رَوَى النَّسَائِيُّ فِي السُّنَنِ وَعَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ سَعْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى الصَّفِّ وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِنَا فَقَالَ حِينَ انْتَهَى إِلَى الصَّفِّ: "اللَّهُمَّ ءَاتِنِي أَفْضَلَ مَا تُؤْتِي عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ". فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلاَةَ قَالَ: "مَنِ الْمُتَكَلِّمُ"- يَعْنِي ءَانِفًا- قَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "إِذَا يُعْقَرُ جَوَادُكَ وَتُسْتَشْهَدُ فِي سَبِيلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ". يُعْقَرُ جَوَادُكَ أَيْ يُقْتَلُ.

قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَقَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.

بَابُ مَا يَقُولُ إِذَا سَمِعَ الأَذَانَ أَوِ الإِقَامَةَ

رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاَةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لاَ تَنْبَغِي إِلاَّ لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَة".

وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرُهُ عَنْ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ بِاللهِ رَبًّا، وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولاً، وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا، غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ". رَضِيتُ بِاللهِ رَبًّا أَيْ أَحْبَبْتُ أَنْ يَكُونَ اللهُ رَبِّي.

وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرُهُ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلاَةِ الْقَائِمَةِ، ءَاتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ". رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ أَيِ الْكَامِلَةِ، وَالدَّعْوَةُ هُنَا هِيَ الدَّعْوَةُ إِلَى الصَّلاَةِ.

وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ وَغَيْرُهُ عَنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ثِنْتَانِ لاَ تُرَدَّانِ: الدُّعَاءُ عِنْدَ النِّدَاءِ، وَعِنْدَ الْبَأْسِ حِينَ يُلْحِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا". وَعِنْدَ الْبَأْسِ أَيْ شِدَّةِ الْقِتَالِ.

وَقَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي كِتَابِ الأُمِّ: "وَقَدْ حَفِظْتُ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ طَلَبَ الإِجَابَةِ عِنْدَ نُزُولِ الْغَيْثِ وَإِقَامَةِ الصَّلاَةِ". اهـ.

بَابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ اسْتِفْتَاحِ الصَّلاَةِ

رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلاَةَ قَالَ: "وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لاَ إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ ظَلَمْتُ نَفْسِي وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِيَ جَمِيعًا إِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ،

وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الأَخْلاَقِ لاَ يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلاَّ أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لاَ يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلاَّ أَنْتَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ". لِيُعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ الْحَقِّ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّ جَمِيعَ الْكَائِنَاتِ خَيْرِهَا وَشَرِّهَا، نَفْعِهَا وَضُرِّهَا كُلَّهَا مِنَ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَبِإِرَادَتِهِ وَتَقْدِيرِهِ،

قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ﴾. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾. وَمَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ" أَيْ أَنَّ الشَّرَّ لاَ يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَيْكَ. فَاللهُ لاَ يُحِبُّ الشَّرَّ مَعَ أَنَّهُ شَاءَ وَقَدَّرَ حُصُولَهُ وَدَخَلَ فِي الْوُجُودِ بِخَلْقِ اللهِ. وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مَعْنَاهُ قَصَدْتُ بِعِبَادَتِي الْخَالِقَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، حَنِيفًا أَيْ مَائِلاً عَنِ الْبَاطِلِ إِلَى الدِّينِ الْحَقِّ الَّذِي هُوَ الإِسْلاَمُ، النُّسُكُ هُوَ عَمَلُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَمَا يُذْبَحُ تَقَرُّبًا إِلَى اللهِ مِنَ الذَّبِيحَةِ كَالأُضْحِيَّةِ، وَمَحْيَايَ أَيْ حَيَاتِي، للهِ أَيْ مِلْكٌ للهِ وَخَلْقٌ لَهُ، لَبَّيْكَ أَيْ لَكَ الطَّاعَةُ، أُطِيعُكَ طَاعَةً بَعْدَ طَاعَةٍ، وَسَعْدَيْكَ أَيْ أُقِيمُ عَلَى طَاعَتِكَ. أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ أَيْ وُجُودِي بِكَ وَنِهَايَتِي إِلَى لِقَاءِكَ.

وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَبَّرَ فِي الصَّلاَةِ سَكَتَ هُنَيْهَةً قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَرَأَيْتَ سُكُوتَكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: "أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ". يُقَالُ مَكَثَ هُنَيْهَةً أَيْ سَاعَةً لَطِيفَةً، وَلُغَةً يُقَالُ نَقِيٌّ أَيْ نَظِيفٌ وَهُنَا أَيْ نَظِّفْنِي، الدَّنَسُ بِفَتْحَتَيْنِ الْوَسَخُ، وَهَذَا تَعْبِيرٌ عَنِ الذُّنُوبِ.

وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلاَةَ قَالَ: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، تَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلاَ إِلهَ غَيْرُكَ". مَعْنَى جَدُّكَ أَيْ عَظَمَتُكَ. تَبَارَكَ اسْمُكَ أَيْ تَعَالَى أَوْ كَثُرَ خَيْرُكَ وَإِحْسَانُكَ.