت فلا يجوز الشمس طلع.

تنبيه ءاخر: الحاصل أن التاء تلزم في موضعين حيث كان الفاعل حقيقي التأنيث واتصل بفعله كجاءت سعاد، أو ضمير مؤنثٍ يعود إلى متقدم وإن لم يكن حقيقي التأنيث كالشمس طلعت، ويجوز الحذف والإثبات حيث كان الفاعل جمعَ تكسير كسار الرجال، أو مفردًا غير حقيقي التأنيث كطلع الشمس أو منفصلاً عن فعله كأتى القومَ هندٌ، والرابع حيث كان الفعل نِعْمَ وبئس كنعم المرأة هند، ونعمت المرأة هند، ولم يذكره الناظم رحمه الله.

وتُكْسَرُ التاءُ بلا مَحالهْ *** في مثلِ قدْ أقْبَلَتِ الغَزالهْ

وقد سبقت الإشارة إلى شرح هذا البيت عند قوله: "وإن تلاه ألف ولامُ" لأنه من قاعدة التقاء الساكنين، ومنه: {قالَتِ الأعْرابُ} [سورة الحجرات/14].

فائدة: قوله: "بلا محاله" أي بلا مانع، والغزال: الظبي كما سبق في مثال: أقبل الغلام كالغزال، ولا يقال الغزالة بالهاء إلا للشمس ففي تمثيله نظر.

بابُ ما لم يُسَمّ فاعلُهُ

واقضِ قَضاءً لا يُرَدُّ قائِلُهُ *** بالرفعِ فيما لمْ يُسَمَّ فاعِلُهْ

مِنْ بَعْدِ ضَمّ أوَّلِ الأفعالِ *** كقَولهم يُكتَبُ عَهْدُ الوالي

أي احكم للمفعول الذي لم يسم فاعله بالرفع إقامةً له مُقامَ الفاعل المجهول، وإذا أريد بناء الفعل له ضم أوله مضارعًا كان كما مثّل الناظم، أو ماضيًا: كضُرب زيد وكُتب العهد.

تنبيه: لم يزد الناظم على ضم أول الفعل ولا بد مع ذلك من كسر ما قبل ءاخره إن كان ماضيًا كضرب، وفتحه إن كان مضارعًا كيكتب.

تنبيه ءاخر: إذا بني الفعل المتعدي إلى مفعولين كسقى زيد عمرًا لبنًا لما لم يسم فاعله لم يرفع إلا واحدًا كما لا يكون الفاعل إلا واحدًا فانصب الثاني فتقول: سُقي عمرو لبنًا، فإن كان الفعل لازمًا ناب عنه المصدر نحو: {فإذا نُفِخَ في الصورِ نفخةٌ واحدةٌ} [سورة الحاقة/13].

وإنْ يكُنْ ثاني الثُّلاثي ألِف *** فاكْسِرْهُ حينَ تَبْتَدي ولا تَقِفْ

تقولُ بِيعَ الثَّوبُ والغلامُ *** وَكِيلَ زيتُ الشامِ والطعامُ

أي أن ضمَّ أول الفعل الماضي إنما هو إذا كان صحيح العبن فإن كان عين ماضيه ألفًا سواء كانت منقلبة عن ياء كباع وكال، أو عن واو كقال يقول وساق يسوق كُسر أوله وقُلبت الألف ياء نحو: بيع الثوب، وكيل الطعام، وقيل وسيق.

تنبيه: ما ذكره الناظم لا يختص بالثلاثي بل يأتي أيضًا في نحو: انقاد واختار، فيقال انقيد واختير، وما ذكره أيضًا من كسر أوله غيرُ لازم بل يجوز إشمام الضم كما قرئ بهما في نحو: قيل وسيق.

بابُ المفعولِ بهِ

والنَّصْبُ للمفعولِ حُكْمٌ أُوجِبا *** كَقَولِهِمْ صادَ الأميرُ أرْنَبا

ورُبَّما أُخّرَ عنهُ الفاعلُ *** نَحْوُ قد استَوفى الخراجَ العامِلُ

وهذا ظاهر لا يحتاج إلى شرح، وأوجب بضم الهمزة وكسر الجيم، و"الخراج": أجرة الأرض، وإنما جعل النصب إعراب المفعول ليُفرَقَ بينه وبين الفاعل، والأصل أن يؤتى بالفعل ثم الفاعل ثم المفعول كصاد الأمير أرنبًا، ويجوز تقديم المفعول على الفاعل كما مثّل به وعلى الفعل أيضًا نحو قوله: {فَفَريقًا كذَّبْتُمْ وفريقًا تَقتُلونَ} [سورة البقرة/87].

وإنْ تَقُلْ كَلَّمَ موسى يَعْلَى *** فقدّمِ الفاعلَ فهْوَ أوْلى

أي إنما يجوز تقديم المفعول إذا لم يُخَف اللَّبْسُ فإن خيف التباس الفاعل بالمفعول لعدم ظهور الإعراب فيهما معًا كما مثَّل به وجب أن يكون الفاعل أوَّلهما، فلو ظهر الإعراب في أحدهما نحو: كلم موسى زيد، أو في تابع أحدهما (1) نحو: كلم موسى الكليم يعلى، أو دل الفعل على الفاعل كأرضعت الصغرى الكبرى جاز تقدم المفعول لأمْنِ اللَّبْسِ.


(1) وفي نسخة: "العامِلُ"، والعاذل: اللائم، من لام يلوم.

(2) أي سالم من التغيير.

(1) كالنعت كما مثّل به.