رَوَى مُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَه وَغَيْرُهُمَا عَنْ جُوَيْرِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِهَا حِينَ صَلَّى الْغَدَاةَ أَوْ بَعْدَمَا صَلَّى الْغَدَاةَ وَهِيَ تَذْكُرُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى ارْتَفَعَ النَّهَارُ وَهِيَ كَذَلِكَ فَقَالَ: "لَقَدْ قُلْتُ مُنْذُ قُمْتُ عِنْدَكِ كَلِمَاتٍ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ هُنَّ أَكْثَرُ أَوْ أَرْجَحُ أَوْ أَوْزَنُ مِمَّا قُلْتِ: سُبْحَانَ اللهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبْحَانَ اللهِ رِضَى نَفْسِهِ، سُبْحَانَ اللهِ زِنَةَ عَرْشِهِ، سُبْحَانَ اللهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ".
الْعَرْشُ أَكْبَرُ جِسْمٍ خَلَقَهُ اللهُ مِنْ حَيْثُ الْحَجْمُ خَلَقَهُ اللهُ إِظْهَارًا لِقُدْرَتِهِ وَلَيْسَ لِيَجْلِسَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْجُلُوسَ وَكُلَّ صِفَاتِ الْخَلْقِ مُسْتَحِيلَةٌ عَلَى اللهِ. صَلَّى الْغَدَاةَ أَيْ صَلَّى الصُّبْحَ، سُبْحَانَ اللهِ رِضَى نَفْسِهِ أَيْ كَمَا يُحِبُّ، سُبْحَانَ اللهِ زِنَةَ عَرْشِهِ أَيْ تَسْبِيحًا بِقَدْرِ وَزْنِ عَرْشِهِ.
بَابُ مَا جَاءَ فِي الاِسْتِغْفَارِ
رَوَى النَّسَائِيُّ فِي عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ". قَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللهَ" تَرَقٍّ، وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ يَتَرَقَّى، سَيِّدُنَا يَحْيَى أُوتِيَ النُّبُوَّةَ وَكَانَ صَغِيرًا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَءَاتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾. الْحُكْمُ أَيِ النُّبُوَّةُ، قَالَ الشَّيْخُ الْعَبْدَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: "الْمَغْفُورُ لَهُ يَجُوزُ أَنْ يُسْتَغْفَرَ لَهُ عَلَى مَعْنَى رَفْعِ الدَّرَجَاتِ".
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا لَنَعُدُّ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَجْلِسِ يَقُولُ: "رَبِّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ". بِقَدْرِ مِائَةِ مَرَّةٍ. التَّوَّابُ هُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ كُلَّمَا تَكَرَّرَتْ.
وَرَوَى النَّسَائِيُّ فِي عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ الأَغَرِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى رَبِّكُمْ فَوَاللهِ إِنِّي لأَتُوبُ إِلَى رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ".
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ قَالَ: اسْتَغْفِرُ اللهَ الَّذِي لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ ثَلاَثًا غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ وَإِنْ كَانَ فَارًّا مِنَ الزَّحْفِ". فَارًّا مِنَ الزَّحْفِ أَيْ هَارِبًا مِنَ صَفِّ الْقِتَالِ أَيْ بِلاَ عُذْرٍ.
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِي عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمْ عَنْ شَدَّادِ بنِ أَوْسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "سَيِّدُ الاِسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لاَ إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ". أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ أَيْ أُقِرُّ بِنِعْمَتِكَ.
بَابٌ فِي فَضْلِ الصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. [سُورَةَ الأَحْزَابِ/56]. الصَّلاَةُ مِنَ اللهِ عَلَى النَّبِيِّ تَعْظِيمٌ وَرِفْعَةُ قَدْرٍ، وَالصَّلاَةُ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ دُعَاءٌ.
رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ". رَغِمَ أَنْفُ فُلاَنٍ فِي الأَصْلِ مَعْنَاهُ جُعِلَ فِي الرَّغَامِ وَهُوَ التُّرَابُ، وَالْمَقْصُودُ بِهِ هُنَا فَوَّتَ خَيْرًا كَثِيرًا.
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي الأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ عَشْرًا".
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلاَّ رَدَّ اللهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلاَمَ". مَعْنَاهُ وَقَدْ رُدَّتْ رُوحِي قَبْلَ ذَلِكَ تَوْفِيقًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ: "الأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ". رَوَاهُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ وَالْبَزَّارُ وَغَيْرُهُمَا.
وَرَوَى النَّسَائِيُّ وَأَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُمْ عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ للهِ مَلاَئِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الأَرْضِ يُبَلِّغُونِي مِنْ أُمَّتِي السَّلاَمَ".
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَه عَنْ أَوْسِ بنِ أَوْسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلاَةِ فِيهِ فَإِنَّ صَلاَتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ". الْحَدِيثَ. مَعْنَاهُ الْمَلاَئِكَةُ يَعْرِضُونَ عَلَيْهِ فُلاَنٌ صَلَّى عَلَيْكَ يَا نَبِيَّ اللهِ، بَعْضُ النَّاسِ الرَّسُولُ يَسْمَعُ صَلاَتَهُمْ وَسَلاَمَهُمْ هُوَ بِأُذُنِهِ يَسْمَعُ وَبَعْضٌ تَعْرِضُهُ الْمَلاَئِكَةُ عَلَيْهِ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكْتَالَ بِالْمِكْيَالِ الأَوْفَى إِذَا صَلَّى عَلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَأَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَذُرِّيَّتِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى ءَالِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ". وَاعْلَمُوا أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ جُرِّبَتْ كَثِيرًا لِرُؤْيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ.
وَرَوَى الْحَافِظُ السَّخَاوِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: »مَنْ صَلَّى عَلَيَّ عَصْرَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ثَمَانِينَ مَرَّةً غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُ ثَمَانِينَ سَنَةً«. أَيْ لَوْ كَانَتْ عِنْدَهُ.
